عنبر سما*
نص رقم 1
ها أنا.. ! أيُّها اليومُ المسمومُ النابح،
بعد عشرِ سنواتٍ استطعتُ رؤيتك،
والكتابة عنك، أجلسُك قُبالتي، أتمعّنُ في
بكلِّ النظر، بكلِّ الألم
وأُجازفُ بعقلي،
لا أُراوغُكَ،
لا أصرخُ بك وأقولُ: ابتعِد،
ولا أهزُّ رأسي كي تسقط،
أتذكّرُ تلك الذكرى القبيحة،
حين قادوا طفولتي
إلى شيخِ الدِّينِ الذي ادَّعى أنّ
عُذريّتي مَهتوكةٌ من جنيٍّ عاشقٍ
يَسكنني،
وكيف هَمَسَ سرًّا لهم
أنَّه قادرٌ على إعادةِ البراءة،
وطردِ روحِ الجنِّ كاملةً
عن طريقِ مُداعبةِ الجسد
أرى المشهد بلا ضبابيّة
ولوجي في غرفةٍ بنصفِ ضوء،
ارتعادي حتى طقطقةِ الأسنان،
عيوني المرتجفة،
صرخاتي الهستيريّة
التي صارت كابوسًا إلى الآن
جسدي الصغيرُ الذي كلّ مَسامٍّ فيه
تحوّلَ إلى فمٍ يصرخ،
وهو يلعقُ ويدعكُ به،
بجبينِه المرقوعِ، ولحيتِه الكثّةِ
النَّتِنة،
بنظراتِه التي راحت تتسابقُ مع فمِه
على التهامي،
غيرَ آبهٍ بتوسلاتي وقسَمي عليه،
وتقبيلي ليدَيهِ الملطَّخة بعرقِ ذعري.
أتذكّرُ كيف خرجتُ،
وأنا أُوزِّعُ على الناس،
والأشجارِ، والحيوانات
التي رأيتُها، نظراتٍ مُعاتِبةً تتغلفها الدموع،
طافحةً فيها كلمة: "لماذا"؟
كأنَّهم كانوا على مقربةٍ أو شاهدين
كيف تذوّقتُ أوّلَ قرارٍ صادقٍ
بمغادرةِ العالم،
وأنا أقول: وداعاً أيَّتُها الحياة،
أودِّعُكِ بنزيفٍ من الصُّراخ
وكيف أصبح هذا الجسد منبوذاً
لأنَّ ذلك اللعابَ ما زال راكداً عليه،
كأنَّه حُقِنَ بتلك القذارة،
كأنَّ روحي صارت علكاً
في فمِ القذارة

*******
نص رقم 2
شعري، ذلك الكائن البسيط
رفض فكرة النمو وأخذَ يداهمُ الهاويةَ
بكلّ جنون،
النباتات التي سقيتها في عزَّ عطشي
وموتي،
انكمشتْ على نفسها،
لم تنمُ أو تموت بل تحوّلت الى تماثيل باردة...!
في هذا البيت، بيت اللعنة
حتّى الشمس لا تجيءُ إلّا و هي
محترقةٌ،
كلُّ شيءٍ هنا:
يهرب،
ينسلّ،
يتآكل.
الحياة معطّلة،
الوقت ميّت.
وحدها اللّعنة
تكبر، تهيمنُ،
تزخرف الجدران،
وتضحك
******
نص رقم 3
إحساسٌ دائمٌ يرافقني بأنَّ هذا الرأس،
الموبوء بالكوابيس، (مَفقس الهستيريا)،
الذي لا يستقرّ في النوم إلّا بوضع يديّ عليه
لن يفنى بطريقةٍ عادية
شعرت كثيراً إنه عُرضةٌ للخطر
أكثر من أيّ عضوٍ آخر في جسدي
ستفتكُّ بهِ طلقةٌ طائشة،
أو يهشّمه لصٌّ بفأسٍ صدئة
وهو مثقلٌ بالهواجس،
أو يتعفّن...
أو في آخر الاحتمالات،
تتجمّع أفكاره كورمةٍ خبيثة
تشارف على قتله.
هذا الرأس القذر،
لا بدّ له من ميتةٍ
تليق بنبوءته السوداء
ميتةٍ تأتي قياساً مع جنونه
*****
نص رقم 4
أيّها الرحم، يا طبّاخ الشر،
صحيحٌ إنك في رأسي
مجرد قشرةٍ
لكن فكرة إنك موجود،
إنك مفروضٌ عليّ عنوةً،
تفزعني...
كم راكمتُ بك من الأمراض
متجاهلةً الألم
كي تضيق وتغادر
لكنك أصررتَ على الوجود
أيها الرَحم، يا قرن الوحش،
كم تمنّيت أن أخلعكَ وأعلقك
فوق باب الغرفة
على حائطها المتهالك بمسمارٍ صدئ
كغنيمةٍ من معركة هزمتها.
ليس لي روتينٌ يوميّ يثير الإهتمام،
أحدّقُ لساعاتٍ في شقوق الجدران
التي ضاع بها عمري،
غير آبهةٍ
بقرقعةِ الحياة في الخارج
فارشةً الصمت،
مستلقيةً في باطنِ العُزلة،
و لا أدري في الدنيا أشرقت أم غربتْ
أتخبّطُ في الوهم،
أدفعُ الوقتَ الذي لا ينتهي
بالأغنيات،
وألعنُ اليومَ الذي وُلدتُ فيه
* شاعرة عراقية
نبض