الروائي السوداني حمور زيادة لـ"النهار": الأدب لا يقدم تاريخاً بديلاً وانما تاريخ موازٍ
يُعرف الروائي السوداني حمور زيادة بأعماله التي تتناول التاريخ السوداني والقضايا الاجتماعية والسياسية، راصداً تعقيدات الهوية السودانية وتعددها الثقافي والديني.
من أبرز تلك الروايات "شوق الدرويش" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، كذلك صدرت له أخيراً رواية "حادثة عيش السرايا" عن دار العين للنشر في القاهرة.
حمّور زيادة يعيش في مصر بعد اقتحام منزله وحرقه في 2009 في السودان، عقب اشتباك سببته كتابته مع التيارات المتطرفة هناك.
عن أعماله وحياته ومواقفه، يتحدث زيادة في حوار مع "النهار":
*لنبدأ من إصدارك الجديد رواية "حادثة عيش السرايا وما يتعلق بها من وقائع مسلية". حدثنا عنها وعن عنوانها المتحذلق؟
تفارق هذه الرواية خطي الأدبي، إذ تدور في السودان في الزمن المعاصر (2021)، بخلاف معظم أعمالي التي تجري خلال أزمنة تاريخية، إذ لا أحبذ الكتابة عن الأحداث الكبرى وقت حدوثها لكنّ الظروف الراهنة في السودان جعلتني أحاول التوثيق الأدبي لـ "شيء ما" قبل تغيير الأحوال واختلاط الأمور، فهي أشبه بخطوة ضمن السياق العام الذي أكتبه، وإعادة قراءة ومساءلة للتاريخ والمجتمعات السودانية، وخرجت في شكل "نوفيلا" قصيرة وخفيفة ساخرة. لم أتخيل أن الناشر سيعجب بالعنوان، وتوقعت أن غالبية القراء لن يحبوه، لكن التعليقات التي وردتني إيجابية، فيبدو أنه عنوان موفق.
*ما الفرق بين الكتابة عن السودان من الداخل والكتابة من الخارج؟
كل ما كتبته عن السودان من الخارج عدا المجموعة القصصية الأولى "سيرة أم درمانية" ويظهر فيها الفارق جلياً، إذ اتسمت بالحرص والحذر. في اعمالي اللاحقة غمرني شعور أكبر بالحرية، فالنظر إلى المجتمع والتاريخ عن بُعد يساعد على مزيد من التشريح.
*تتناول أعمالك قضايا الهوية والدين، ما الذي يدفعك لاختيارها؟
ثمة أزمة حقيقية في تعريف المجتمع السوداني لنفسه؛ فسؤال الهوية لم يأت عبثاً لكنه نتيجة للحروب الأهلية الطويلة، بجانب التنازع بين الانتماء العربي والأفريقي... لذا أصبح الاشتغال على قضية الهوية مسألة ملحة عند المثقفين السودانيين، وأنا ابن هذا السياق فمن الطبيعي أن أكون مهموماً به، إضافة إلى همومي الخاصة.
*ماذا عن اهتمامك بالدين والتاريخ؟
لا يمكن فصل الهوية والثقافة عن الدين والتاريخ، فهما عنصران أساسيان يشكلان وعي المجتمع السوداني. ويبرز "الدين" بشكل خاص، نظراً الى الطابع الصوفي للمجتمع، وإذا لم يكن متصوفاً تديناً فهو متصوف أخلاقاً وسلوكاً، وشهد السودان حكماً إسلامياً متطرفاً استمر ثلاثة عقود متواصلة. وقبله، بلغ التطرف مستويات مفزعة خلال حكم "النميري" بانتشار تطبيق عقوبات قطع الأيدي، والمحاكمات بتهمة الردة. لم يعرف السودان طوال تاريخه دستوراً دائماً، بل كانت دساتيره إما موقتة وإما تضعه أنظمة ديكتاتورية تسقط لاحقاً بالثورات، وبالتالي، فهذه القضايا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتاريخ السودان، ولا يمكن عزلها عن سياقه السياسي والاجتماعي.
*كيف تنظر إلى علاقة التاريخ بالأدب؟ وهل يمكن أن تكون الرواية بديلاً من التاريخ الرسمي؟
لا يمكن للأدب أو الفن أن يكونا بديلاً من التاريخ كعلم يكتبه مؤرخون وباحثون، اعتماداً على المصادر العلمية الموثوقة. الأدب والفن لا يسعيان إلى تقديم تاريخ بديل، بل تاريخ موازٍ. فالتاريخ يركز على الحركات الكبرى، والشخصيات البارزة، بينما ينظر الأدب إلى الأفراد الذين عاشوا في ظل تلك الوقائع التاريخية، ويستكشف تأثيرها على حياتهم. وعند تناول الشخصيات الكبرى أو الحكام، لا يتعامل الأدب معهم من منظور المؤرخ الذي يوثق إنجازاتهم أو جرائمهم، بل من زاوية إنسانية، فيحلل صراعاتهم الداخلية ودوافعهم النفسية، وهذا حق مشروع، لكنه يظل مختلفاً عن منهجية التأريخ التي تحكمها معايير علمية دقيقة.
*ثمة إقبال من القراء على الروايات التاريخية، لماذا؟
بسبب مزاج القارئ، الذي يميل إلى الهروب من الواقع. فمجتمعاتنا تنظر إلى الماضي على أنه أفضل من الحاضر وربما من المستقبل. وتعكس فكرة "النوستالجيا" هذه النزعة، فتتجلى بوضوح في الخطاب الديني والقومي والحسرة على الماضي.
في أوقات الاضطراب والضعف، تزدهر هذه الأفكار لا شعورياً، فالكاتب يميل إلى تناول التاريخ لأنه يمنحه مساحة من اليقين، فيمكنه انتقاء اللحظات المتسمة بالمجد والفخر فتلقى استحسان القراء، وتمنحهم هروباً موقتاً بعيداً من اضطرابات الواقع.
*ما تقييمك للمشهد الادبي السوداني حاليا؟ وهل تعتقد ان الأدب السوداني نال ما يستحقه؟
ظل الأدب السوداني مخبوءاً لمدة طويلة، ومقتصراً على عدد محدود من الأسماء، أبرزها أستاذنا الطيب صالح، رحمه الله. لكن في السنوات الأخيرة، برزت شخصيات جديدة حققت حضوراً لافتاً، مثل الدكتور أمير تاج السر، وعبد العزيز بركة ساكن، ومنصور الصويم، وليلى أبوالعلا.
وثمة حركة شبابية نشطة تشارك في جوائز أدبية عربية وعالمية، ما يعكس صحوة واهتماماً متزايدين بالأدب السوداني. ربما نشعر، كسودانيين، ببعض الضيم أن الاهتمام جاء متأخراً، لكنه في النهاية تطور إيجابي، إذ لا يمكن للأدب أن يزدهر بمعزل عن القرّاء. ومن الجيد أن الأدب السوداني لم يعد حبيس الأسوار التي أقامها البعض حول السودان.
*ما التحديات التي تواجه الكتّاب السودانيين؟
يواجهون التحديات نفسها التي يواجهها نظراؤهم في العالم، ولكن من يكتبون من داخله كانوا يواجهون، حتى قبل الحرب، عقبات إضافية تتمثل في قلة عدد دور النشر، وارتفاع أكلاف الطباعة، وغياب التوزيع، كما شكلت رقابة الدولة تحدياً كبيراً، والتعرض للمحاكمة بتهم مثل إهانة الدين أو الدولة خلال عهد البشير.
أما بعد الحرب، فقد تضاعفت التحديات، فالكتّاب السودانيون في الخارج ليسوا جزءاً من الحراك الثقافي في البلدان التي يعيشون فيها بل هم "طارئون"، مما يجعل محاولات اختراق المشهد الأدبي أكثر صعوبة. ومع ذلك، أرى هذا الجيل يتمتع بالقوة والقدرة على مواجهة تلك التحديات واجتيازها.
*نلت جوائز أدبية مرموقة ورشحت لأخرى، كيف تدعم الجوائز الأدبية الكاتب؟
ثمة جانبان أساسيان: أحدهما معنوي، يتمثل في الشهرة التي يكتسبها الكاتب، والتي تنعكس على حضوره العام وزيادة مبيعاته. فالفنانون عموماً – وأنا من بينهم – لديهم دائماً إحساس بالنقص وحاجة مستمرة الى التقدير، والجوائز تمنح تقديراً لا يمكن سحبه واعترافاً بجودة عمله.
وهناك المردود المادي، الذي يمثل دعماً بالغ الأهمية للكاتب، في زمن أصبح فيه التفرغ للكتابة أمراً صعباً؛ فتمنحه قدراً من الاستقرار والطمأنينة.
نبض