القاص السوري مصطفى تاج الدين الموسى: "الآن جاء دور الذين لم يغادروا سوريا... اكتبوا قصصكم يا أصدقاء"
في الثامن من كانون الأوّل/ديسمبر، يوم سقط نظام الأسد، بتوقيت الفجر الأول الذي طلع على معتقلي الرأي، من قاطني الزنازين المظلمة والموحلة بـ"الدماء"، كتب القاصّ والمسرحي السوري تاج الدين الموسى على فايسبوك موجهاً دعوة الى كاتب التقارير في حارته- وبينهم "الكاتب" نفسه الذي أخذ والده إلى السجن، وكاد أن يأخذه إلى المصير المجهول: "يا كاتب التقارير في حارتنا، تعال الآن لنشرب معاً نخب الخلاص، ونفرح وننسى الماضي..."، مؤكداً على: "ضرورة تطبيق العدالة الانتقالية".

ولكن هل بالإمكان تجاوز أكثر من خمسة عقود من الظلم والوحشية؟ يومئ القاصّ الذي يعد روايته الأولى عن عمر من الوجع والنزوح وفقدان "منزل الطفولة"، من حيث يقيم في اسطنبول: "أنا شخصياً ليس لدي منذ هذه اللحظة، أي عداوة مع أحد، أو ثأر أو انتقام، ذلك أنه من دون ثقافة التسامح لن نستطيع بناء عقد اجتماعي جديد يؤدي بنا إلى بلاد جديدة، ومن دون تسامح سوف نبقى في دائرة التاريخ المغلقة، القاتل البارحة مقتول اليوم، والمقتول البارحة قاتل اليوم..."، مخاطباً أولئك الذين صمدوا في الداخل وتحملوا الكثير: "الآن جاء دور الذين لم يخرجوا من سوريا، خلال تلك السنوات، وما كان باستطاعتهم كتابة قصصهم المؤلمة مع الطاغية خوفاً من إجرامه، فظلت مسجونةً في صدورهم... اليوم يأتي دوركم، لتكتبوا أيضاً قصصكم المؤلمة، اكتبوها يا أصدقاء. كل سوري ــ هو في ذاته ــ قصة مؤلمة، ويجب أن ندفن تاريخ الطاغية، تحت ملايين القصص. تحت قصصنا التي يجب ألا تموت إلى الأبد...".

نشرالموسى عشرات القصص، معرّياً جبروت النظام بأسلوبه الساخر والعبثي، قبل أن يصبح مطلوباً وتبدأ رحلة المطاردة، لكن الحظ أسعفه خلافاً لمصير رفاقه، ليأخذ بيده إلى اسطنبول: " في أواخر 2013، وبينما كنت مختبئاً، أتنقل من مكان الى آخر، ومنها مكتب رفيقنا الراحل إلياس حكيم، أيقنتُ أن الوضع لم يعد يحتمل والخطورة تزداد أكثر فأكثر، وأن سقوط النظام ليس مسألة أشهر كما كنا نظن، تواصلتُ آنذاك مع الشهيد مؤيد الزير قائد لواء يوسف العظمة في شمال سوريا، الذي ساعدني كما ساعد غيري في الخروج من المدينة بعد تأمين أحد الحواجز، إلى المناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة في الشمال، ومنها عبرت نهر العاصي إلى تركيا في نيسان 2014".
هناك، في اسطنبول، اختار ابن إدلب، الذي درس الاعلام في دمشق، أن يتابع دراسته الجامعية في علم الاجتماع، متأملاً في أحوال بلده، بينما يتسلم جائزة "أرابليت ستوري" للقصة العربية المترجمة إلى الإنكليزية لعام 2021، وذلك عن قصته "كم هم لطفاء؟".
وفي قصته التي رأت فيها لجنة التحكيم "تحفة فنية، وقطعة متقنة من السرد القصصي، عبثية، غريبة، ومثيرة للقلق"، يحكي بسخرية لاذعة عن سجاني النظام الذين أخذوه بـ"لطف" إلى التحقيق، وباللطف نفسه كسروا سنه وعلقوه من شعره الجعد الذي طالما تمنى أن يكون ناعماً كالحرير: "في الفرع رموني بمودة في زنزانة ضيقة... ركلني العنصر على رجليّ فسقطت.. أمسكني هو من رجل، وزميله أمسكني من الرجل الثانية، ثم جرّاني. كم هما لطيفان.. لا يريدان أن أمشي حتى لا أتعب رجليّ، فعلاً.. أخجلني لطفهما...".

وتتشابه محاور القصص في مجموعاته، التي وقع بعضها قبيل مغادرته سوريا باسم "باهر أبو راية"، تحسباً لبطش النظام. يحكي عن ظروف تلك الأيام: " كنت أقرأ القصص للشباب الذين كنا نختبئ معاً في المكتب نفسه الواقع في سوق المدينة والمطل على الأزقة. وكان هذا المكتب مناسباً لي ولرفاقي لأنه في حال مداهمة الأمن المكان نستطيع الهرب منه بالقفز على أسطح بيوت الحارات القديمة". أما عناوين مجموعاته الست، والتي تتضمن 311 قصة، فلسان حال المرحلة: " قبو رطب لثلاثة رسامين"، "مزهرية من مجزرة"، "الخوف في منتصف حقلٍ واسع"، "نصف ساعة احتضار"، "آخر الأصدقاء لامرأة جميلة"، "ساعدونا على التخلص من الشعراء"، وقد نالت العديد من الجوائز بينها: "جائزة الشارقة للإبداع العربي للمجموعات القصصية 2012، جائزة دبي الثقافية على الصعيد العربي للمجموعات القصصية 2015، جائزة الشارقة للإبداع العربي في المسرح 2017".
الشيوعية... "رومانسية غيفارا"
لا ينسى الموسى الفيلا الضخمة التي شيّدها جده، والتي ترعرع في كنفها مراهقاً جانحاً الى أفكار تشي غيفارا ، قبل أن يجري هدمها لبناء مجمع سكني ضخم: "أستطيع القول إن ثمة تأثير مهم لوالدي عليّ، لكنه لم يكن مباشراً، ولكن بسببه كانت في بيتنا منذ ولادتي حتى اليوم، مكتبة ضخمة، تضم آلاف الكتب وعلى رأسها الأدب الروسي والفلسفة الماركسية، وأيضاً في صغري كان يلتقي في بيتنا دائماً الكثير من المثقفين اليساريين، عموماً كتب المكتبة والاحتكاك مبكراً برفاق أبي ولاسيما منهم المهندسين "إلياس حكيم وماجد حاج" إضافة الى كثيرين غيرهما من اليساريين في شمال سوريا، جعلني أفتح عينيّ على الدنيا أمام هذه الأفكار والانتماءات... بالتأكيد حياة غيفارا كانت ولاتزال بالنسبة إلينا والى غيرنا شيئاً رومانسياً عظيماً، وعموماً المضايقات التي تعرضت لها أسرتي منذ طفولتي كانت الحوادث الأبرز التي جعلتني من وقتٍ مبكرٍ في حياتي، أعي جيداً مدى خطورة هذا النظام على المجتمع السوري".
ويضيف: " في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات سجن والدي مرات عدة، لكن على فترات قصيرة، وكان آنذاك من مجموعة رياض الترك قبل أن ينشق عنه مع آخرين بسبب تقاربه الشديد مع الإخوان، لينضموا عام 1986 إلى "الحزب الشيوعي الموحد/يوسف الفيصل" وظل حتى آخر أيام حياته (توفي عام 2012) ممنوعاً من مغادرة البلد. عام 2013 صرتُ مطلوباً للنظام، وتم تعميم اسمي مع أسماء المئات والآلاف على حواجز النظام، بسبب القصص المعارضة التي بدأتُ بنشرها على وسائل التواصل الاجتماعي منذ 2012 وبدأت تنتشر بشكل جيد بين القراء وتترجم في بعض الأحيان...
العودة...والتأقلم
تحول دراسة الموسى الجامعية دون عودته الى سوريا في الوقت الراهن، لكنه لا يفكر أن يبقى بعيدا عن دمشق، حيث أمضى سنواته الجامعية، وكان له أصدقاء ومعارف: "عموماً تأقلمنا مع مرور السنوات في بلدان اللجوء، وكما يقال "شر البلية ما يضحك" لأنه مع عودتنا الآن إلى سوريا، بعد أكثر من عقد على اللجوء، سوف يحتاج أحدنا إلى محاولات التأقلم والتكيف من الجديد ".

وعن توظيف الراهن السوري المستجد في الأدب، يتوقع أن المسألة قد تحتاج لبعض الوقت حتى تتخمر في الرأس، خصوصاً "أننا لا نزال نعيش أفراح سقوط النظام، والتحولات والتطورات اليومية المتسارعة... أفكر كثيراً في الكتابة، لكنها تحتاج الى وقت، عموماً أتمنى دائماً أن أستطيع تقديم نصوص تقارب قدر الإمكان حجم الألم الهائل الذي تعرض له السوريون خلال أكثر من نصف قرن، وخصوصاً منذ 2011".
يحدّد الموسى أي كتابة منشودة في مرحلة ما بعد النظام: "الكتابة بحرية بعيداً من أيّ انتماءات أيديولوجية خشبية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. الكتابة من أجل الإنسانية فقط، وكذلك الالتزام بالمسؤولية الأخلاقية لدى الكاتب، بصفته شاهداً على العصر بعيداً من الأيديولوجيات الخشبية، التي تقدم تفسيرات متناقضة بعيداً من الإنسانية"، مضيفاً: "تساهم المعاناة سيكلوجياً في تطوير رؤية الكاتب إلى الحياة، وإدراكها والشعور بها بشكل له حساسية خاصة، ولكن ليس بالضرورة أن يصير كل من عانى مبدعاً بدلالة صديقي الشاعر الذي قرأت له بعد سقوط النظام، هو المعارض والمعتقل السابق والذي خسر أفراداً من أسرته، واحدة من أسوأ ما كتب من قصائد".

وبينما تحاصره الكتب التي جمعها في اسطنبول، وقد أضاف إليها مجموعات قصصية جديدة ترجمت إلى لغات عالمية، يقرأ الموسى الذي يشغل عضوية رابطة الكتاب السوريين المناهضة لنظام الأسد، وذلك بعد أن تولى سابقاً مسؤولية المكتب الثقافي والإعلامي، وإدارة النادي السينمائي في فرع اتحاد الشباب الديموقراطي (إشدس) التابع للحزب الشيوعي السوري الموحد (2007)، على الجدران رواية طويلة، بدايتها غير واضحة، ومن دون نهاية، رواية واحدة، تناوب على كتابتها ألف سجين وسجين، وكل سجين يذهب إلى الإعدام، يأتي سجين غيره، ليكمل الكتابة، رواية واحدة مشتركة لقهرٍ جماعي، من دون أن يسجل أحدهم اسمه على حصته من الكتابة، فالأسماء لا قيمة لها هنا.
يكتب: "في سجن "صيدنايا" سوف نشاهد أجدادنا الذين اختفوا بغموض، وسوف نشاهد أبناءنا الذين لم ننجبهم بعد. الآن، يتحرّر الأجداد والأبناء، الآن، يتحرّر الماضي والمستقبل، من سجن "صيدنايا".
الأكثر قراءة
اتّسمت الحلقة الثانية من مرحلة المواجهات بأجواء حماسية، مع استمرار النجوم المدرّبين رامي صبري وداليا مبارك والشامي في اختيار الأصوات المتأهلة إلى المرحلة المقبلة.
نبض