رحلة شاقة لنجمة ولدت في بيروت وتألقت في القاهرة... ماري منيب "الملاك الضاحك"
لا يعرف كثيرون من محبي ماري منيب (1902 – 1969)، في مصر وغيرها من البلاد العربية، أنها ولدت في بيروت، حيث قضت سنوات طفولتها؛ فأدوارها، خصوصاً في السينما، التي صنعت جماهيريتها العريضة، تقول إنها مصرية حتى النخاع. والحقيقة هي أن المراهقة التي أظهرت موهبة لافتة خلال عملها مع فرق مسرحية مختلفة في القاهرة بإسم ماري سليم حبيب، في عشرينات القرن الماضي، تفتَّح وعيها في حي شبرا حيث عاشت مع أمها وأختها، وهو من الأحياء التي كانت في ذلك الوقت تتمتع بطابع شعبي في ظل تعايش كوزموبوليتاني، خرجت منه مثلاً المغنية داليدا، التي انطلقت من فرنسا إلى العالمية وهي من أصل إيطالي.
في كتابه "الملاك الضاحك: ماري منيب" (بيت الحكمة – القاهرة) يسرد السيناريست والمؤرخ الفني ماهر زهدي سيرة للفنانة الكوميدية البارزة منذ ولادتها حتى وفاتها، مؤكداً أنها ظلت طوال حياتها تعتبر نفسها مصرية من أصول لبنانية، مصرية الروح والهوى، لبنانية المولد، عربية الملامح، فهي تشبه بيروت في نضارتها وثلوج لبنان البيضاء، وتشبه القاهرة بدفئها وخفة دمها، بملامح عربية خالصة، سيدة يمكن أن تختصر أجمل ما في لبنان ومصر. فإذا كانت القاهرة شهدت صباها وشبابها وتألقها ونجوميتها، ثم سنوات الكهولة والرحيل، فإن بيروت كانت مدينة المولد وسنوات الطفولة المبكرة.

رحلة شاقة
غادرت ماري منيب بيروت مع أمها وأختها وهي في الرابعة من عمرها، وفق كتاب زهدي. وكان عمرها 14 عاماً عندما وقفت على المسرح كممثلة ثانوية. في عمر الـ 14 عاماً أيضاً تزوَّجت من فوزي منيب، وتغير إسمها من ماري سليم حبيب إلى ماري منيب. وبعد انفصالها عن منيب وموت شقيقتها أليس تزوجت من زوج شقيقتها المحامي عبد السلام فهمي، ثم أسلمت وصار اسمها في الأوراق الرسمية أمينة عبد السلام، نسبة إلى هذا الزوج الذي أنجبت منه ولداً وابنتين. زواجها الثاني هذا كان في عام 1937 وهو العام نفسه الذي التحقت فيه بفرقة الريحاني وانطلقت نجومينها من المسرح إلى السينما، في أدوار ربطتها بالجمهور العريض في مصر والعالم العربي، وأشهرها دور الحماة النكدية الذي قدمته في عدد كبير من الأعمال الفنية بخفة ظل منقطعة النظير.
يسرد ماهر زهدي سيرة ماري منيب في قالب أقرب إلى الدراما، إذ سمح لخياله بأن ينسج الكثير من الأحداث ذات الأصل الواقعي، ويجري الحوارات بما يناسب أبطالها من نجيب الريحاني وبشارة واكيم إلى علي الكسار وفوزي منيب، وحسين رياض ودولت أبيض، وغيرهم من أساطير الفن في حقبة زمنية تمتد من عشرينات القرن الماضي إلى ستيناته، فضلا عن أسرة ماري وفي القلب منها والدها، الذي رحل عن العالم مبكراً، وأمها وأختها اللتان لازمتاها في رحلتها، إنسانة مكافحة وفنانة يشار إليها بالبنان. وساعدت زهدي على كتابة تلك السيرة في قالب درامي، خبرته في كتابة السيناريو، فهو سبق أن قام بتأليف الفيلم القصير "بحلم يا دنيا بجد"، عام 2008، وكتب قصة سيت كوم "عفاريت عصمت" وحواره عام 2018. وهو كتب في هذا المجال أيضاً سيرة نجيب الريحاني وأصدرها في كتاب "فيلسوف الضحك والبكاء"، وسيرة إسماعيل ياسين في كتاب "أسطورة ملك حزين"، وسيرة نعيمة عاكف "التمر حنة"، وسيرة شادية "قمر لا يغيب"، وأسمهان "أميرة الحب والأحزان" وكلها جاءت في قالب اشتهر به وهو قالب السيرة الدرامية.
السفر إلى مصر
الأب الذي كان يعمل في أحد البنوك في بيروت، تدهورت أحواله المادية بسبب إدمانه لعب القمار، فقرر السفر إلى مصر، ليجرب حظه هناك، ولما انقطعت أخباره، قررت زوجته اللحاق به ومعها طفلتاهما، لكنه عاد إلى بيروت قبل أن تصل الأسرة إلى مصر، ثم ما لبث أن وافته المنية. قررت قاسمة البقاء في مصر مع ابنتيها، فاستأجرت شقة صغيرة في حي شبرا، وعملت في حياكة الملابس، على أمل أن توفر القدر اليسير من ظروف العيش الملائمة. ورغم الضائقة المالية التي عاشتها تلك الأسرة أصرت الأم على إلحاق أليس وماري بمدرسة الراهبات في شبرا "نوتردام دي ذا بوتر". وبسرعة فائقة تميزت أليس وماري بتعلم اللهجة المصرية وإتقانها. ثم قادت المصادفة ممثلاً مغموراً يدعى جبران ناعوم، يعمل مع نجيب الريحاني، إلى التعرف إلى الأسرة، وتكون هذه هي بداية ارتباط ماري بفن التمثيل أو التشخيص كما كان يسمى في ذلك الوقت. كانت ماري حينذاك في الثانية عشرة من عمرها، وتكبرها شقيقتها بعامين فقط، فيما الأم لم تعد قادرة على تحمل أعباء الحياة، "فالمدرسة تهدد بطرد الفتاتين لتأخر دفع المصروفات، وصاحبة المنزل تطلب إيجار الشقة المتأخر أربعة أشهر، فضلاً عن الأكل والحاجات اليومية" (ص 53).

تتألف هذه السيرة من 12 فصلاً، حمل أولها عنوان "روح مصر ونضارة بيروت"، وجاء الأخير تحت عنوان "ضحك حتى النهاية"، وعبر تلك الفصول نسج زهدي تفاصيل رحلة شاقة قطعتها ماري منيب حتى أصبحت مثل "الماركة المسجلة" في الكوميديا، سواء في المسرح أم في السينما، "إلى درجة أن المخرجين الجدد كانوا أصبحوا يعتمدون عليها في أفلامهم لضمان نجاحها". ومن هؤلاء يوسف شاهين الذي عرض عليها أن تشارك في بطولة أول أفلامه "بابا أمين" مع فاتن حمامة وحسين رياض. كان ذلك عام 1950، ولاقى الفيلم نجاحاً كبيراً، مع أنه قدم ماري منيب بدور مختلف تماماً عما اعتاده منها الجمهور. لكنها ما لبثت في العام التالي أن عادت إلى هذا الجمهور عبر فيلم "حماتي قتبلة ذرية"، الذي كتبه أبو السعود الإبياري وأخرجه حلمي رفلة.
بيروت 1967
وبحسب زهدي فإن عقد الخمسينات من القرن العشرين، كان الأفضل في مسيرة ماري منيب، بما أنه صنع منها واحدة من أهم نجمات هذه الحقبة، ورسخ مكانتها رائدة من رواد فن التمثيل في المسرح والسينما. كانت مسرحية "إلا خمسة"، أول بطولة مطلقة لها على المسرح. كان ذلك عام 1945، وكان البطل أمامها نجيب الريحاني شخصياً. وشاء القدر أن تعيد تقديم هذه المسرحية عام 1963 أمام عادل خيري، ليصورها التلفزيون، فتساهم في إبراز نجوميتها على نحو كبير للغاية، حتى بين أجيال لم تعاصرها، وهو ما حدث مع آخر أفلامها الذي شاركها بطولته النجم الصاعد وقتها عادل إمام مع أحمد مظهر وهو فيلم "لصوص لكن ظرفاء".
وفي بيروت قدمت واحدة من مسرحيات فرقة الريحاني وهي مسرحية "الدلوعة" أمام فريد شوقي عام 1967. أما آخر عمل مسرحي شاركت فيه فكان "خلف الحبايب"، وعقب ليلة الافتتاح في 11 كانون الثاني/ يناير 1969، أصرت على أن تصحب أولادها إلى بيتها في شبرا، وهناك أخذت تذكرهم ببعض الذكريات وتضحك، قبل أن تفاجئها أزمة قلبية حادة رحلت على إثرها قبل أن يؤذن لفجر يوم جديد.
نبض