"في شؤون البصيرة"، ديوان جديد للشاعر اللبناني جودت فخرالدين، ومن عنوانه تخرج النظرات ببصر واسع وبصيرة حادّة. البصيرة، مصطلح ركيزة في اللغة والمعنى. في الفلسفة والفكر الديني واللغة بكل منابعها، وفي الشعر طبعاً. تتجلى البصيرة وتأخذ معناها ودلالاتها في حيز التفسير والمعرفة الاستباقية.
قصيدة الشاعر جودت تنتمي الى غُربة حاشدة باغترابها،وعزلة صافية تنأى في مداها الخاص.
تنتمي الى غربة ، لأنها نبتت في حقل لغوي شعري خاص، يبدو مثل حديقة مسيجة بشباك لا يمكن لمفردات وتعابير كثيرة الدخول اليها، وكذلك الخروج منها. لغة تتسيّج حول معانيها ودلالاتها وإيقاعاتها. قصيدة خاصة، مبتكَرة منظمة منتظمة بتراتبية إيقاعية، تجمع بين الشكل والمضمون.
الشكل ثابت في أداة الوصف والتعبير وإيقاع التفعيلة. وهنا قد تصاب التعابير وتحاصر بشكل الايقاع وتردداته البصرية. ويأخذ المضمون مساره المحدد وفق أصول لتظهير المعنى وإخراجه الى التعبير النهائي.
قصيدة تستحضر التاريخ بأبعاده المعرفية والفلسفية. تراقب الزمن والكائنات والأماكن، لتصل الى عالم أكبر ، وتتشكل داخله وعلى مزاج خاص جداً. تجزم بمعرفة ما، وتشكك في معرفة أخرى. من الحدث التاريخي الكبير الى الجُرم الصغير، مساحة وعي يختارها الشاعر لقصيدته.
في عملية البناء والتوصيف، تنطلق قصيدة فخر الدين من أماكن ثابتة راسخة حميميةً، كالمنزل المدمر في الجنوب بفعل الطائرات الحربية في الحرب الأخيرة، لتتفاعل وتعمل على إعادة بناء المهدم وفق شكل الأمل الذي تسعى اليه القصيدة. الأرض والسماء والبحر وحتى الغيم في الأرض الجنوبية، مفتوحة على أفق لغة "سرسابية"، وتحتفي بأوهام ممتزجة بأمل ما، لعلها تخفف عبء البال المهموم.
دوائر كثيرة وتحولات طبيعية وغير طبيعية يعلق الشاعر بعصفها، لا تحاصره بقدر ما تجعله في مواجهة مباشرة مع أوهامه القديمة والتي ما زالت ترافقه الى عمره التالي.
أحوال وكائنات وأجساد متنوعة، غير متجانسة في لغته الشعرية بما يرفع منسوب معانيها وتعابيرها. يخاطب المياه الدفينة في النبع وفي الضباب، يصافح الشجرة، والتلة والجبل الصغير، والصخرة، والكواكب، وسرب الغيم، يكاد أن يمسك الهواء بيديه، مستنطقاً، بحوار مفتوح، الذات المزدوجة. السؤال مسبوق بالجواب. مرايا الوعي بين ذات الشاعر وكائناته الشعرية. علاقة محتدمة قائمة على وعي "متحرك" يغيّر ويغني ويغرد ويضحك ويحزن.
في العقلانية والتعقل والهدوء المهيب، تتقوّس قصيدة الشاعر، تأخذ شكل الهندسة المستحدثة بلغة مجبولة بوعي فلسفي ديني، لعلّه يختبر شكل العالم الغامض الذي يبث اليه أسئلته القلِقة، ربما قلقه بسبب حقيقة الفناء الذي طاول وسيطاول كل شيء وكل كائن وكل قائم في الحياة، قلق الزوال الكاسر: "كلما جاءت الحربُ/ أرسمُ لي خطّةً/ فألازمُ بيتي مُحاطاً بخطّيْنِ:/ خطّ دفاعٍ، وخطّ هجومٍ/ إذا انهارَ خطُّ الدفاعِ أحرّكُ خطَّ الهجوم/ إذا انهارَ خطُّ الهجومِ ألوذُ بخطِّ الدفاع/ وإذْ تنتهي الحربُ/ أبقى أسيرَ التذبذب بين الدفاعِ وبين الهجوم".

عن الشعر والحياة والديوان الجديد، تحدث الشاعر جودت فخر الدين الى "النهار"، فكان هذا الحوار:
* أما زال الشعر هو الأقدر على تشغيل المشاعر الإنسانية وتكوين الأحاسيس في رئة الحياة. بعد هذا البلوغ والتعاظم في العلم والتكنولوجيا، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي؟
نعم، يظلُّ الشعر قادراً على تعدّي الإنجازات البشرية، مهما يكن شأنها. يتعدّاها مستفيداً منها. والتقدم التكنولوجي لا يقف في وجه الشعر، بل يقدم له موادّ إضافية ويفتح له آفاقاً جديدة. إذا كانت الحياة قد خُلقت من عدم (لا أدري)، فإن الشعر يرغب في مواصلة الخلق، بل يدّعي أو يتبنّى هذه المواصَلة. الفلسفة، والعلم، والتاريخ، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، ... وغيرها من العلوم، تسعى إلى اكتشاف العالم أو تفسيره أو تحليله أو تفكيكه...، أما الشعر فيضيف إليه، يسعى إلى مواصلة الخلق أو إلى إعادة الخلق من جديد. العلوم التي ذكرناها تحاول أن تحظى بقدْر من الشعر،
مهما تكن جافة أو موضوعية أو محايدة. وبعضها يحظى بقدْر كبير من الشعر عندما يحقق إنجازات كبيرة أو مفاجئة، كما يحصل أحياناً في مجالات علمية مختلفة. وبالنسبة إليّ، كثيراً ما يتراءى لي أن الفيزياء الحديثة (بما فيها أبحاث الفضاء) تمثّل الشعر المعاصر. ولكنّ هذا لا يحدّ من مهمة الكتابة الشعرية التي يمكنها دائماً أن تستوعب الإنجازات العلمية، لتتخذ منها مادة ظاهرة أو خفيّة. والذكاء الاصطناعي، إذا كان ذكاء حقاً، أي إذا كان قادراً على الابتكار ولا يكتفي بإعادة توليف المواد المعطاة له، فهو أقرب إلى الشعر. والشعر في هذه الحالة يستفيد منه ولا يخشاه أو يحذره.
*صدر لك مؤخراً ديوان بعنوان "في شؤون البصيرة". أليس في هذا العنوان مجازفة محفوفة بمخاطر معرفية؟ أليس أقربَ إلى الفلسفة أو علم النفس منه إلى الشعر؟
لقد أثار هذا العنوان شيئاً من البلبلة. وبعضهم رأى جرأة في جعله عنواناً لمجموعة شعرية. فالبصيرة مفردة لها دلالات في حقول شتى. هي مصطلَح في الفلسفة كما ذكرتَ، وفي علم النفس. وفي اللغة، أو بالأحرى في المعجم اللغوي، نجد تفريقاً بين البصر والبصيرة، فالأخيرة هي التبصر أو الرؤية من الداخل أو الرؤية بالقلب. ولهذا،
تحضر البصيرة بين المصطلَحات الصوفية حضوراً قوياً. والشعر نفسه هو تبصّرٌ في كل شيء، فيقتضي قوة البصيرة. هكذا تكون للبصيرة شؤونها المتعددة. والبلبلة التي ذكرتُها ربما هي التي تعطي العنوان بُعدَه الشعري.
*تعترف في إحدى قصائدك بأنك ترى الحياة مجازفة. كأنك تتلاقى مع الروائي ميلان كونديرا الذي كان يرى "الحياة في مكان آخر". كيف تفسّر للقارئ ؟
الحياة مجازفة (أو مغامرة) بقدْر ما هي فنّ. لطالما كنت أقول إن الحياة هي فنّ العيش. هي كذلك طالما أن المرء يبني آراءه ومواقفه بحريّة. هي كذلك لأن المرء عليه أن يحسِن تكوين خياراته، وأن تكون له الشجاعة في تحمّل المسؤولية عن هذه الخيارات. في القصيدة التي أشرتَ إليها أقول : "جموحي مجازفة، وهدوئي مجازفة، وانتظاريَ ما ليس يأتي مجازفة ...". لولا هذه المجازفة لَما كانت لنا لذّة البحث عن المعرفة، ولَما كانت لنا فرصة الاستمتاع بابتكار الأفكار والتصورات.
*تجاهر أيضاً بأنك على طريق النجاة. هل نجوتَ من الألم أو العذاب أو التعب؟
طريق النجاة هي في نظري طريق البحث عن السكينة أو الطمأنينة. وهي طريق شاقة، محفوفة بالقلق. ولكنك، على رغم القلق، تشعر أحياناً بالسكينة عندما تطمئنّ إلى حسْن خياراتك، أو عندما تحقق بعض ما تصبو إليه.
*كيف أثّرت الحرب الأخيرة فيك وفي شعرك؟
الحرب الأخيرة كانت لها تأثيراتها الكبيرة، المباشرة منها وغير المباشرة. كان الثمن باهظاً، قتلاً وتدميراً. وقد دفعتْني، كغيرها من الحروب التي عشناها سابقاً، إلى مزيد من الـتأمل في معاني الوجود وجدواه. وحفّزني ذلك مؤخراً إلى كتابة قصائد جديدة. وقد ذهبتْ بي هذه القصائد إلى النظر في مسارنا التاريخي، نحن العرب، وفي مآلاتنا الحاضرة، وفي احتمالات المصائر التي نسير إليها، وفي ضرورة التيقظ والتغيير في مجالات حياتنا كلّها.
*لفتني بوحك في إحدى قصائدك بأنك تحاور ظلالك، وتسارع إلى القول إن ظلالك هي كائنات من حجر وغيم وشجر ... هل أنت إنسان وحيد، خاسر، مسرور، سعيد ؟ وأين تجد نفسك بعدما أكملت عقدك السابع؟
لا أدري، أعيش المزيج من الوحدة والخسارة والسرور والسعادة. وأكثر ما يحلو لي الوقت في لحظات الكتابة. أما بالنسبة إلى علاقتي بالأشياء، وخصوصاً بكائنات الطبيعة، فهذا جزء أساسي من سيرتي وشخصيتي. منذ بداياتي، أحببت التحاور مع الأشياء، وقد بدا ذلك جليّاً في مجموعتي الثانية "أوهام ريفية"(1980). أحببت مخاطبتها واستنطاقها، وأحياناً إحراجها وإدخالها في حالاتي الشخصية، من مشاكل أو هموم أو هواجس أو تجليات. العلاقات بالأشياء تجعلك تشكّل العالم على هواك، تجعل من الوحدة والألم والخسارة والوحشة ظواهر حميمة، لأنك تشعر إذذاك بأنك تعيش في سياق من الحالات والتحولات والتصورات التي صنعتَها بنفسك، وأدرجتَ الكائنات في نسيجها.
*كيف تغذّت نبتة الشعر في شخصية الشاعر جودت فخرالدين ؟ في أيّ عمر اكتشفتَ شاعريتك؟
اكتشفتُها باكراً. في بيئتي العائلية التي نشأت فيها. لقد تفتّح وعيي مع استماعي إلى عيون القصائد العربية من جدّي وأبي. نشأتُ على حب اللغة والطبيعة في قريتي الصغيرة (السلطانية) في جبل عامل (لبنان الجنوبي). وبدأت أكتب القصائد العمودية في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمري. وتعرّفت إلى الشعر الحديث في السابعة عشرة تقريباً، وكنت قد قرأت الكثير من الشعر العربي القديم. وظلّت علاقتي بتراثنا الشعري تتعزز على الدوام، بحثاً وشغفاً. ومن خلال تمرّسي بالكتابة، أخذت نبتة الشعر في شخصيتي تتغذى من دأبي على مواكبة ما يصدر من أشعار ودراسات ونظريات، عربية أو أجنبية، في الشعر والنقد ... وغيرهما. كما أفدتُ من دراستي للفيزياء، إذ حصلتُ على شهادة الماجستير فيها من كلية التربية في الجامعة اللبنانية (1977)، قبل حصولي على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة القديس يوسف في بيروت (1984). لقد تغذّت نبتة الشعر عندي وما زالت تتغذى من اطلاعي على كل ما يتسنى لي الاطلاع عليه في جميع الحقول المعرفية. نشأت على حب اللغة والطبيعة، وقادني هذا الحب إلى التعرّف بالكثير من مجاهل نفسي. وما زال يقودني إلى الخوض في مجاهلَ من جميع الجهات، وفي مختلف المجالات.
نبض