صهيب أيوب: الكتابة رحلة اكتشاف ونجاة من آلام هذا العالم

ثقافة 12-03-2025 | 12:59

صهيب أيوب: الكتابة رحلة اكتشاف ونجاة من آلام هذا العالم

نذهب في هذا الحوار مع صهيب أيوب لتفكيك العمل السردي والدخول إلى منعرجاته وأحوال الكتابة وشجونها.
صهيب أيوب: الكتابة رحلة اكتشاف ونجاة من آلام هذا العالم
صهيب أيوب
Smaller Bigger

محمود وهبة

في روايته الثانية "ذئب العائلة" الصادرة حديثاً عن منشورات نوفل يُعلي صهيب أيوب من صوت الأحداث الصادمة، وينقل تفاصيل الذات البشرية من خلال شخصياته المحددة. هذه الشخصيات التي يتركُ لها العنان لقول ما تريد، ويتتبع أثرها في رسم معالم العمل لتكون هكذا الكتابة عموماً بلا نوايا أو محاولة للسير بين الألم وتفاصيل المعاناة وتحقق الأحلام بعد الموت.

نذهب في هذا الحوار مع أيوب لتفكيك العمل السردي والدخول إلى منعرجاته وأحوال الكتابة وشجونها، وكان لـ"النهار" معه هذا الحوار. 

استنطاق الذاكرة والصدمة


تسبر الرواية أغوار الذاكرة المثقلة بالصدمة، وتستلهم أحداثها من عمق معاناة الذات الإنسانية. ما الذي دفعك إلى استقصاء هذه العوالم النفسية المرهقة، وكيف تتجلى في سلوكيات شخصياتك وتفاعلهم مع محيطهم؟
- حين أكتب لا أقصد مسبقاً أي تقص أو تحر. الكتابة بالنسبة لي هي رحلة اكتشاف، ترتكز على الحفر واللعب في آن. هناك لذة شاقة في الكتابة، لكنها ليست مهمة ولا أعتبرها كذلك. وفي هذا الحفر أجد شخصياتي، ألتقي بها وتأخذني من يدي إلى حيواتها السرية والمعلنة معاً، وتأخذني إلى موتها المفترض، ومعها أسكتشف دروب الرواية وسراديبها. ومع هذه الشخصيات ألتقي بشخصيات أخرى، تتعلق بها أو شكّلت طرقها. ومن هنا يفرض هذا الاستكشاف لغة الرواية وبنيتها. لم أضع يوماً خطة لأيّ عمل كتبته، ولن أفعل يوماً. أتتبعه كما يتتبع أحدهم نهراً في غابة. وفي "ذئب العائلة"، الشخصيات مركّبة، ولها طبقات نفسية وسوسيولوجية تتناغم وتتنافر وتلتقي وتتصارع وتتساوى وتبتعد وتتجاذب، وفق صيرورة لا تحاول التفسير على قدر الاندماج بها والدخول في متاهتها. شخصيّاتي تتصارع مع زمانها ومكانها ومع أحلامها ومواتها ومصائرها، وقبل كلّ شيء تتصارع مع ذواتها وهوياتها ولغتها وصمتها، وهي شخصيات بغالبيتها تتحطم وتنذوي، تحت وزر الماضي وحاضرها المتذرّر وميراث أجدادها وأهلها وميراث أمكنتها وهجراتها وآلام تكوينها النفسي وتحت سلطة العنف والخوف وماضي المدينة وتعقيداتها وتاريخها وجغرافيتها. فالجغرافيا في ذئب العائلة مهمّة، فننتقل بين مضارب البدو من بلدة العبودية إلى شاطئ العبدة وصولاً إلى طرابلس ومدينة الميناء، ومعها نكتشف ماذا تفعل الجغرافيا في الفرد، وكيف تبلوره من جديد وتعيد صناعته. وشخصياتي تتفاعل مع هذه التغيرات الجغرافية، فشمسة الآتية من حياة النهر والخيم تصير في شقة في بناية العلبي. ووداد النابلسي الآتية من طفولة دمشقية غريبة تصير في حياتها الطرابلسية أخرى. إذن الشخصيات لا تتفاعل مع تكوينها فحسب بل أيضاً مع الحغرافيا التي تصير حيّزها. 


رمزية الذئب وحضوره الباطني


يشير العنوان "ذئب العائلة" إلى دلالات متشابكة بين غريزة الانتماء وشهوة الفتك. كيف تجلّت رمزية الذئب في وجدان البطل، وما هي الرسائل التي أردت إيصالها من خلال هذه الثنائية المعقدة بين المفترس والمُفترَس؟
- للحقيقة، فإن الذئب هو برمزياته الكثيرة والمتعددة يحاكي الفرد المختلف في مجتمع لا ينتمي إليه بل يشعر دوماً بأنه مواز له، بل هو لن يشبهه ولن يصبح منه، بل يعيش على أطرافه وفي عتماته. 
لا رسائل في "ذئب العائلة" ولا نوايا في كتاباتي. هناك حكاية ورموز تحاول محاكاة الألم والموت وعالم الأحلام، من خلال تفكيك سردية العنف الديني والاجتماعي، ولغة العار التي تلاحق الأبطال. هذا العار الذي يكتسب قوته من المقدس والتقاليد، وأحياناً ممّا هو مسكوت عنه في الحكايات الشخصية والعائلية، أي الإرث. والذئب هنا هو قاتل ومقتول في آن، ليس فقط كما نتصوره وحشياً. الذئب في روايتي حسّاس، ويرى العالم من ضفته الأخرى. ويحمي نفسه بسبب جروحه. فكما نبيل في رواية "رجل من ساتان"، كذلك حسن الأخرس، يحاولان كل على طريقته أن يجدا مكانتهما في عائلة لا تشبهها وترفضها، ويصيران غير مرئيين، أشبه بالأشباح، وأشبه بهذا الذئب الجريح.  

المدينة كمسرح للضياع والحنين

تصوّر الرواية المدينة كفضاء متهالك، يجمع بين الحلم المفقود والقسوة الكامنة في الجدران المتداعية. كيف لعبت المدينة دورًا في تشكيل مصائر الشخصيات، وما الذي ترمز إليه في إطار الرواية؟
- المدينة هي بطل رئيسي في شغلي، أي أنها مثلها مثل أي شخصية تتحاور مع ذاتها ومع سكانها ومع أبطال الرواية الذين يتشكلون ويتحركون فيها ويحترقون بنيرانها ويموتون في مقبرتها. وطرابلس لا تعود مكاناً في الرواية، على كونها أيضاً بطلة أسطورية لها القوة الكامنة في تحريك مصائرههم، ليس فقط تحريكاً يجعلهم لا يقررون، بل هي تحركهم كي يتفاعلوا معها، من خلال الخوف. والخوف هو محرك المدن؛ لهذا طرابلس حين احتلها المماليك وحطموا المدينة البحرية، فإن أول ما فعلوه أنهم زنّروها، لأن الخوف من مطامع الآخرين جعلهم يفكرون في إغلاقها وتحصينها. وهذا التحصين حماها وغيّر فيها وطوّر مدينة أخرى على ضفاف النهر. إذن الخوف دائماً ما يكون محركاً لتغيير المصير. فالمدينة ليست خلفية فحسب في "ذئب العائلة" بل هي المحرك الأساس في جعل كل هؤلاء ينخرطون في تفاعلها مع ما يشتغل في أمعائها وما يتشظى في داخلها. المدينة تصير أماً وحاضنة وقاتلة ووحشاً. ليست سكناً فحسب، بل حياة كاملة. وهي على تعدد وجوهها وغرابتها، تجعل كل هؤلاء ينصهرون في أتونها، ويختفون في سراديبها، وفي حكاياتها الكثيرة. في هذه الرواية تتعدد الأصوات، لكن بالنسبة لي لا صوت يعلو على صوت طرابلس. 

العزلة والصمت كلغة خفية

يبدو الصمت في الرواية كأنه لغة سرية تتحدث بها الشخصيات في خضم عزلتها. كيف عكست هذه المساحات الصامتة عمق العلاقات البشرية في النص، وما الذي تكشفه هذه اللحظات عن النفوس المكبوتة؟
- الصمت وهذه الفراغات التي يخلفها ما هي إلا الروي الذي يغذّي مخيّلة القراءة. أتعمد في شغلي على الصمت والسكوت كلغة شعرية في خلفية الرواية، وكمساحة للقراء للتخيل والاستنباط والتحليل، وأحياناً ليدخلوا الرواية ويصيروا فيها. الصمت يعطيهم هذا المجال كي يصبحوا هم أيضاً وداد النابلسي وشمسة السبع وحسن الأخرس وزياد وجلنار وهرغول. والصمت يسمح لهم بالتعامل مع مرآتهم. الصمت هو أيضاً مكون أساس في بنية رواياتي، لكونه يسمح لعوالم غير مرئية بأن تحضر ومعها تحضر أصوات غير مسموعة وحكايات غير مدونة. لا أعتقد بالكتابة الظهرانية، بل أحب تلك الكتابة المواربة التي لا تفسر، والتي تترك للصمت أن يفتح أبواباً وأسئلة، ويخالف السرد التوضيحي الهادف إلى تقديم حبكة واحدة. هذا الصمت يمنح الرواية حبكات كثيرة وخيالات عنها، لا بل يجعلها روايات عدة، يتشارك القارى حتماً في تشكيلها وبنائها. 

صراع الأسرة وتقاليد المجتمع

تنسج الرواية خيوط الصراع بين الروابط الأسرية وتوقعات المجتمع المحيط، مما يضع الشخصيات في مأزق دائم بين الانصياع والرغبة في التحرر. كيف رأيت أثر هذه التوترات على مجرى الأحداث، وما هي الرسائل الخفية وراء هذه المعاناة؟
- بالنسبة لي لا حكاية بلا ألم. الألم يحرك الخيال ويحرك المخاوف ويحرك المصائر. و"ذئب العائلة" هي رواية الألم الشديد والفقد والمعاناة قبل كل شيء مع الأمل. الأمل الذي يستصعبه معظم أبطالي لكونه أشبه بالاستحالة، فتصير أحلامهم محققة بعد موتهم كما الحال مع وداد، حين تقول بعد موتها: "ذلك أنني حين سقطت على حافة الطاولة المرمرية كنت فقط أتحرر". الأمل في العيش والأمل في النجاة والأمل في توكيد الذات وسط بحر الحكاية الجماعية التي تحاول المحو والاستئصال. من هنا الحرية هي شاغل الرواية، والفضاء الذي تتمازج فيه الشخصيات؛ فكلهم يسعون إلى ذلك، إلى أصواتهم، وإلى امتلاك أجسادهم وامتلاك السيطرة على مفاصل حيواتهم المسجونة في قبضة الآخرين. 

 

 

السرد وبناء الصوت الأدبي 

تمزج الرواية بين أصوات داخلية وخارجية، بين التأملات الشخصية والوصف الدقيق للمشهدية. ما الذي دفعك لاعتماد هذه التقنية السردية، وكيف تساهم في إثراء التجربة القرائية؟
- هي محاولة سردية للاكتشاف والمتعة. أحب التشابك والتقاطع وتعدد الأصوات. كل هذا يمنح الرواية – المتاهة وجوهاً عدة، واحتمالات متوالدة. لا أخاف من هذا التعدد، ولا اعتبره كما يعتبره البعض على أنه مغامرة خاسرة، لكونه يضيع الحبكات. لا أؤمن بالحبكة نفسها بل بتعدديتها وجنونها وخروجها عن المألوف، ولا أؤمن بالحبكة بل بأسلوبها. وفي الرواية العربية هناك بلادة أجدها متأتية من ضعف القراءة، وأحياناً من نظرة واقعية تحب التفسير والتوضيح، فتقع في أسلوب يكاد هو نفسه يعتمد القصة التي لها بدايات ونهايات. في روايتي لا بداية ولا نهاية. هناك عالم يتواصل ويتفكك وينقطع، ويتواتر. يخلق بدوره عوالم تكبر وتنغلق. لا أحب الخط الزمني الواضح ولا أحب الصوت الطاغي. هذا التعدد هو شبيه بنظرتي إلى الحياة وبنظرتي إلى العالم، على كونه كثيراً ومختلطاً، والأهم على كونه فريداً. 

الهروب كحلم والتحول كواقع ومضاعفات الكتابة

تتكرر في الرواية لحظات الهروب من الواقع، سواء أكان هروبًا في الذاكرة أو الأماكن أو حتى الأحلام. هل يُعتبر الهروب وسيلة للتحول والخلاص، أم هو مجرد انعكاس آخر للتيه والضياع؟
- لا أجد كل هذه المحاولات محاولات هرب على قدر ما هي محاولات نجاة. كل شخصياتي تواجه مصائرها بشجاعة، خصوصاً النساء، لكنها شخصيات حساسة ومختلفة، ولا تجد لها مكاناً للتواجد إلا بالأحلام أحياناً وباللعب أحياناً أخرى، وباختراع ذاتها من جديد من خلال التذكر أو التخيل أو من خلال الرسم أو الخياطة أو القتل أيضاً. كل هذه أساليب نجاة، فلا حياة للفرد من دون هذه النجاة التي تخلق معاني لوجوده ولحركته ولتفكيره. 

في ذئب العائلة، هل تتحدّد البنية الهيكلية والمعمارية للنص أثناء أم بعد أم قبل البدء بإنجاز النص؟ وأيّ الطّرق تخطّط بها للولوج إلى عملك الفنّي؟ وأي قانون يحكم ممارستك لمهام الكاتب في الرواية وعلاقتك بضمير الرّاوي؟ 
- أكتب من دون أي رسم مسبق. أمشي في الرواية مسافات طويلة في الرأس والمعدة. أنبش وشخصياتي تنبش معي. كتابتي هي استدعاء، أشبه باستدعاء الساحرات للعالم غير المرئي ولعالم الموتى، الذين يأتون كي يلعبوا في السرد ويغيروه ويقلبوه رأساً على عقب. 

هل ترعبك الكتابة بوصفها واقعاً وحقيقة وتعرية كاملة للأفكار والسلوك والتفاصيل اليومية أم أنها مجرد خاطرة كاذبة؟
- الكتابة أكثر من مرعبة، خطيرة. وكل يوم أقول لنفسي كيف تورطت في كل هذا. لكنها أيضاً نجاتي الوحيدة في هذا العالم.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 3/9/2026 6:35:00 AM
تأخذ المسألة دلالات أخطر لدى انكشاف تغلغل حزب الله مجدّداً على أوسع مدى في جنوب الليطاني بدليل الصواريخ المتساقطة على شمال إسرائيل والنقاط التي تحتلّها في الجنوب منذ اندلاع المواجهات. 
اقتصاد وأعمال 3/9/2026 5:17:00 AM
يقدر شماس حاجة السوق اللبنانية اليومية بنحو 7.5 ملايين ليتر من البنزين و9 ملايين ليتر من المازوت، وهي كميات لا تزال متوافرة حتى الآن
النهار تتحقق 3/9/2026 8:06:00 AM
تصاعد دخان من قاذفة شبح بعد تحطمها، بينما بدا طاقمها يقتاده جنود على مقربة من موقع رُفِع فيه العلم الإيراني. 
لبنان 3/9/2026 1:43:00 AM
عند سؤاله إن كان ثمة مبادرة جدية مطروحة، قال سلام إنه لا يمكن الحديث عن مبادرة واضحة حتى الآن، لكن هناك أفكاراً مطروحة، خصوصاً من الجانب الفرنسي.