مارغريت ماتيس التي سكنت ريشة والدها تُكرّم بمعرض استثنائي
تشابكت مسيرة هنري ماتيس الفنية بعمق مع وجود امرأة واحدة: ابنته غير الشرعية، مارغريت. كانت موضوعاً دائماً في أعماله، وهي معروفة بشكل خاص بلوحة مذهلة تعود إلى عام 1910 تظهر فيها ممسكةً بقطة سوداء. وتصوّرها لوحات أخرى وهي تقرأ أو تستريح أو تنام، وغالباً ما ترتدي "بلوزة" عالية الياقة أو شريطاً يخفي ندبة من عملية فتح القصبة الهوائية التي خضعت لها في طفولتها بسبب مرض خطير.
وعلى الرغم من كونها وجهاً مألوفاً في أعمال ماتيس، إلا أنّ القليل كان معروفاً عن حياتها... حتى الآن. فمعرض مقبل في متحف الفن الحديث في باريس، من المقرر افتتاحه في نيسان/أبريل، سيعرض أكثر من 110 أعمال تصوّرها، وكثير منها لم يُعرض علناً من قبل في فرنسا. وتؤكّد القيّمة الفنية شارلوت بارا-مابيل لـ"الغارديان" أنّ أعمال ماتيس تحظى بشهرة واسعة، إلا أنّ هذا المعرض يكشف بُعداً شخصياً غير معروف للفنان: تفانيه لابنته.
هنري وأميلي ومارغريت ماتيس في عام 1907. (أرشيف ماتيس)
وُلدت مارغريت عام 1894 من علاقة ماتيس غير الشرعية مع الموديل كارولين جوبلو، وقد اعترف بها والدها وربّاها إلى جانب أبنائه من زواجه اللاحق بأميلي نوليي بارير. وعندما بلغت السادسة، أصيبت بالدفتيريا وخضعت لعملية طارئة لشق الرغامى، وهي تجربة مؤلمة تركتها في حالة صحية هشة لكنها عززت علاقتها بوالدها، إذ قضت ساعات طويلة في مرسمه.
خلال الحرب العالمية الأولى، رسمها ماتيس في لوحات تجسّدها شابة أنيقة ذات ذوق رفيع في الموضة. ورغم أنها سعت إلى ممارسة الرسم، إلا أنّها تخلّت عن طموحاتها الفنية لاحقاً لتتفرغ لإدارة أعمال والدها. وفي عام 1923، تزوجت من الكاتب والناقد الفني جورج دو تْوِيت، وكرّست حياتها للحفاظ على إرث ماتيس.
مارغريت ماتيس بريشة والدها.
وجاءت الحرب العالمية الثانية بفصل جديد من المعاناة، إذ انضمّت مارغريت إلى المقاومة الفرنسية، لكنها اعتُقلت عام 1945، وتعرّضت للتعذيب على يد الغستابو (البوليس السري الألماني)، وكانت على وشك الترحيل إلى معسكر رافينسبروك. غير أنّها نجت بأعجوبة عندما عرقلت غارات الحلفاء الجوية عملية ترحيلها.
أصيب ماتيس بصدمة عميقة جراء محنتها، فرسم آخر لوحاته لها عام 1945، معبّراً عن قلقه العميق عليها. واستمرّت مارغريت في العمل للحفاظ على إرث والدها حتى وفاتها عام 1982 عن عمر ناهز 87 عاماً.
لا يكرّم هذا المعرض عبقرية ماتيس الفنية فحسب، بل يكشف أيضاً عن العلاقة الحميمية والدائمة بين الأب وابنته، مقدّماً لمحة عن ماتيس الإنسان، بعيداً من حدود القماش والألوان.
نبض