.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
عروض أفلام، ورش عمل، احتفاء بالسينما التونسية، حفلات توقيع كتب، زيارات لأهم معالم العاصمة... هذه كانت أبرز ملامح الدورة الثانية من مهرجان بغداد السينمائي، الذي امتد من 15 إلى 21 الجاري، في محاولة ثقافية للنهوض ببلد أنهكته حروب وانقسامات جاءت بعدما كانت البلاد لفترة طويلة ترزح تحت الديكتاتورية.
السينما، في طبيعتها، دعوة الى السفر والانعتاق، معنوياً وجسدياً كذلك. وزائر بغداد، أكثر من أي عاصمة عربية أخرى، يصل محمّلاً أحكاماً مسبقة وصوراً نمطية تراكمت بفعل إعلام لا يكفّ عن تصدير مآسي العراق وسلبياته. لكنه كثيراً ما يغادرها مثقلاً بأسئلة جديدة تدعو إلى المزيد من الحيرة.
في بلد مضمّخٍ بالتاريخ وتنوع السكّان، مثخن بالحزن، ممزّق بصراعاته الطائفية والسياسية، لا يمكن أي نشاط ثقافي أن يُقرأ بمعزل عن سياقه العام. فإقامة تظاهرة سينمائية هنا لا تُعدّ ترفاً. انها نافذة تطلّ على الاحتمالات كافة، انتصار لسؤال الوجود ومقاومة في وجه الخراب. ومع ذلك، فإن هذا المهرجان، رغم طاقته الرمزية، لا يزال في بداياته المتلعثمة، ويحتاج إلى جهد متواصل ليبلغ مستوى التنافس مع مهرجانات المنطقة، ناهيك بأن يرسّخ اسمه كمحفل سينمائي ذي صدقية.
ما يختبره الصحافي خلال أسبوع من حضور المهرجان (تزامن مع اقامة معرض بغداد الدولي للكتاب)، وسط زملاء المهنة ورفاق الدرب وقرّاء يلتقيهم للمرة الأولى، يصعب اختزاله في مقال. إنها تجربة تُعاش بكلّ الحواس، تحت إلحاح رغبة الاكتشاف. اكتشاف بلدٍ لم تكن العلاقة به تتعدّى أحاديث مع عراقيي المنفى والمهجر، أولئك الذين يحملون في عيونهم بقايا تجربة مؤلمة، وفي ذاكرتهم حكايات لا تنتهي عن ماضٍ متخم بالخسارات. في مثل هذه اللحظات، تغدو السينما همّاً ثانوياً حتى لو كانت السبب الأول للزيارة. إذ لا فنّ، مهما علا شأنه، يمكن أن يعوّض دهشة التماس المباشر مع الواقع، حين تراه بلا وسيط، بعينيك المجرّدتين.
العراق، مهد الحضارات ومرتع أول التجليات الإنسانية، كان ولا يزال بلد ثقافة وفنّ. من التشكيل إلى الأدب، من الشعر إلى المسرح، تتجلّى هذه الروح في تفاصيل الحياة اليومية، وتظهر بوضوح في أحاديث الناس، في زحام بعض العروض، وفي الشغف العفوي الذي يملأ الوجوه كلما ذُكِر الفنّ، وفي رغبة كثر إلى التواصل مع الوافدين من الخارج. لا يكتفي العراقيون باستهلاك الثقافة، بل يحملون رغبة حقيقية، تكاد تكون مُعدية، في إبراز هذا الوجه الحضاري لبلادهم التي عانت طويلاً.
أحد الصحافيين التقى بسائق سيارة أجرة كان على علم بتفاصيل المهرجان، وهو أمر لافت في مدينة ضخمة كبغداد، حيث تضيع النشاطات الثقافية تحت وطأة الهموم اليومية والضوضاء. أكثر من ثمانية ملايين يسكنون بغداد، ممّا يجعلها بيئة مثالية لاحتضان فعاليات ذات طابع فنّي وثقافي. غير أن هذا الرصيد البشري، بالاضافة إلى الإمكانات المادية (في بلد نفطي ولكن منهوب من الأطراف كافة)، لا يعفيان من تخطيط حقيقي ومن رؤى بعيدة عن المصالح الشخصية والمجاملات التي تعيق التقدّم.
المعادلة لا تبدو معقّدة: الجمهور حاضر، البيئة مهيأة، العطش للمعرفة متأجّج بعد سنوات من العزلة والحرمان. كلّ ما يلزم هو أن يوضع الأشخاص المناسبون في الأماكن المناسبة، عندها فقط يمكن أن تتحوّل النيات إلى إنجازات، على سبيل أن تستعيد بغداد شيئاً من ألقها الثقافي.