عائشة سلطان... من المقال إلى الحكاية ومن السفر إلى الذات

ثقافة 31-05-2025 | 11:09

عائشة سلطان... من المقال إلى الحكاية ومن السفر إلى الذات

"قدر المثقف أن يظلّ منارة، والكتابة معادل اجتماعي للهوية بالنسبة إلي".
عائشة سلطان... من المقال إلى الحكاية ومن السفر إلى الذات
الكاتبة الإماراتية عائشة سلطان.
Smaller Bigger

حاورتها عزة سلطان

تمشي عائشة سلطان في اللغة كما تمشي امرأة في مدينة تعرفها جيدًا، تتوقف حيث لا يتوقف أحد، وتكتب حيث لا تصل العين.
كاتبة إماراتية خطّت مسارها بثبات عبر الصحافة، فجعلت من المقال نافذة تُطل منها على المجتمع، وتُصغي من خلالها إلى أسئلتها الداخلية.
في كل سطر تكتبه، ثمة دهشة هادئة، وثقة ناعمة لا تحتاج إلى أن ترفع صوتها. لم تكن كاتبة رأي فقط، بل مسافرة أيضاً. في أدب الرحلات كتبت عن المدن والوجوه والأبواب التي تُفتح للغرباء، وجعلت من السفر طريقة لفهم الذات، لا للهروب منها.

وحديثا، أضافت إلى خزانتها الأدبية عملًا جديدًا، لكنه ليس جديدًا على إحساسها العميق بالحياة: "خوف بارد"، مجموعتها القصصية الأولى تحوّل فيها الخوف إلى بنية سردية، لا بوصفه ضعفًا بل لكونه وعيًا يقظًا بما يجعل الإنسان هشًا، وإنسانيًا في الوقت نفسه.
في هذا الحوار، لا نعود فقط إلى خطواتها الماضية، بل نسير معها في محاذاة الطريق الذي اختارته، لنفهم كيف تتحول الكلمة إلى مكان، والكتابة إلى عزلة دافئة، والقصص إلى صدى للذين لم يُحك عنهم شيء.

* سنوات من الكتابة فهل تكتبين لأنك تملكين أجوبة أم أنها أسئلة تؤرقك؟ 
أكتب لأن الكتابة تحولت إلى معادل اجتماعي للهوية بالنسبة إلي. فأنا اتحرك في كل مكان بهوية الكاتبة أكثر من أي تعريف آخر، أما الأسئلة فهي المحرض الأول للكتابة.

* ما السؤال الذي جعل منكِ كاتبة؟
أول ما حركني للكتابة هو هذا السؤال: لماذا يميل الانسان فطريا نحو الظلم والقهر والحرب؟

* هل الكتابة كانت خيارًا أم قدَرًا؟
بالنسبة إلي كانت الكتابة قدرا تحقق على هيئة مصادفة!

* الذاكرة حاضرة بقوة في كتاباتك- هل تكتبين لتتذكري، أم لتنسي؟
أكتب لأن الذاكرة حبر الهوية. نحن نكتب من تلك النقطة التي عرفنا فيها أنفسنا ومكاننا ولغتنا وعلاقتنا بالمكان والآخر، تلك النقطة التي ما زالت منغرسة في أرواحنا ووجداننا وعقولنا، إنها الذاكرة.

* وما شكل الذاكرة التي تحتفظ بكِ أنتِ؟
الذاكرة التي أكتب بها كل يوم، فأنا لا انفصل عن ذاكرتي.

 

غلاف “خوف بارد”. (بيت الحكمة للنشر)
غلاف “خوف بارد”. (بيت الحكمة للنشر)

 

* في زمن يُختزل فيه كل شيء إلى “ترند” كيف يمكن الكتابة أن تظل فعل مقاومة؟
الإنسان يقاوم باستمرار  ويخترع كل لحظة ما يحسن ظروف حياته ويحميه في مواجهة المخاطر، لذلك فإن تطوير ادوات المقاومة ومنها الكتابة أمر مستمر. الإنسان لن يتخلى عن الكتابة ولن يهجرها، فهي أول اختراعات الحضارة التي حفظت تاريخه ومنجزاته. من هنا فنحن لا نترك الكتابة ولا ننساها ولا نستبدلها، بل نطورها عبر وسائل الإعلام الجديد والذكاء الاصطناعي، ما يجعلها أكثر اتساقا مع العصر وأكثر قوة وتأثيرا وانتشارا.

* تكتبين مقالك الصحافي بدأب، فهل ما زلتِ ترين للكلمة سلطة حقيقية؟
لن تتوقف سلطة الكلمة ما دام الإنسان يقرأ ويكتب ويتنفس.

* هل الكتابة اعتراف أم تنكّر بارع؟
الكتابة في بعض جوانبها اعتراف وفي بعضها علاج وفي كثير منها أقنعة للكاتب.

* هل يحتاج الكاتب إلى “عزلة مختارة” لكي يُنتج نصًا صادقًا، أم أن ضجيج العالم أحيانًا هو الدافع للكتابة؟
ضجيج العالم ضرورة لصناعة التجربة والخبرة والامتلاء بالمعنى، أما العزلة المختارة فضرورة لصناعة النص الذي هو نتاج تلك الخبرة والتجربة والامتلاء (تحتاج الكتابة إلى  التمهل والتأمل والاستعادة وهذا لا يتاح في الضجيج).

 

مشاركة عائشة سلطان في يوم الكاتب الإماراتي.
مشاركة عائشة سلطان في يوم الكاتب الإماراتي.

 

* الكتابة عندك تشبه السير على الحافة. هل تتعمدين هذه المنطقة الحرجة، أم تجدين نفسك فيها بلا قصد؟
الكتابة في أوطاننا العربية مغامرة صعبة إذا كانت من نوع ما أكتب، لذلك تحتاج إلى الكثير من الحذر، فالسير على الحافة نوع من الحذر ضمانا للبقاء.
​​
* في مجموعتك “خوف بارد”، الخوف ليس مجرد حالة، بل أحيانًا هو اللغة نفسها. ما الذي يُخيفك فعلًا؟
كأي إنسان، لدي مخاوفي المتمثلة في كل ما يتحدى وجودنا (تقلبات الطبيعة/ المستقبل/ الأوبئة والأمراض/ الموت/ الغدر والخيانات غير المتوقعة/ الألم والفقد (فقدان من أحب).

* في قصصك، هناك نزعة للتأمل في الداخل الإنساني، هل هذه دعوة للقراء إلى فهم ذواتهم أم مواجهة غير معلنة؟
الاثنتان معا. فنحن حين نعي ذواتنا جيدا نواجهها ونواجه كل مخاوفنا، وبالتالي ننتصر عليها.

* من أين تأتين بالشخصيات في قصصك؟ هل يهبكِ الواقع وجوهًا جاهزة، أم أن الخيال أكثر كرمًا؟
السرد ابن الخيال المتلصص الذي يمد جذوره في الواقع، لذلك فالشخصيات قد تكون نواتها من الواقع أو ربما أسماؤها فقط، لكن خلقها وولادتها وتشكلها تتم كلها في مصنع الخيال.

* هل تكتبين من منطقة الراوي المتأمل، أم من عمق التجربة الشخصية؟
أستعين بالتجربة بلا شك، لكن الكاتب لا يفعل شيئا أكثر من التأمل في كل ما يعبر نظره وفكره باستمرار.

 

ندوة منتدى الراويات.
ندوة منتدى الراويات.

 

* من يقرأكِ يشعر أحيانًا بأن النص يتردد بين النُضج والحنين، بين الشجاعة والخذلان. هل هذه تناقضاتك أنتِ؟
كلنا وأنا واحدة من هؤلاء البشر الذين يحتفظون بالطفل في دواخلهم رغم ذهابهم للنضج، ويعيشون الشجاعة بقدر ما يتعرضون للخذلان، ويستمرون في السعي للحياة والبحث عن الحب رغم الانكسارات والصدمات. علينا أن نستمر في نهاية الأمر بكل تناقضاتنا التي هي أجمل ما في الإنسان لأنها حقيقة هشاشته وضعفه.

* هل الكاتبة الخليجية اليوم ما زالت مجبرة على مراوغة بعض الأسئلة، أم أننا دخلنا عهدًا آخر؟
تخطينا الكثير بلا شك نتيجة الإكراهات وتحديات الواقع والتحولات والتطور وثورات المعرفة والتكنولوجيا.

* ما الثمن الذي دفعته عائشة سلطان لتكتب بحرية؟
لقد كتبت بجرأة (الجرأة لا تعني الصدام أو التهور) منذ المقال الأول من دون تفكير مبالغ فيه في الاعتبارات والعواقب، فكان رد الفعل استقبالا مدويا. الناس تريدك أن تقولهم وتكتب عنهم ولهم بصراحة وقوة كي تواصل قراءتك واحترامك، وهذا يستدعي الكثير من الجرأة والمعرفة والقوة بكل معانيها.

* كيف تغيرت الصحافة من وجهة نظرك خلال العقدين الأخيرين؟ وهل ما زال لمقال الرأي وزنه؟
⁠تغيرت من حيث الشكل والجوهر، ومن حيث الاستخدام وتوظيف التقنيات والترابط مع منصات التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي.

فقد أصبح لكل صحيفة وقناة تلفزيونية موقع على الإنترنت وصفحات على مواقع التواصل لأنها الأسرع وصولا إلى الجمهور وأسرع انتشارا. وأصبحت النسخ الإلكترونية للصفحات لا تكتفي بالخبر المكتوب، بل بالمقاطع المصورة والفيديوات الأكثر تداولا بين القراء والمتابعين.

أما من حيث الشكل فأصبحت أكثر ميلا إلى الاختزال واستخدام أكثر للغرافيك والجداول البيانية والانفوغرافيك. أما الأخبار فقد أصبحت تبتعد قدر الإمكان عن الرسمية والتحليلات الطويلة والمقالات المطولة. وعلى مستوى صحافة الرأي فقد تراجع الاهتمام بها عما كان في العديد من البلدان، وأصبحت الصحافة أكثر تقييدا وتراجع مستوى الحريات الإعلامية لأسباب مختلفة تعود للتحولات السياسية في الإقليم العربي والدولي. ومع ذلك فإن الوفرة الهائلة لمحطات التلفزة والصحف الرقمية وسهولة انتشار الاخبار جعلت العالم أكثر من قرية صغيرة كما كان يبشر أستاذ الاتصال الكندي مارشال ماكلوهان. أصبح العالم بين أيدينا عبر الهواتف الذكية.

 

”‫هوامش في المدن والسفر والترحال”‫. (الدار المصرية اللبنانية)
”‫هوامش في المدن والسفر والترحال”‫. (الدار المصرية اللبنانية)

 

* كثيرًا ما تُعرفين بكتاباتك التي توازن بين الرصانة والتحليل العاطفي، كيف تحافظين على هذه المعادلة؟
أحيانا بالموهبة وكثيرا بالممارسة والخبرة.

* كيف تتعاملين مع النقد، خصوصا حين يأتي من داخل المشهد الثقافي أو من القراء؟
بكل رحابة صدر بسبب طول التجربة.

* ما الذي أردتِ قوله في مجموعتك “خوف بارد” ولم يُفهم كما أردت؟
النص عادة حمّال أوجه، وما من نص يفهم على نحو صحيح أو خاطئ. القارئ يقرأ النص ثم يعيد كتابته بطريقته، وأنا أثق بهذه القدرة عند القارئ العربي عموما والجيل الحالي من القراء خصوصا.

* هل تعتقدين أن القصة القصيرة ما زالت تجد قارئًا متذوقًا، أم أن الرواية استحوذت على المشهد؟
تعود القصة إلى رونقها ومكانتها في هذه الايام بعدما استحوذت الرواية على كامل المشهد والاهتمام لسنوات طويلة. فهي أكثر تناسبا مع الزمن المتسارع وكل ضغوطه على الإنسان من السرديات ذات مئات الصفحات.

* هل هناك مشروع روائي مرتقب؟
بإذن الله أنتهي من الرواية التي أعمل عليها منذ مدة طويلة.

* هل سنشهد تحولًا في أسلوبك السردي أو نوع القضايا التي تتناولينها؟
بالتأكيد، وهذا أمر طبيعي.

* كيف ترين دور المرأة الكاتبة في الخليج اليوم؟ هل تغيرت النظرة أم ما زالت تخضع لمعايير مضاعفة؟
أظنها تغيرت وإن ليس كليا. إنها في جزء كبير منها مفروضة بسبب التحولات وضغوط التغيرات العالمية.
​​
* ما مسؤولية المثقف في زمن التحولات المتسارعة؟ وهل ما زالت الكلمة تملك سلطة التغيير؟
قدر المثقف أن يظل منارة دائما خصوصا في زمن التحولات الملتبسة والصعبة.
​​
* ما الذي يقلقك اليوم بصفتك مثقفة تعيش في العالم العربي؟ وما الذي يمنحك الأمل؟
تناقص هوامش الحرية في أوطاننا العربية بسبب تزايد الهواجس والمخاوف الأمنية، ذلك أن حرية التعبير والرأي هي الضحية الأولى في هذه الأحوال.

* متى تشعرين بأن الكتابة خانتك؟ ومتى شعرتِ بأنها أنقذتك؟
حين أفقد الشغف، أشعر بأن الكتابة خانتني لأن هناك خذلانا تجاوز طاقتي على الاحتمال.

* لو لم تكوني كاتبة، ماذا كنتِ ستفعلين بشغفك تجاه الحياة؟
لا أدرى، لم أفكر، هذا هو السؤال الذي لم أسأله قبلا.  

* ما السؤال الذي تتمنين لو يُطرح عليك، ولم يطرحه أحد بعد؟
السؤال السابق "لو لم تكوني كاتبة، ماذا كنتِ ستفعلين بشغفك تجاه الحياة؟"

* ماذا تقولين لجيل شاب من الكاتبات الخليجيات يتلمسن طريقهن الآن وسط ضجيج الرقمنة واختلاط المعايير؟
السوشال ميديا والإعلام الرقمي هو المستقبل، وهذا يحتاج إلى أدوات قوية ومعايير وعلم لا إلى ضجيج وشطارة ووجه جميل فقط.

 

ندوة منتدى الراويات.
ندوة منتدى الراويات.

 

* هل تؤمنين بأن الكتابة قادرة على شفاء القلب؟ أم أنها تعمّق جراحه بوعي جميل؟
بحسب نوعية الكتابة وأوجاع القلب. هناك أوجاع تحتاج إلى عزلة أو طبيب أو وجع آخر يعالج الوجع الذي كان (على طريقة داوها بالتي كانت هي الداء).

* أين تنتهي عائشة الإنسانة، وتبدأ عائشة الكاتبة؟
لا تنتهي عائشة الإنسانة في أي لحظة، ولكن تقف الكاتبة عند حدود كتابتها، من دون أن تترك هذه الكتابة تتخطى الحدود وتتجاوزها لتنال من خصوصية عائشة الإنسانة.

* وهل استطعتِ أن تحمي حياتك الخاصة من شهية القارئ الفضولية؟
قدر الإمكان نعم، فقد حاولت أن أحمي حياتي ولا أتحدث عن شؤوني الخاصة التي لا علاقة للقارئ بها، ولا تتقاطع مع الكتابة أو مع الشأن العام.

أما كثير مما يتعلق بذاكرتي فهو أمر شخصي مثل أن يتعلق بتاريخ عائلتي، سكني، طفولتي، سفري، خياراتي، إن لم تكشفه الكتابة فقد كشفته مواقع التواصل الاجتماعي، فأنا شخص نشط على هذه المواقع، وبالتالي فإن مواقع التواصل الاجتماعي تقتات على حياتك الخاصة، لكني وضعت حدودا لذلك.

الأكثر قراءة

العالم العربي 4/2/2026 12:41:00 AM
عشرات طائرات "A-10 Thunderbolt II" في طريقها إلى الشرق الأوسط… "Warthog" تعود إلى الواجهة
ايران 4/2/2026 3:29:00 PM
يُوصف الجسر بأنه "أطول جسر في الشرق الأوسط" وأحد أكثر الجسور تعقيداً من الناحية الهندسية في المنطقة.
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية