غريد مصطفى جحا تستضيءُ سُنبلة الإنسانية... لوحات بقلم الرصاص

ثقافة 11-08-2025 | 09:34

غريد مصطفى جحا تستضيءُ سُنبلة الإنسانية... لوحات بقلم الرصاص

غريد مصطفى جحا تستضيءُ سُنبلة الإنسانية... لوحات بقلم الرصاص
الرسّامة غريد مصطفى جحا.
Smaller Bigger

د. منى رسلان

يتجلَّى القلق الإنساني بما يسكُن لوحات الرسّامة غريد مصطفى جحا بتفاصيل زمنية، مكانية، تاريخية، أدبية وفنية، ففي خطوطها المتعرجة احتفاء بالـ"بورتريه"؛ ويؤرّقُها من فِجاج الردى ودهرية الورود. تنطلق غريد في دراسة كلاسيكية وتعمد إلى تفنيد الأبعاد نفسياً وجسدياً ومورفولوجياً، باهتمام وتعاطف بنَّاءين، مشدوهة باللحظة التصويرية والتركيبية شديد التعقيد، مُتيمة بموضوعاتها الفنية وتنوعاتها وتمايزاتها الكثيرة، تتذوّق الكلِم بترحاب شيّدته في ذات لوحاتها كصلاة بخور الفصول، لتشهد على هذا التعلق الحياتي بينها وعنصر دقيق يمر بها الانسان بشكل عام خلال تطوره الحياتي، الكامن بالتعلّق الطفولي الساكن في الشيخوخة. تتبدّى غريد محقِّقاً في عِلم مباحث التشريح، والانثروبولوجيا والمورفولوجيا، الفلسفة والإناسة، تستقرئ الشخصية وأغوار هُويتها وجودياً. وراء كل تجعيده وجه، أو شكل ترسُمُه، وكُلُّ حركيَّة مُتثاقلة للجسد المُتراخي على كنبة يستسلم لنسمة "برود" تحت عريشة العنب، أو هذاالخارج من معول القمح، والدجاج سارح دون رقيب؛ أو ذاك "العم" المُنشغل بأفكاره يطوي طُرقات العمر، أو المُستكين على حفافي الرصيف، أمام "دكَّانة الحي"، أو المتأمّل على "مصطبة" الدار، وغيره يرتوي من فيض النبع...

 

الرسّامة غريد مصطفى جحا.
الرسّامة غريد مصطفى جحا.

 

طوَّعت غريد قلم الرصاص، فتستلُّه كاشفة عن عوالم من القلق والارتباك، من الحكمة والطيش، من الألم والقهر، من الندم والعتب، من المعاناة والغضب، حتى الفرح والنشوة الانسانية، في اظهار قصدي لتلك العلاقة الترابطية التي تجمع الانسان بعوالم الطبيعة والموسيقا الحياتية.
تستضيءُ بحدس مُلاحظتها أدقّ التفاصيل، مُركزة على المَغزى، بحرفية مُرهفة الظل، تصبّ شعورها حقيقة واقعية في قالب نابض بالرأفة، تستحضرُ الذاكرة والنسيان، فتُعيد ترميم شظايا النفس البشرية مجدداً، بوعي مُتقن لتلك العلاقة التبادلية بين الآخر والذَّات. يتجسّد المنطلق الجمالي عند غريد بانسيابية مُتعالية عن لحنية قدرية الحياة، ويسري في تلاوينها التي لا تكاد تخرج من عباءة اللون الأسود للرصاص، تعويماً لومضة. كأني بها في صمت هدوئها تُعبّر من خلال لوحاتها: لا مندوحة من حتمية الاستمرار، لا بُدّ لها من أن تُعيد تشكيل أنشودة تضاريس الوجه ومساماته جُرماً شمسياً، ظلالاً ونوراً أخاذين، بفُجائية تكوينية صادقة. 

 

 

صوَّرت وداع الفلاَّحين لمواسم الرحمة، كما انشغلت باحتضان الجدَّة لـ ديك أو كلب، كما تأبَّطت أفكار النُقاد والمُفكرين والفلاسفة، وكتبت أغاني المُطربين بمشهديات تمثيلية تنتفض. 
تُمثّل لوحة غريد أغنية للفرح من خلال التماثُلات ما بين الطبيعة الريفية والمدينة؛ ما بين رحيب الجمال البرّي، و"هُتاف" أزقّة المُدن، برؤى ساحرية تنسكب فيها البراءة والخيال معاً. لقد جعلت غريد من محورية حقيقة الوجوه سيرورة حركية طبيعية لحضور معيوش، والمعبد وضّاء بالشموع، حيثما تمرُّ الفصول بخشوع لله، والحقول تُلاطف حبيبها الدُجى. أفلا تأتي النجوم؟!

* أستاذة النقد الأدبي الحديث والأدب المقارن، أدب ما بعد الحداثة، والمنهجية، في كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة - الجامعة اللبنانية.

 

 

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/6/2026 10:26:00 PM
ماكرون: فرنسا تعمل لمنع اتساع النزاع وتدين استهداف قوات "اليونيفيل" في جنوب لبنان
الخليج العربي 3/6/2026 8:11:00 AM
تعمل الحكومات على ترتيب رحلات مستأجرة وتوفير مقاعد على عدد محدود من الرحلات التجارية لإجلاء عشرات الآلاف من الأشخاص.
الخليج العربي 3/6/2026 2:35:00 PM
أعربت وزارة الخارجية الإماراتية عن شكرها "لروسيا وأوكرانيا على تعاونهما مع جهود الوساطة الإماراتية–الأميركية".
الخليج العربي 3/7/2026 6:30:00 AM
"الغضب الملحميّ" يحطّم الرقم التاريخيّ المسجّل باسم "السرعوف المصلّي"