العصر الذهبي لقناصل فرنسا في الشرق
لعب القناصل والمؤسسة القنصلية عموماً دوراً أساسياً في بناء الإمبراطورية الفرنسية وتوسعها. في البداية صُممت هذه المؤسسة بهدف تعزيز التجارة في منطقة البحر الأبيض المتوسط، ولكنها أصبحت لاحقاً أداة للتأثير الخارجي. ومن خلال البعد العالمي لتجارتها وطموحاتها الجيوسياسية، ومن خلال قوة اقتصادها الصناعي المبكر ونفوذها الثقافي، عملت فرنسا على توسيع شبكتها القنصلية حتى في المساحات التي لم تكن تهيمن عليها.
في الكتاب الصادر حديثاً تحت إشراف فابريس جيسني "القناصل، وكلاء الوجود الفرنسي في العالم: القرنان 18 و19"، يدرس عشرة مؤرخين فرنسيين دور القناصل في الوجود الفرنسي في العالم، وهو وجود متعدد الأوجه ولا يقتصر على الطموحات الاستعمارية أو الإمبريالية، كما لا يعكس الوجود التجاري والسياسي فحسب، بل يعتمد على استراتيجيات القناصل أنفسهم.
بالنسبة إلى الجانب العربي، يدرس الكتاب تجربتي الجزائر والحجاز. تتعلق تجربة الجزائر بالقنصل ليون روش الذي كان شخصية مشهورة نسبياً في عصره بسبب حياته المليئة بالمغامرات: فهو الصديق المقرب السابق للأمير عبد القادر الجزائري والذي أصبح وزيراً مفوضاً. هذا الرجل العسكري السابق، المرتبط بعالم التجارة، والذي أخذته حياته المهنية من طنجة إلى طوكيو، كان يمثل نوعاً جديداً من القناصل. ولئن حظيت تجربة ليون روش بالكثير من الدراسة والاهتمام، ظلت تجربة القنصلية الفرنسية في جدة في الحجاز بعيدةً عن الضوء، رغم أهميتها التاريخية. فقد لعبت باريس دوراً في المدينة الساحلية منذ ما قبل تأسيس الدولة السعودية الحديثة. وذلك من خلال تأسيس الوكالة القنصلية وتطورها، أساساً في سياق الحج الإسلامي في القرن التاسع عشر. مدينة جدة، الميناء الرئيسي للوصول إلى الأراضي المقدسة – مكة والمدينة – هي استراتيجية من حيث فرادة موقعها الجغرافي بين أوروبا والهند، ولكنها أيضاً ذات أهمية دينية.

أُدرجت مبادرة إنشاء وكالة قنصلية فرنسية في جدة في سياق السياسة التجارية الاستعمارية الأوروبية، لا سيما بعد تطورّ الملاحة البخارية. أسس البريطانيون وكالة يعود تاريخها إلى عام 1837، وكانت دوافعها تتمثل في الاهتمام بالتجارة المكثفة بين الهند وأوروبا والإمبراطورية العثمانية. ومع ذلك، إذا كان البريطانيون قد أهملوا جدة مقابل تزايد اهتمامهم بعدن جنوب اليمن، فإن الفرنسيين وجدوا في ذلك فرصةً لتوسيع نفوذهم. في تشرين الثاني/نوفمبر 1839، عُيّن فولجنس فريسنل أول قنصل للقنصلية الفرنسية في جدة. وقد أجرى مسحاً واسعاً لكل المعلومات السياسية والتجارية حول البحر الأحمر، لبناء تصور فرنسي مستقبلي لمنطقة استراتيجية من خلال الطرق البحرية الجديدة. اكتشف فريسنل سريعاً أن التجارة الإقليمية صعبة التحليل، بسبب ندرة البيانات المتاحة وتعقيد العلاقات الاقتصادية المحلية.
لاحقاً ومنذ 1840، بدأت المبادرات الصحية التي ترسلها فرنسا إلى الحجاز في اتخاذ شكل من أشكال الحماية من الأوبئة، وبخاصة الكوليرا والطاعون من خلال مراقبة تدفق المهاجرين ومنع العدوى خلال مواسم الحجّ. وقد لعب هؤلاء القناصل دوراً رئيسياً في نشر التقارير التفصيلية للإدارات الاستعمارية، ما أثر على قرارات الحكومات في ما يتعلق بقيود السفر. وفي أعقاب احتلال الجزائر، أصبح للقنصلية الفرنسية دور سياسي، من خلال رعاية مصالح الحجاج الجزائريين، وإدارة التوترات مع السلطات العثمانية التي تعتبر المسلمين ذوي صلة باختصاصهم القضائي. كما شكلت مواسم الحجّ فرصة للقناصل لمراقبة الأوضاع السياسية في الدولة العثمانية. وللسيطرة على سكان مستعمراتها المسلمين، دفعت القنصلية إلى القيام بمبادرات رعاية مثل إنشاء فندق في جدة، مخصص لاستقبال النزلاء القادمين من المستعمرات. وفي عام 1916، أسست لهم دوراً للإقامة في مكة والمدينة، وهو ما يرمز إلى ارتباط "جزء" من فرنسا مع "مواطنيها" المسلمين. وقد عملت هذه المؤسسات على تعزيز المكانة الاستعمارية. وعلى رغم أن المبادرات الأولى التي لم تكن منسقة دائماً، فإن ما يكشفه الكتاب، هو التكامل المتزايد للقضايا الاستعمارية في إدارة الحج التي نفذها قناصل جدة، والذين رافقوا السلطات الاستعمارية أحياناً، وسبقوها أحياناً أخرى في جهودها للسيطرة على تدفق الحجاج والإشراف عليهم.
نبض