جهود المؤرخين المسيحيين في مصر الإسلامية خلال القرون السبعة الأولى للهجرة
إنّ في دراسة التراث العربي المسيحي، وخاصة التاريخي منه، ما يجعلنا نقف على دور المسيحيين في بناء الحضارة العربية ولاسيما في أهم مراحلها، أي في العصر العباسي. هذا مما يستخلصه محمد عبد الخالق عبد المولى في كتابه "جهود المؤرخين المسيحيين في مصر الإسلامية" (الهيئة المصرية العامة للكتاب)، والذي يغطي الفترة من القرن الأول إلى القرن السابع الهجري.
من هؤلاء يوحنا النقيوسي الذي شهد الفتح الإسلامي لمصر وسجل أحداثه، وسعيد بن بطريق وساويرس بن المقفع، وابن ممَّاتي، وأبي المكارم بن جرجس، وابن الراهب، وجرجس بن العميد. هؤلاء تميَّزوا، كما يقول المؤلف، بسعة العلم وغزارة المعرفة، إلا أن عددهم يُعَدّ قليلاً جدّاً إذا قيس بالفترة الزمنية التي تغطيها هذه الدراسة، وعند مقارنتهم بالمؤرخين المسلمين في الفترة نفسها، فهم لا يتجاوزون 12 مؤرخاً خلال سبعة قرون كتبوا بالعربية، منهم عشرة من رجال الدين واثنان من موظفي الدولة.
والذين أرّخوا باللغة السريانية، شكَّلوا مع أولئك المصريين ما يمكن أن نطلق عليه "المدرسة المسيحية التاريخية". ويلاحظ أنّ لكلّ مؤرخ مصري مسيحي كتاباً واحداً، وكلها كتب صغيرة الحجم. فبعضها عبارة عن مختصرات تصل أحياناً إلى درجة الاقتصار على صفحات من الجداول بالسنين والأحداث - كما في تاريخ ابن الراهب - وبعضها يطول أحيانا ليصبح مجلّداً حسناً جيّد التأليف - كما في تاريخ ساويرس ابن المقفع وسعيد بن بطريق وابن العميد. ولكنها في الحالين تقدّم عرضاً مختصراً، "كأنما كانت عملية التأريخ بالنسبة إلى أصحابها هي مجرد استذكار للوقائع عبر الزمن ومجرد وضع الأحداث في إطارها الزمني".
التاريخ العام
اهتم المؤرخون المسيحيون المصريون بالدرجة الأولى من حيث الموضوع، بالتاريخ العام، "وأغلب الظن أنّ اهتمامهم هذا يلبّي حاجة نفسية عندهم وهي استذكار التاريخ المسيحي السابق للإسلام، مثل تاريخ يوحنا النقيوسي وتاريخ سعيد بن بطريق وتاريخ ابن الراهب وتاريخ ابن العميد". ويلي ذلك في اهتماماتهم، كتابتهم عن الكنيسة وبطاركتها مثل ساويرس ابن المقفع وميخائيل أسقف تنيس، وموهوب بن منصور.
غلاف كتاب "جهود المؤرخين المسيحيين في مصر الإسلامية".
أما باقي الكتب فبعضها يتحدث عن الدواوين ونظم الحكم والزراعة مثل كتاب "قوانين الدواوين" لابن ممَّاتي، أو يتحدث عن تاريخ الكنائس والأديرة كما في كتاب أبي المكارم بن جرجس بن مسعود. وتنوعت مصادر هؤلاء ما بين مجموعة المعارف التاريخية العائدة لكل التاريخ القديم والمسيحي منه بالذات، والمتوارثة ثقافياً في البلاد. كما اعتمدوا على مجموعة المعارف الحديثة التي حملتها الأحداث العربية الإسلامية المستجدة في مصر من إسلام وفتح وحضارة ونظم مالية ودواوين ومعارف اقتصادية واجتماعية وأحداث سياسية...
أما المعارف القديمة، فنجد منها الأخبار المتعلقة بالتاريخ الفرعوني والمصري القديم، وأيضاً الأخبار المستمدة من الكتاب المقدس وتفاسيره، ومنها الكتابات التاريخية الإغريقية والرومانية (الكلاسيكية). وأهم هذه المعارف - في رأي المؤلف - فهي الكتابات التاريخية المسيحية التي كتبت إما باليونانية أو بالسريانية، وأحيانا باللاتينية. ولم تكن هذه المصادر كلها كتب تاريخ، فبعضها كان يعتمد على السجلات والوثائق الكنسية ورسائل البطاركة والأساقفة.
المعارف الحديثة
أما المعارف الحديثة، أو ما يمكن أن نطلق عليه المنبع الإسلامي الجديد، فيتمثل - بحسب المؤلف - في القصّاصين والقصص والسير والمغازي والأيام، والاهتمام بخطط مصر ودروبها وأحيائها والقوانين المالية وطرق الإدارة. ويلاحظ أنّ المصادر العربية الإسلامية لدى المؤرخين المسيحيين لم تكن تستعمل إلا عند حاجتهم إلى تلخيص التاريخ الإسلامي والعربي.
كما أن أهم ما يميز المصادر التاريخية للمؤرخين المسيحيين أن بعضها يحمل قيمة الحوليات والمذكرات والمصادر المعاصرة، مثل المصادر القبطية التي استعان بها ساويرس بن المقفع في كتابه "تاريخ الآباء البطاركة"، في حين نتلمّس المصادر الإسلامية المعاصرة للفتح الإسلامي لمصر وما بعد الفتح بنحو قرنين ونصف قرن، فلا نكاد نجدها إلا في بعض الأوراق البردية. فإذا وصلنا إلى المادة وأسلوب المعالجة التاريخية وجدنا عموماً أنّ المؤلفات التاريخية المسيحية تشترك في بعض الملامح ومنها إقامة نوع من التوازن الكمي بين تواريخ الأمم السابقة للإسلام، وخاصة تاريخ الروم والمسيحيين وبين التاريخ الإسلامي، واعتماد الأسلوب المختصر والمباشر في السرد دون تطويل ولا سند، ولا دخول في تفاصيل الروايات التاريخية. وميَّزها كذلك إبراز التاريخ المسيحي حتى خلال تناول التاريخ الإسلامي نفسه. فكثيراً ما تجد المؤرخ يذكر مثلاً خبر هذا البطريرك أو ذلك الكاتب من المسيحيين أو أحد الأطباء النصارى، أو يشرح أحد المذاهب المسيحية، أو يردّ على بعض المعارضين أو يوضح بعض الاختلافات المذهبية بين الطوائف المسيحية، أو يذكر بعض المناسبات الاجتماعية والدينية، أو يوضح بعض العادات أو الشعائر المسيحية؛ وهذا ما سمح بكشف الكثير من أحوال أهل الذمة خلال العصور الإسلامية المختلفة.
روح الاعتدال
إن روحاً واضحة من الاعتدال والحياد كانت تميز بعض التواريخ التي كتبها المسيحيون وخاصة في تناولهم للأخبار والأحداث التي تتصل بالإسلام. هذا ما يؤكّده محمد عبد الخالق عبد المولى، ويورد في هذا السياق العديد من الأمثلة، ومنها كتاب "التاريخ المجموع علىى التحقيق والتصديق" لسعيد بن بطريق الذي اتّصفت معظم رواياته عن الإسلام والمسلمين بالحيدة والبعد عن التعصب، وخاصة رواياته عن علاقة المسلمين بالمسيحيين ومعاملة الحكام المسلمين لأهل الذمة عموماً والسماح لهم ببناء الكنائس والأديرة، وعدم التشدد معهم في جباية الخراج والجزية.
وهناك كذلك روايات ساويرس بن المقفع، في كتابه "تاريخ بطاركة الكنيسة المصرية"، الخاصة بتفنيد ما قيل عن تضرر الحريات الدينية لأهل الذمة. وهذا لا يعني، على ما يقول عبد المولى، أننا نعدم المؤرخين المسيحيين المتعصبين وخصوصاً ضدّ الإسلام والمسلمين، ومن ذلك روايات يوحنا النقيوسي في تاريخه، التي يصف فيها العرب الفاتحين بالقسوة والتعسف، ونهب الأموال، وفرض الضرائب الباهظة.
نبض