طرابلس حاضنة الثقافة لكلّ الأزمان

طرابلس حاضنة الثقافة لكلّ الأزمان
غلاف الكتاب.
Smaller Bigger

د. جان توما

 

تعود طرابلس- التاريخ من جديد مدينة مرسومة حلمًا، في طبعة متكاملة من جروس برس- ناشرون، من تحرير وتنسيق د. جان جبّور، في طبعة أولى فنّية من 416 صحيفة من الحجم الكبير، تتابع فيها طرابلس الحديث عن نفسها بعيون أبنائها، بعد جزء أوّل صدر عن الدار نفسها عام 2023، كأنّ تعاقب الأجزاء يعني أنّ طرابلس إرث ثقافيّ متراكم، من يوم قرّر أبناء صيدا وصور وأرواد قبل الميلاد أن يكونوا في مثاقفة فكريّة واقتصاديّة مع المدن المشاطئة على تنوّعها، لتزهو بلقب مدينة العلم والعلماء وبدار العلم وبعرباتها البخاريّة المتوجّهة إلى حمص وحلب والحجاز واسطنبول فأوروبا، تصديرًا واستيرادًا، حيث درجت العبّارات على "السقالات" زيتًا وخشبًا وصابونًا وغيرها، فلقّب ميناؤها بـ" الأسكلة"، إلى أن قرّر مجلس بلديتها تغيير الاسم إلى "الميناء" المتداول شعبيًّا عام 1979.

 

يشهد الكتاب الجديد لطرابلس من يوم ما كانت قصيدة فينيقيّة إلى يوم ارتفاع أبوابها وخاناتها في عهد المماليك لتنعم بمياه نهر أبي عليّ، لكأنّ نشأتها العربيّة نقشت ثقافتها لغة وهندسة ومنمنمات على هويّتها، فإن زرتَها ترَ الثقافة العربيّة في مجدها، نسيجًا أهليًّا، وتشابكًا عمرانيّا، وقيما متكاملة، لذا استقرّت الثقافة العربيّة هنا، فدانت لها الريادة والقيادة والسيادة، فرفعت عمادَ خيمتها زراعة وصناعة وتجارة، فحصدت من سهول أبي سمرا ريادة ، ومن جبهتَي تلّ الرمل وقبّة النصر قيادة، ومن ملح بحر الميناء سيادة.

 

أكثر من خمسين كاتبّا، من طرابلس والجوار، ترجموا عشقهم لطرابلس في أبواب ثلاثة: طرابلس منارة العلم والثقافة، وطرابلس معالم دينيّة سياحيّة، وطرابلس رؤى مستقبليّة. ترتفع هذه الأبواب الثلاثة لتؤكّد هندسة المدينة القديمة بنسيجها العمرانيّ والأهليّ، وقد سقطت بوابات المدينة، باب الحديد، باب التبانة، بوابة النوري، باب الرمل، بوابة المهاترة، بوابـة الحدادين وغيرها. أتى الكتّاب ليدلوا بشهاداتهم في مدينة احتضنتهم طلابا يفدون كلّ صبيحة من عكار والضنّية وزغرتا والبترون وبشري ليتعلّموا في مدارس المدينة مع تشديد على تمتين إرساء علاقات لم تنفصم زمنَي الحرب والسلم مع أبناء البلد التي كانت تستقطب أهل الجوار في حياتهم اليوميّة والثقافيّة والاقتصاديّة، من هنا برز تنوّع اتجاهات الكتّاب ما بين تربويّة وشأن عام وفكر وفنّ وشعر وأعلام وتاريخ ومجتمع مدنيّ.

 

يسعى الكتاب إلى تأطير إرث طرابلس الفيحاء من أجل معاصرة مدينيّة تأخذ في الاعتبار هويّة المدينة التي اصطبغت بها من حيث النسيج العمرانيّ المملوكيّ، ومن حيث نسيجها الأهليّ المعبّر عن غنى هذه المدينة النهريّة منذ عام 1289 م. مع السلطان قلاوون بعد دحره الفرنجة، وطرابلس البحريّة الفينيقيّة. لم يغب عن الكتّاب رؤية طرابلس الآتية باقتصاد قائم على السياحة بالتوافق والتكامل بين أسواقها القديمة المتعرّجة مع كورنيشها البحري وجزرها البحريّة؛ لتقديم الصورة الأكمل لنهضة السياحة إذا توافرت النيّة واستتباب الأمن والاستقرار لتشجيع الرساميل على الاستثمار في هذه المدينة التي ما زالت أحياؤها الأثرية التاريخية مع قلعتها، على صورتها الأولى، قبل أن تمتدّ إليها يد العمران ممعنة في التخريب والغرق في الإهمال لتبقى طرابلس الفيحاء كما عنوان الكتاب حاضنة الثقافة لكلّ الأزمان.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/3/2026 6:20:00 AM
"النهار" تلقي الضوء على تفاصيل المشروعات السورية الخمسة لربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا، وأهميتها والتكلفة الاستثمارية لها، والتحديات التي تواجه هذه المشروعات، والعائد الاقتصادي لهذه المشروعات سواء على الاقتصاد السوري أو على اقتصادات الخليج
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية
اسرائيليات 4/3/2026 9:21:00 AM
الجيش الإسرائيلي: مخطط لإطلاق صاروخ مضاد للدروع نحو أراضي دولة إسرائيل
لبنان 4/3/2026 12:18:00 PM
الجيش الإسرائيلي: مسلحو "قوة الرضوان" المعتقلون أكدوا أن لا "قوة" للمضي بالقتال