من هو الرجل الذي تستقبلينه في غيابي؟
محمد الحجيري
(مقطع من رواية "ظلال التيتانيك/ حكاية متري")
في السابع والعشـرين من عمره، كان متري لا يزال يتذكّر فخذَي مس عزّام العاريتين، وخدَّي نايلة بنت حبيش الورديين في المدرسة الوطنية في الشويفات... لكن شـيئًا ما تغيّر، وبدّل تضاريس البراءة والحياة. فجأة وجد متري نفسه في سوق الصاغة والجوهرجية غرب ساحة البرج في وسط بيروت. سوق الصاغة شـيدت عام 1886، على أرضٍ كانت مزروعة بالتوت. ربّما كانتْ تلك بداية تحولات القرن التاسع عشـر في المدينة يوم كانت مسورة. كانت السوق مبلّطة ومرتبة بأناقة. محاطةً باثنتي عشـرة بوابة عملاقة، مصممة على الطريقة العثمانية. متري لم يكن يعرف السوق إلى يوم وجد نفسه بجانب فتاة من آل سمراني، جميلة وطويلة وفاتنة، بشعرها الأسود الطويل، وجهها يشبه وجه الراقصة المصـرية نجوى فؤاد، لا يحبّها لكنه وقع في فتنتها، وأمها برفقتها. على قارعة الطريق ارتدى المحبس الذهبي، لا يعرف لماذا! واشترى لها مصاغًا ثمينًا. لم يكن عقله يفكر، كان منصاعًا لرغبته. يعترف بأنه تسـرّع في خطبتها ليتمكن من الاختلاء بها، ليقبّلها ويداعب تفاصيل جسدها النابض واردافها التي تحبّ الحياة، وأنوثتها التي كانت تسحب أنفاسه كلما اختلى بها.
وضع متري المحبس في يده، وبعد أيام كان الكاهن يوثق الزواج في السجل الكنسـيّ، قال "أيها الرب إلهنا بالمجد والكرامة كلِّلهما"، بحضور قلّة من معارف متري، وقد تزوّج لا يعرف لماذا، كأن ذلك حصل بغير إرادته، أو أن رغبته أقوى منه. الـ"الهو"، كما يسميه ألبرتو مورافيا، كان أقوى من الأنا. الرغبة أوقعته في فخ الزواج. ظنّ أنه يعيش في القفص الذهبي، فإذا به غرفة فولاذية مليئة بالأشباح. يعتبر متري أن بنت السمراني رمتْ نفسها عليه لأنها كانت غبية ووقحة، وعلى حمقه وخجله المفرط، تعلّق بها وانخدع، ثمّ لم يعدْ يستطيع التخلّي عنها، فتحولت في بيته إلى روح شيطانية.
كانت بنت السمراني تعرف الزواج تمامًا بعدما أمضتْ مرحلة علاقة غامضة ضبابية مع ابن خالتها. كانتْ شابة تهتم بأدق تفاصيل جسمها، وحتى شعرات عانتها، تعيش حياة غرامية غير مرضـية وتسعى للهروب من رتابة العنوسة وضـيق العيش في حيّ الحوارنة على كتف "حيّ السريان" في الأشرفية. هي من أصل حوراني. تشعر بالضجر والتبرّم من الوعد بالزواج، تريد أن تنتقل من مرحلة المتعة إلى الاستقرار التقليديّ، تعرف ماذا تريد تمامًا. لمْ يكن بإمكانها الزواج من ابن خالتها الذي سافر إلى باريس، فوقع الاختيار على متري الغارق في شاعريته وفقده وخجله البرّي. متري تعرّف إليها من طريق ابن عمته، ظنّ في البداية أنه تعرّف إلى الأخت المثالية لليلى، وتوهّم أنه مجنون ليلى أو جميل بثينة، وهي كانت جميلة بما يكفي.
لكن متري بعد أيام من زواجه، شعر أنه طرد من جنة الحياة، ليس بسبب تعسّف والدته التي كان لديها خلل ما، بل لأنه صار مع امرأة تحت سقف واحد. لم يكن الزواج الذي يحبّه، كانتْ امرأة رقطاء. فبعد أشهر على زواجه، أخبرتْه الجارة بأن زوجته استقبلتْ شخصًا غريبًا، ولم تفتح لها الباب حين كان في زيارتها. اشتعل متري غضبًا وغيرة، شعر بالضـياع واللوعة، شعر أنه مثير للشفقة، وتنقصه كل مزايا الرجولة، فكّر كثيرًا، رفع رأسه إلى الأعلى، كاد أن يبكي، قال "ليس للجارة أي مصلحة كي تنقل خبرًا كاذبًا"، ولم يكن أمامه إلا أن يواجه زوجته...
- من الذي تستقبلينه في غيابي؟
نظرت إليه مستهجنة وحركتْ عينيها باستغراب وتهكّم، وقالت:
- لا أحد، ماذا يحدث في رأسك، هل بك خطل ما؟
- الجارة أخبرتني.
- إنها تكذب.
- لا مصلحة لها في الكذب، من كان عندك في غيابي؟
صمتٌ ونظرات متبادلة، ثمّ قالت.
- ابن خالتي، ابن خالتي، عاد من السفر وزارني...
- ابن خالتك تستقبلينه في غرفة النوم؟!
تنظر إلى الأرض. تقول: "عاد من السفر، وزارني، أرجوك لا تفهمني غلط، ولا تأخذ تفكيرك إلى مطارح غبية".

يضع متري يده على جبينه، يغمض عينيه، ينبض قلبه بسـرعه، تتشنّج معدته، ترتجف يده، يضـيع في الاتجاهات، صورة المسيح في رأسه، هل ينقذه؟ يفكّر كيف وقع في هذا المستنقع، يسأل في وجدانه، ما الذي أجبره على الزواج، هل هو غضب الوالدين، أم إغواء الأبالسة، أم لعنه المدينة والوحدة بين أربعة جدران؟ يسأل نفسه، يصمتُ، يركل الطاولة، يخرج من البيت، يغلق الباب بعنف، يقود سـيارته لا يعرف إلى أين في شوارع بيروت، يسير، فجأة يجد نفسه عند مصب نهر الكلب، يركن السـيارة يقف قبالة المياه الغامضة، يغضب قليلًا، يأنس إلى الشاطئ والمراكب القليلة، ينظر إلى الأفق، لا شـيء بالنسبة إليه، الدنيا سوداء تخترقها نوارس بيضاء، يدق رأسه بكعب شجرة، ثم يجلس على الأرض مثل جيش مهزوم، يسكنه الجنون، رأسه يصارع الخير والشـرّ، يحمل الحصـى يلهو مع ضفدع النهر، ينظر إلى الماء، يرى وجهه وجهَ قرد، يتذكّر أن جميع الحكايات الخرافية، كل القصص القديمة، تنطلق من حكايتين وحسب: الطفل المتروك في الغابات، والفارس الذي يجب عليه البقاء على قيد الحياة مواجهًا الوحوش والسحرة. يجد أنه لا جدوى من الاستنجاد بيسوع، ولا جدوى من الدخول إلى الغابة، ولا جدوى من السقوط في النهر، ولا جدوى من مواجهة الوحوش والسحرة.
مساءً يعود إلى البيت، لا يزال يسمع آهات زوجته في أذنه، الآه مثل سيف يزق بطنه، يتخيل ما إذا كان ابن خالتها مختبئًا خلف الستارة، بل في عقل زوجته، لحظة جعلته يعاني عدم القدرة على النسـيان. الآن بعد خمسـين عاماً لا يزال يتذكّر، لا يزال يسمع الآهات، الخبر مثل نقش، مثل وشم لا يزول، يقول إنه كانت هناك كل الأسباب لأن يردّ زوجته إلى بيت أبيها لولا بكاؤها وتوسلاتها لئلّا يكون مصـيرها مطلّقة مثل مصـير ابنة خالها. لكنه سكت على عهرها وجرمها، هي التي كذبت قبل عقد القران أمام الكاهن في الكنيسة عندما سألها إن كانتْ لها علاقات سابقة، فكان جوابها بالنفي المطلق، واستغربت السؤال. متري كان يسألها عن العذرية كما لو أنها يشتري من السوبر ماركت.
ويوم باحت بنت السمراني بتفاصـيل علاقتها بابن خالتها، كانت تريد أن تثبت أنه كان شـريرًا مثل أبيه وأمه. أخبرتْ أنها ذهبتْ لتستحم بعدما سبحت في الحمّام العسكري، فإذا به يتعمشق على الحائط الذي يفصل حمّامها عن بقية الحمّامات، ويطلّ عليها عارية. قالت يومها إنها طردته. وعندما واجهها متري أنكرت أن يكون ضاجعها، قالت أمام ابنها البكر إنها كانت أعمال ولدنات وانتهت في زمانها.
فكّر متري بخنق زوجته أكثر من مرة بعدما شكّ أو خبر أنها خانته، لكن عندما هجرته لأيام، تعذّب كثيرًا على فراقها، فصار يعلّل تصـرفها ويخفّف من جريمتها. تلفن لغريمه، ابن خالتها، ذات مرة، وطلب أن يجتمع إليه فلم يمانع. كان منفصلًا عنها. قابله في مقهى قديم على طريق الشام، وشربا الشاي الأسود. نفى أي علاقة معها، وعندما ذكر متري حادثة الحمّام العسكري تلعثم ولم يعرف كيف ينفي، وتبرّع أن يحكي معها ومع أهلها ليعيدها الى متري.
بعد زواجه، بقي متري عامًا مثل القملة المفروكة، زوجته لا تناكف، إلى أن ولد البكر. عرفتْ تعلّق متري بالطفل، فصارت تناكفه على أقل أمر، وتحرد، وتذهب إلى بيت أهلها، فتعيدها أمها، إلى اليوم الذي حردتْ بعدما شدّها من شعرها ليحصل على مفاتيح بيته التي كانت قد أخفتها. بعد تلك المعركة أقامت دعوى طلاق. اسابيع ومتري يعاني ويسأل ابن عمته الذي عرّفه عليها قبل الزواج ليرضـيها، ثم أوكل محاميًا وحضـر أمام كاهن في المحكمة الروحية الذي عرف بنيّته المصالحة، وحكم باستمرار المساعي للصلح. في ذلك اليوم، كان هناك امرأة على خلاف مع زوجها فصارت تنظر إلى متري معجبة، لكنه كان متعلقًا ببنت السمراني وبالطفل الجميل الذي رزق به، فصارت خيانتها غير ذات أهمية.
أمضـى متري بدايات زواجه "دبّي واعصـري"، وتحديدًا بعد ولادة ابنه البكر، اختلف مع زوجته صـيف 1973، ركب سـيارته وتوجه إلى كفرمشكي... عند وصوله إلى بلدة الصويرة، رأى سـيارة تسـرع في ملاحقته وتطلق منبهها، انحدر إلى جانب الطريق، فإذا بالسائق يطلق الرصاص عليه حين خفّت سـرعته. لولا تدخّل ضابط في الجيش الذي كان وراءه شاهدًا، ربما كان مرتاحًا من بنت السمراني، التي كانتْ عائلتها تنتمي إلى تنظيم "نمور الأحرار" وأرسلتْ ابنها لمطاردة متري الذي خضع. وكان يتمنى متري أن ينام ويتلاشى. لكنه عاش حياته مقسومًا اثنين؛ الرجل الشبق الذي يبقى أسير جسد بنت السمراني، والرجل الذليل الذي يفكر في قتلها، ثأرًا لغشاء بكارة لم يعرف عنه شيئًا. جعل من البكارة حكاية خرافية قوتها من وسواسه الأبدي الذي لا ينتهي، جعلته يعيش الحياة الليلية في أحلام اليقظة.
بعد مضـي أربعة وخمسـين عامًا وقد حلّت به أمراض الشـيخوخة، لا يفكر متري بالموت اطلاقًا: جلّ ما يفكر فيه، كيف لم يطلقها وينشـر عرضها، وكيف لم يجابه ادعاء والدها أنها كانت بكرًا عذراء. ما يضايقه اليوم جدًا، أنه لم يكتشف أنها كانت ثيباً ليلة الدخلة، ولهذا قصة طويلة عن مخادعتها. فذات يوم كانت دماء الطمث بادية على كيلوتها الأحمر، أخبرته أن ميعادها يصادف يوم زفافهما، وقد يمنعه من المضاجعة، قالت إن خالتها بائعة أدوية للنساء الحاملات، وقد حصلت على دواء يؤخر تدفق دم الطمث. لم يعط متري الأمر تفكيرًا كثيرًا، هل كانت لتطلعه على هذا الأمر، لو كانت قد خسـرت عذريتها؟
نبض