ضياء العزاوي في "غاليري صالح بركات": العمل والفن والنشيد الجنائزي
منصور الهبر
الضخامة في عالم الفن الحديث والمعاصر، بما تعنيه من احتلال أكبر مساحة ممكنة، ظهرت بأشكال متعددة، مقدمة أحجامًا هائلة تتجاوز قدرة الإنسان الفردية. ليس الطموح لإنجاز "أكبر عمل" أمرًا جديدًا، فقد ساهمت مع بدايات القرن العشرين المواد الجديدة مثل الفولاذ والباطون في توسيع إمكانات الفن الضخم، فكانت على سبيل المثل منحوتات كالدر، كأعمال يبلغ ارتفاع الواحد منها 24 مترًا في مدينة مكسيكو. كما نلاحظ الأبنية الضخمة التي غلفها الفنان كريستو.
بدت هذه الضخامة بوضوح عند بيكاسو، الذي جمع نتاجًا ضخمًا متعددًا احتفظ به في منازله، مظهرًا شغفه بجمع كل شيء، وصنع أعمالًا ضخمة نستذكر منها "غيرنيكا".

منجزات الفنان ضياء العزاوي المستمر عرضها حتى نهاية تشرين الأول في "غاليري صالح بركات"، تمتلك قوةً إيحائية وتكثيفًا واضحًا. نحن أمام جداريات تتكوّن من تراكيب هندسية صارمة، وقد انتفى فيها الطابع العاطفي أو النفسي. هذا المسار ينطلق من مبادئ التكعيبية وحركة دي ستايل، التي ذهب بها العزاوي إلى صياغة شخصية، لكنها لم تفارق الإطار الفني الذي ساد في الخمسينات (أعمال سيرج بولياكوف على سبيل المثل).
المنحى التصويري الحاد في أعمال العزاوي يقترب من الرياضيات، حيث ينوجد اللون بمعزل عن النغمة. احتفال؛ حيث "طينٌ هو الموتُ، وطينٌ هو الخلقُ، والترابُ عجينٌ، ومألومٌ، وموحلٌ، وجمالٌ أيضًا ودمٌ، ورمادٌ".

هل نجح التكرار، وهو سمة واضحة في جميع الأعمال، في مضاعفة قوة الرمز أو جعل الأشكال تعاويذ طقسية؟ من الواضح أن التكرار يجعل هذه التعاويذ قابلة للقراءة كصورة من الواقع، ليس لنراها بالعين المجردة، بل لإحياء الذاكرة الجماعية. تتردد أصداؤها كطقس إنشاد جنائزي في كل مكان عربي، وكذكرى لا تمحى في أعماق الضمائر.
التجهيز الضخم الذي يحتل أرضية صالة العرض تحت عنوان "دمار مدينتين: الموصل وحلب"، هو نحت ضخم من الطين لبقايا المنازل وخراب المدن، في دمج بين الشكل والتكرار، يلتقي مباشرة مع روح الذِكر المريدي. لذلك يصعب الفصل بين الإنجاز كعمل يومي، وبين الفن والعبادة.

يرغب الفنان ضياء العزاوي أن تجمعنا أعماله مثل ترتيلة تُؤدى بأصوات مشتركة، لندخل من خلالها في حالة انسجام فني قائمة على الإيقاع والتكرار. ففي تداخل التصاوير التي تحتل الأعمال، تتجه الصور نحو المشاهد أو تدعوه إلى الانغماس في متاهتها أو إلى عبور عتباتها عبر التأمل، للتذكر والوعي.
نبض