شربل شربل
كلّما قرأت إيلي مارون خليل،
تتراءى لي "وطى الجوز"،
بسمائها القريبة،
بطلّتها البهيّة،
بتلالها المهيبة المكلّلة بناصع الثلوج، في شتائها القارص،
بأشجارها المخضوضرة التي تعلو بساطها المزركش، في ربيعها الرائع،
وبثمارها اليانعة، في صيفها الفتّان، وقد تحالفت لإنضاجها:
شمسٌ لافحة،
وهواء منعش،
ومياهٌ عذبة،
وتراب ذهبٌ
وأيدٍ مباركة…
وأتخيّل الصبيّ الوطى الجوزيّ
يهوشل في رحاب الضيعة، يلعب مع أترابه،
وينتهز الفرص للانفراد تحت شجرة وارفة الظلال،
وينسى نفسه في انخطاف تأمّليّ لجمالات الوجود.
وكلّما قرأت إيلي خليل
تتراءى لي مشاهد المحافر والكسّارات التي أمعنت في انتهاك عذريّة الطبيعة،
واغتصاب مواردها غير المتجدّدة،
وتشويه روائعها التي تشكّلت عبر العصور…
وأتخيّل إيلي خليل، عاشق الطبيعة، وقد هاله ما أصاب جنّته، ينشط، مع مجموعة متنوّرة، للتصدّي لهذه الجريمة النكراء، ويضع قلمه، بكلّ ما أوتي من بلاغة، وعاطفة، وقدرة على التوصيل والإقناع، في خدمة هذه القضيّة التي اعتبرها قضيّته.
وكلّما قرأت إيلي خليل شاعراً،
أُكبر فيه خياله الذي غذّى رهافة حسّه، ومكّنه من وضع ألطف الأشعار وأرقّها، وإثبات موهبته المميّزة.
وكلّما قرأت إيلي خليل قصّاصاً وروائيّاً،
سحت معه سياحات ممتعة في نفوس أبطاله وبطلاته، الذين ابتكرهم كما يحلو له، ووضع على ألسنتهم أقوالاً تشبههم وتعبّر عنهم تعبيراً عميقاً وملائماً، يثبت تضلّعه في سبر أغوار النفس الإنسانيّة، وكشف نوازعها، وطرح همومها على بساط السرد، وكيفيّة مواجهتها المعوقات التي تصطدم بها، في معارج الحياة.
وكلّما قرأت مقالات إيلي خليل،
وما أكثرها! وخصوصاً في "أنا أُمّيٌّ"، الذي جمع فيه انطلاقات وجدانيّةً منوّعة، فكريّةً، وتربويّة، وأدبيّة، واجتماعيّة، وفنّيّة، يزداد إعجابي بقوّة أسلوبه وجرأته. وقد قرأت الكتاب، قبل صدوره، بحكم الزمالة وتبادل الخبرات، وشاركت في ندوة عنه، أقيمت في قاعة القصر البلديّ، في ذوق مكايل. إنّه كتاب جدير بالقراءة، وبإعادة القراءة.
وكما يصدمك عنوانه "أنا أمّيٌّ" يصدمك المغزى منه؛ فإيلي يعمم الوصف بالأمّيّة على جميع اللبنانيّين، الذين لا يتصرّفون بحسب ما نتوقّعه من الناس المتعلّمين والمثقّفين…
أمّا الكتاب "على حافة الكلام" فتدور مقالاته على "القيم والاجتماع" .
وعلى العموم، فإنّ مقالات إيلي نموذجيّة، ولعلّ ذلك عائد لممارسته التعليم؛ فالفكرة المركزيّة واضحة مهما تشعّبت السبل في تناولها؛ وترتيب الأفكار وتسلسلها، والاهتمام بالأفكار الداعمة، لا تنازل عنها؛ فالقارئ معه مجبر على أن يركّز في ما يقرأه، لأنّ الكاتب لا يجنح إلى تشتيت أفكاره؛ أمّا الحجج والأمثلة فوافية دائمًا لتؤدّي الدور المطلوب منها، من دون اختصار يترك غموضًا، أو إطناب لا لزوم له.
وعلى العموم، فإنّ مقالاته تعبّر عن شخصيّته وأسلوبه في التفكير والتعبير الذي يحمل بصمته الشخصيّة.
إنّ علاقتي بإيلي خليل كانت علاقة متعدّدة الوجوه.
فقد تزاملنا، على مدى ربع قرن، في ثانويّة ذوق مكايل الرسميّة. وكان خير الزميل، ولا أتذكّر منه إلّا الصفات الحميدة.
وهو الجار، وقد تجاورنا أربعين سنة، منذ حملتني رياح تهجير قرى شرق صيدا إلى صربا حيث كان يقيم، ثمّ إلى ذوق مكايل، حيث انتقلنا، وكان نعم الجار.
أمّا علاقتنا الأدبيّة فترقى إلى العام ١٩٨٦، عندما أهداني كتابه " زهرة المدى المكسور"، وقد صدر في طبعته الأولى، فكتبت مقالة عنه قام بنشرها في " النهار العربيّ والدوليّ".
وفي العام ١٩٩٢، شاركت في ندوة عن كتابه "ذاكرة الليل والريح"، وسبق أن ذكرت أنّني شاركت في ندوة عن كتابه " أنا أُمّيّ" .
أمّا آخر مشاركاتي معه فكانت في ندوة حول روايته "عشيق أّمّي" .
لقد كانت الثقة عارمة ما بيننا، فعديدة هي الكتب التي قرأتها قبل طبعها؛ وفي المقابل، كان يقرأ كتبي قبل نشرها، وكان يشارك في الكتابة عنها، أو في الندوات التي تقام حولها.
لا يتّسع المجال لتناول إنتاج إيلي خليل كلّه ، وهو عشرات الكتب… لذلك أكتفي بما ذكرته.
وأخيراً،
كان إيلي رياضيّاً، لا يكسل، ولا يتوانى؛ وقد فوجئنا بوقوعه فريسةً لمرض باركنسون، وهو في أوائل الستّينات؛ وكنت أطمئنّ إلى صحّته، وأزوره عندما تسمح ظروفه الصحّيّة بذلك. وفي آخر زيارة منذ بضعة أشهر، وكان واعياً إلى أبعد حدّ، قال لي: لقد قرأت أن أقصى ما يعيشه مريض الباركنسون هو ثلاث عشرة سنةً. وها أنا في السنة الثالثة عشرة.
حاولت أن أُطمئنه إلى أنّ الإحصائيّات لا تكون شاملة، وبالتالي فهي غير دقيقة… ثمّ طرحت عليه السؤال: هل تصلّي، يا صديقي؟ فأجابني: أصلّي. قلت: ولماذا؟ قال: أنسيت أنّ أبي كان خوري وطى الجوز؟
لم تكن وطأة المرض شديدة عليه فقط، فقد كانت هائلة على العائلة، وخصوصًا على أرملته السيّدة أمال، وليس من حقّي الحديث عن ذلك.
خسرناك، يا صديقي
خسرناك جاراً عزيزاً،
وزميلاً يشرّف الزمالة،
وأديباً ملتزماً، لامعاً، تركت تراثاً رائعاً،
وربّ عائلة محترماً،
ومواطناً مميّزاً…
عسى أن تكون نفسك حيث لا وجع، ولا حزن، ولا دموع…
نبض