المسرحي الكبير شكيب خوري "رؤية تتوهج" كتابةً وتمثيلاً وإخراجاً

ثقافة 18-09-2025 | 08:42

المسرحي الكبير شكيب خوري "رؤية تتوهج" كتابةً وتمثيلاً وإخراجاً

قراءة في كتاب "المسرح رؤية تتوهج" للمسرحي شكيب خوري.
المسرحي الكبير شكيب خوري "رؤية تتوهج" كتابةً وتمثيلاً وإخراجاً
كتاب "المسرح رؤية تتوهج".
Smaller Bigger

نبيل أبو مراد

في كتابه "المسرح رؤية تتوهج" (منشورات جامعة الروح القدس)، يجمع شكيب خوري شتات الماضي، ماضيه الثري والغني جداً بالعطاء، سواء على صعيد الأعمال المسرحية كتابةً واقتباساً وتمثيلاً وإخراجاً، أو على صعيد التأليف في القصة والشعر والنقد الفني والأدب الوجداني. فهذا المسرحي المثقف والمخضرم هو من أكثر رجالات المسرح عندنا إنتاجاً في المجالات المذكورة؛ حاضر دائماً ومتحفز ليقول ويكتب ويعمل بلا ملل، لأن في مخزونه الفكري ما يجعله دائم التوثّب ليضخّ منه الى العالم. وهو الوحيد أيضاً من المسرحيين أبناء رعيله، أمثال أنطوان ملتقى وجلال خوري ويعقوب الشدراوي وريمون جباره وغيرهم، الذي أراد الكشف عن مسرى حياته وتجاربه ودوره في الحركة المسرحية الحديثة في لبنان. ولو فعل الآخرون مثله لكانوا أغنوا الحياة الثقافية بالإضاءة أكثر على هذه الحركة المسرحية وعلى تجاربهم الذاتية وأساليبهم وأهداف مسرحهم.

صحيح أن كتاب شكيب خوري هذا يُعدُّ من نوع أدب السيرة، لكن كاتبه لم يشأ أن يحصره فقط في إيراد الذكريات بتفاصيلها المملة، بل أن يخصّص مساحة لا بأس بها لتفكيك أعماله ومقاصده وأساليبه الجمالية، فضلاً عن المضامين الفكرية التي تحملها، وهي بالغة الغنى لمن يعرف أن يسبر غور هذا الرجل المتأمل والمفكر. ففي تناوله لمسرحه، يبدو مؤيداً مرات لآراء بعض النقاد، ومعارضاً مرات لبعض آخر. فشكيب خوري دقيق جداً وحريص جداً في هذه الأمور، ويريد أن يصل إلى عقول مشاهديه، رغم معرفته بأنه يصعّب المسائل عليهم أحياناً. ويؤلمه جداً عدم فهم المشاهدين له، وإن بدا أحياناً غير مكترث.

يذكّرنا بأنه ولد في طرابلس، وتنقل في أزقتها وشوارعها وبساتينها، فسجّل في ذاكرته حراك الناس وأصوات البائعين، وتنشق رائحة زهر الليمون في الربيع والأرض بعد أول مطر. ويقول بأن والدته كانت تصرّ على مناداته باسم نبيل، لأنها كانت قد فقدت ولداً بذلك الاسم، وتريد أن تستذكره بهذه الطريقة. يقول عن ميله إلى فن التمثيل إنه تشرّبه من إصغائه إلى والده يوم كان يقرأ على أفراد العائلة قصص فيكتور هوغو وميشال زيفاكو وتولستوي. تعلّم العزف على آلة الكمان، وأسّس وهو في السابعة عشرة من عمره فرقة للتمثيل مع أولاد الحي.

على مشارف الشباب يروح يوسّع آفاق طموحه فيتمكن من الالتحاق عام 1952 بالأكاديمية الملكية لفنّ الدراما في لندن (Royal Academy of Dramatic Art)، وهي من أرقى المعاهد في مجالها، تخرّج فيها كبار الممثلين أمثال بيتر أوتول ولورنس أوليفييه وريتشارد هاريس. فكان وبقي الوحيد من اللبنانيين الذين التحقوا بهذه الأكاديمية. يتحدّث بقدر من التفصيل عن حصص التدريب على فنون التمثيل والإخراج والتأليف في هذه الأكاديمية وما كان يرافقها من صعوبات وتنافس مع طلاب من مختلف المشارب؛ ويروي كيف تعرّف هناك إلى لورنس أوليفييه والممثل ميكي روني، وكيف ساهمت تلك المرحلة في صوغ رؤاه لمساره المسرحي وأمدّته بخبرة غنيّة أفاد منها في عمله المسرحي.

انخرط بعد عودته إلى لبنان في الحياة المسرحية والحراك الثقافي متسلّحاً بما يكفي من علم و خبرة، فالتقى بجورج نصر، وهو من رواد السينما اللبنانية، وكان قد تعرف إليه في باريس، فاتفق الاثنان على إنجاز بعض الأعمال للسينما، فكان أوّل الغيث فيلم "إلى أين". يروي شكيب أنه ساهم بمبلغ 4775 ليرة لبنانية لإنتاج هذا الفيلم، وكانت يومذاك مبلغاً محترماً. سافر إلى القاهرة عام 1955 ليجرّب حظه في السينما المصرية، وتعرّف هناك إلى الممثل يوسف وهبي، ومثّل في فيلم "والد الرسول"، معه ومع سميرة توفيق، وفي فيلم آخر مع فريد شوقي وسامية جمال. في بيروت، تعرّف إلى أنطوان ملتقى، وحاول إخراج مسرحية "هاملت" لشكسبير إلا أن المشروع لم يتمّ. وعندما أسّست لجنة مهرجانات بعلبك "محترف التمثيل" طلبت منه الإشراف عليه، لكن عمله في الإذاعة اللبنانية وقتها حال دون ذلك، فاتصل بمنير أبو دبس، الذي كان التقاه أيضاً في باريس، وكان في مخطط الاثنين إنجاز أعمال مسرحية مشتركة، لكن الأمر لم يحصل، وعرّف منير إلى سعاد النجار رئيسة اللجنة، وكان أن تولى أبو دبس هذه المهمة؛ وبهذا يقلب شكيب المفهوم السائد بأن لجنة مهرجانات بعلبك هي التي اتصلت بمنير أبو دبس يوم كان في باريس يدرس الإخراج التلفزيوني وطلبت منه المجيء لتولي إدارة "محترف المسرح" الذي سُمّي "مدرسة المسرح الحديث".

 

غلاف الكتاب.
غلاف الكتاب.

 

من ذكريات شكيب أيضاً أن محطة تلفزيون LBC طلبت منه ترؤس قسم الدراما، وأنه درّس في الجامعة الأميركية لفترة. واقترح على وزارة الثقافة عام 1974 تأسيس مركز للإنتاج المسرحي كمشروع إنمائي ثقافي يؤمّن في الوقت نفسه فرص عمل لطلاب المسرح، ووضع  لهذا المشروع عدداً من البنود والأسس منشورة مفصلة في الكتاب، لكن الوزارة لم تأخذ بهذا المشروع بالطبع.

إلى عمله في الإذاعة اللبنانية، طُلب للتدريس في معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، الذي كان قد تأسّس في العام 1966، ومرّت فترة كنت شخصياً من بين تلاميذه، وظلّ في هذه المهمة حتى تقاعده. وفي أثناء تدريسه سافر إلى باريس لإعداد أطروحة دكتوراه بعنوان "مسرح العبث العربي"، بإشراف الأستاذ أندره فانشتاين الذي أشرف أيضاً في الفترة نفسها تقريباً على أطروحتي. وحصل على الدكتوراه عام 1976.

في النصف الثاني من الكتاب
ينقلنا الكاتب إلى الحديث عن نتاجه المسرحي تأليفاً وإخراجاً واقتباساً، سبع عشرة مسرحية، ثلاث منها من تأليفه هي: "كباريه" (1972)، و"الفخ أو القداس الأسود" (1975)، و"جزيرة العصافير" (1982)، فيشرح سبب الكتابة، وأسلوب إخراجها، وصداها لدى الجمهور، وما واجهته من نقد سلبي وإيجابي. وكان شكيب كمسؤول عن أعماله حريصاً على إعادة توضيح رؤاه وأساليبه، فيردّ مفنّداً كل فكرة أو موقف أو طريقة إخراجية فعلها، وكأنه يريد أن يضع النقاط على الحروف للمرة الأخيرة. يقول في هذا الإطار: "لم تكن مسرحياتي مشروع فرجة. كانت صرخة إنسان مألوم. كانت ذاتيتي والموضوعية تفتشان عن المغاير للمألوف... كنت أسير بعكس الاتجاه، وخالفت قانون السير، ونلت "ظبوطة" عديدة ما زلت أدفع ثمنها" (ص 228). ومن الأثمان التي دفعها أن جمهوره كان قليلاً بشكل عام، وعندما يسأله النقاد عن ذلك يجيب: "تُفرض على الجمهور اللبناني حسابات صندوق التذاكر فيتناولون مسرحيات لا تستفزّ ذهنه، أما أنا فأهتمّ بالمسرحيات التي تعالج قضايا مصيرية ووجدانية وفكرية تستحثني، وهذا يتطلب جمهوراً مثقفاً يتوخّى الكشف عن المسبّبات ومعرفة النتائج وإيجاد الحلول" (ص 228). وحول غموض شخصياته، يؤكّد الناقد رياض حنين، بعد مشاهدته مسرحية "كباريه"، "أن إنسان شكيب خوري هو في حرب مع نفسه ومع الآخرين. إنه في عذاب وقلق، في جلد موجع من سيل التساؤلات التي لا يجد لها أجوبة مقنعة بل أجوبة مبهمة غامضة لا تكفيه ولا تفرحه ولا تحمله على التفاؤل" (ص 231). يتوسّع الكاتب في شرح أسلوبه المسرحي، ويقول بأنه كتب المسرحيات بأسلوب جدليّ يعرّي بعض الأعراف، ويمسح الغبار المتراكم عليها: "كنت أشعر وما زلت أني أساهم في بناء حركة حضارية حديثة في وطني" (ص 124).

بعض مسرحيات شكيب خوري كانت لا تخلو من جرأة في القول وجرأة في المشهدية، وهذا الأمر تسبّب له بإشكاليات مع الأمن العام اللبناني. ففي أثناء عرض مسرحية "الفخ أو القداس الأسود" في "مسرح بعلبك" في منطقة القنطاري، عام 1975، أقدم الأمن العام على إيقاف المسرحية وإقفال المسرح بالشمع الأحمر، الأمر الذي أثار يومها احتجاجات كثيرة من الصحافة والرأي العام، كما تعرضت له الرقابة في مسرحية "أمام الباب"، عام 1992، وطلبت منه حذف بعض المشاهد، كما أن المسرحية نفسها تعرّضت لاحتجاج جماهيري عنيف عندما عرضت في القاهرة، وسبب الاحتجاج ظهور شحصية رجل يدّعي بأنه "الله" ويحاكمه الممثلون ويطالبون بقتله.
إلى أعماله المسرحية الجادة، وضع شكيب خوري وأخرج مسرحيات للأطفال منها "الكوخ المسحور" (1973)، و"علاء الدين والفانوس السحري" (1974)، وكتب وأخرج أيضاً بعض الأعمال للتلفزيون، حيث تولى إعداد وتنفيذ مجموعة من المسرحيات المقتبسة منها، "جين إير" (Jane Eyre) لشارلوت برونتي، و"حذار من الشفقة" لستيفن زفايغ، و"وليم تل" لشيللر، و"الأجنحة المتكسرة" لجبران خليل جبران. في ما بعد، كتب وأخرج لمحطة LBC  مسلسلات منها "ثلاث رهاين" (1982)، وقد مثلت شخصياً في هذا المسلسل، و"سداسية الصدفة" (1984)، و"مبارك" (1985)، ومثلت أيضاً في هذا المسلسل. وكان لي الحظ أن أمثل معه في مسرحية "جزيرة العصافير" عام 1982.

ممّا يثري هذا الكتاب احتواؤه على العديد من الصور والوثائق والرسائل، منها رسالة من الشاعر والمسرحي اللبناني الفرنكوفوني جورج شحاده، ورسالة من الكاتب العبثي العالمي صموئيل بيكيت، وصور لشهادات تثبث التحاقه بدورات تدريبية في الخارج، وصورة له مع الممثل الكبير بيتر أوتول، وقد زاره هذا في مبنى الإذاعة اللبنانية، وصورة مع الممثل ميكي روني، فضلاً عن عدد كبير من صور المسرحيات والممثلين الذين شاركوا معه.

يحلل الكتاب المسرحيات، ويفكك رموزها، ويناقش آراء النقاد، ويروي تجارب واختبارات، ويستعرض الصعوبات من شتى الأنواع، ويتضمن آراء الكاتب الشخصية في أمور فلسفية وحياتية ووجدانية، تنم عن خبرة طويلة في الحياة وعن ثقافة لا جدال فيها، اكتسبها من معايشته الدؤوبة للكتاب، ومن تأملاته العميقة في مسائل الوجود واحتكاكه بالعالم. حياة زاخرة بالعطاء هي حياة شكيب خوري ليس فقط كمسرحي بل أيضاً ككاتب متعدد النتاج. لقد تجاوز التسعين من العمر ولا يزال يعيش همّ الكلمة والمسرح والكتابة بوتيرة متواصلة. نشرت له جامعة الروح القدس في الكسليك جميع مسرحياته، وحسناً فعلت لأنها حفظتها من الضياع، وسهّلت الوصول إليها لمن يرغب في وضع دراسات عن هذا المسرحي. ورغم غزارة نتاجه، فإن هذا الرجل لم يحبّ يوماً الادّعاء، ولم يسعَ وراء الأضواء والشهرة الشعبوية، ورفض دعوات لتكريمه. نراه في نهاية الكتاب يردّد: "أعيش رتابة تولد السّأم، صرت أسيرُ بمحازاة شطّ إنطلياس أسمع أمواج البحر وكأنها تروي لي مسرى حياتي، فتومض المَشاهد، وتصدح الأحداث، تنار وجوه الرفاق جميلة كما كانت قبل ثلاثة وأربعين سنة".

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 5/31/2026 9:28:00 PM
فيديو متداول للرئيس أحمد الشرع وعقيلته في بلودان يثير تفاعلاً واسعاً
لبنان 6/2/2026 9:09:00 PM
بين طريق الخطر وطريق العلم والمعرفة، أثارت الحادثة موجة واسعة من الجدل، ترافقت مع انتقادات طالت وزارة التربية والتعليم العالي، حيث وجّه كثر أصابع الاتهام إلى وزيرة التربية ريما كرامي على خلفية الإصرار على إجراء الامتحانات حضورياً.
لبنان 6/3/2026 7:11:00 AM
يسلط التدقيق الضوء على شركة الطيران الوطنية التي تتخذ من بيروت مقراً لها، والتي حافظت على استمرار حركة الطيران في لبنان خلال الحرب والانهيار المالي.