وسيبقى صوته متفرّداً...
نودع اليوم زياد الرحباني، وتنطوي معه فترة من الفن اللبناني العالي، بدأَها ملحِّنًا "سأَلوني الناس" لوالدته فيروز منذ مسرحية "المحطة" سنة 1973، وكان في السابعة عشرة من عمره، وأتبعها بـ"نطرونا كتير ع موقف دارينا" في مسرحية لولو". وبعد غياب والده عاصي، غاب فترةً عن التلحين لفيروز، ولم يعُد إِليها إِلَّا بعد سنواتٍ عدَّةٍ بمجموعة أغنيات جدَّدَ فيها جمهورًا لفيروز لم يكن يتابعها زمن عاصي ومنصور، فوسَّع لها مساحة جمهورها من الجيل الجديد الذي أَحَبَّ زياد ومنه أحب شخصية فيروز الجديدة بلغة الجيل الجديد... معه أصبحت فيروز نجمة الشباب والصبايا، فاكتسبت معهم شهرة شبابية نادرة.
بعد ابتعادٍ مهنيٍّ عن والدته الأُسطورية، عاد إليها قبل سنوات قليلة، وإِلى شقيقته ريما وشقيقه "هَلي"، فاجتمعَت الأُسرة الرحبانية الصغيرة في هناءة هادئة. لكنه في الأَشهر الأَخيرة عاد إلى صمته من جديد، منفردًا في منزله الخاص، معانيًا بصمتٍ من أَوجاعِ مرضٍ راح يحتَملُه وحده، حتى يئس من الاحتمال فقرر الاستقالة من حياةٍ ملأَها روائع ألحانٍ ومسرحٍ وحضورٍ موسيقيٍّ فريدٍ في لبنان والشرق العربي.
حمل صمتَه.. ورَحَل.
وكم كان صمتُه صاخبًا من داخل حزنه ومآسيه.
كان يَهِبُ الناسَ الضحك، ولا يعرفون أَنه يضحكُهم من داخل حزنه الواسع بحجم تراجيديا إِغريقية.
من المنصَّة الرحبانية انطلق، لا ليُكملَ بل ليتفرَّد. وكانت فرادته مغايرة حتى الغرابة العبقرية.
حتى فيروز، أُمُّه الأُسطورةُ الحية، حين لحَّن لها وسَّع مساحة مُحبِّيها حتى مطالع الجيل الجديد، وخلَق لها جمهورًا آخر.
مَن يعرفون أَعماله الفذّة مسرحًا وأُغنياتٍ، سيشعرون بفراغٍ في انتظاراتهم.
ومَن لا يعرفونه من الجيل الجديد، سيكون غيابُه مدخلًا لهم إِليه.
إسمُه، وحده اسمُه، عنوانٌ للعبقرية التي تشِعُّ كيفما نَطَقَت.
وهو قال الكثير، مما لم يقُلْه سواه.
اليوم، يودِّعه لبنان والعالم العربي، وفي الوداع غصَّة الفراق الموجع.
وفيروز، التي ودَّعَت قبله شقيقتَه ليال، ووالدَه عاصي، ستغمُرُ اليوم حبيبَها "هَلي"، وغاليَتَها ريما، وتتعمَّقُ أَكثر في صمتها العميق أَصلًا، لتحمل صدمة المآسي التي غنَّت لها: وطنًا وأُسرةً وقدَرًا لا تحتمله إِلَّا قمَمُ الجبال.
زياد الرجباني، نودِّعُه اليوم بكل الأَسى، وننحني أَمام أَيقونتنا السيدة فيروز، مستمدِّين منها ومردِّدين معها صرختَها الجبَارةَ القُوَّةِ في زَنوبيا: "كاسَك يا موت".
نودعه اليوم، ونودع به فنانًا ولِد في أُسرة فنية، فزاد على فنها الخالد إِبداعًا خالدًا من تراث لبنان النغمة والكلمة، إبداعًا عنوانه زياد الرحباني.

نبض