جمانة حدّاد تهدي للنساء "وصايا شهرزاد الأخيرة"

جمانة حدّاد تهدي للنساء "وصايا شهرزاد الأخيرة"
من المعرض
Smaller Bigger

 

*أنطوان أبو زيد

وبعدُ، هل يتّسع الميدان لكلام آخر غير طحن العظام، وقرقعة السلاح الجاريين بين ظهرانينا، وفي العالم، وحيث تتصارع المصالح والإرادات، وتُزهق جرّاءها أرواح المئات والآلاف، بل عشرات الآلاف من البشر؟ لربمّا يتاح لنا وللكاتبة جمانة حدّاد فرصة التعبير عن طرحٍ متكامل حول النسويّة، كان سبق لها أن فصّلت العديد من بنوده في عملين سابقيْن هما "هكذا قتلتُ شهرزاد"، و"سوبرمان عربي". 
وهو طرح فكريّ طاول خمس عشرة (15) مسألة تتجلّى فيها النسوية، على حدّ ما تصوغه لنا الكاتبة، وتدافع عنه، على أنّه "نكءٌ لجراح اللامساواة"- طبعاً بين الرجل والمرأة – بحسب ما ورد في مقدّمة كتابها الجديد "وصايا شهرزاد الأخيرة" الصادر حديثاً عن دار نوفل (الصفحة 12). وبسط للآراء البديلة من المنظور النسوي العام، ومن منطلق تجارب الكاتبة الواقعية، لكونها امرأة عربية متزوّجة، ومطلّقة ثلاث مرّات، وشاعرة، وكاتبة، ومصغية إلى آلام النساء، مواطناتها، ومتبصّرة في أحلامهنّ وتوقهنّ إلى الخلاص. 

الحب والخضوع
إذن شهرزاد هذه، تلك الشخصية الأنثوية الفذّة في حكايات ألف ليلة وليلة، والتي اتّخذتها الكاتبة جمانة حدّاد صورةً نموذجية لما يحسن أن تكون عليه المرأة الشرقية، وجعلتها قناعاً فنّياً لها، لا تُلقي وصاياها على جمهورها من النساء والرجال، من دون إخضاع آراء العامة والخاصة، في المسائل المعالجة، للنقاش الجدلي والبرهاني المدعّم بخلاصات مستمدّة من تجربة الكاتبة الحيّة. 
وأولى تلك المسائل مسألة الحبّ التي تباشر تعليلها بأن تدحض، في البدء، كلّ الأفكار المسبقة والتقليدية التي تدعو الأنثى إلى الإيقاع بفارس الأحلام، واتّباع أساليب مواربة في الصدّ والمنع للمزيد من جذب الرجل إليها، من أجل أن تعيد الاعتبار للحبّ كـ"لحظاتِ تلاقٍ وتعارف وتلاقح واكتشاف وتعرّ روحيّ متوهّجة" (ص:25). 
ذلك في ردّها على بعض التعريفات الأجنبية للحبّ (آلان دوبون)، الذي يربط نشوء علاقة الحبّ بين اثنين بجهل أحدهما الآخر. لكنّ تحقّق الحبّ بين الطرفين، الرجل والمرأة، وفقاً لرؤيتها النسوية، لا يتمّ إلاّ إذا كانت المرأة قد اكتسبت حقوقها الأساسية الأولى، من مثل العمل والطموح المهني، والاستقلال المادي، والحرية الجنسية، وحرية التعبير عن رأيها، ومساواتها مع الرجل في الحقوق والواجبات، وهي جميعها عناوين لنضال الحركة النسوية المشار إليها أعلاه. 

 

في الحرية الجنسية
لا شكّ في أنّ لترتيب المسائل في الكتاب إيحاءً بأهمّية كلّ منها، بنظر الكاتبة جمانة حدّاد؛ فأن تضع مسألة الحرية الجنسية في المقام الثاني، من بين مسائل النسوية المعالجة، فهذا يعني أنّ لها ثقلاً مهمّاً في تكوين شخصية المرأة، وفقاً لمنظورها. 
إنّها تعزو، في تحليلها ظاهرة المشاكل الجنسية، قبل الزواج وبعده، إلى التربية القاصرة، والإعداد الثقافي القامع للحرية الجنسية، والتصوّر المثالي للعلاقة، حيث يفصل الشخص الذكر بين "المومس" للعلاقة الجنسية، وبين "الفتاة العذراء" للمحبوبة، قيد الزواج. 
وفي مقابل هذه الصور النمطية، في الجنس، وبعيداً عن معايير العيب والغلط والـ أوعا (حذار)، التي بيّنت الكاتبة بطلانها، وعدم انسجامها مع حقوق المرأة الأساسية، تشدّد الكاتبة على اعتبار الجنس شأناً لصيقاً بشخصية المرأة وخياراتها، وحرّيتها. وتخلص في هذه المسألة إلى لزوم انفتاح الرجل على المرأة، وتخلّيه عن بعض ذكوريّة تحول دون رؤيته الشخص الآخر في شريكته المرأة، وألاّ تخشى المرأة من سلوك سبل اللذة المتاحة حفاظاً على توازنها، وفقاً لما تقول به الرؤية النسوية. 

الزواج والبطّيخة 
تنطلق الكاتبة جمانة حدّاد من تجربتها في الزواج، في الفصل الرابع من الكتاب، فتروي كيف أنها تزوّجت للمرة الأولى، في العشرين، زواجاً كنسياً، وكيف أنها، بعدما صارت علمانية، أي متحرّرة من موجبات الطوائف التشريعية في الزواج، تزوّجت ثلاث مرّات، وتطلّقت ثلاثاً، مع كونها تؤمن بالحبّ، وتؤمن بالعلاقة السويّة بينها وبين شريكها المحتمل. 
وهي تعتقد أنّ لكلّ علاقة صلاحية في الزمن، شأنَ كلّ عقدٍ بين اثنين، إلاّ أنها لا "تفكّر بمحدودية الصلاحية (الزواج) قبل الإبحار في العلاقة"(ص:87). وههنا تردّ الكاتبة على مقولة شائعة تربط الزواج بالحظّ، وتمثّله بالبطيخة المسكّرة، بالقول إنّ على المرأة أن تختار شريكها، بما أوتيت من مناعة فكرية، وتشريعية (الزواج العلماني)، وعاطفية صادقة، وأن تقرّر مصيرها معه بناء على تجربتها الشخصية، وليس على تقديرات الأولياء والأقارب وغيرهم. وهذا الاختيار، بحسبها، يليه اختبار وامتحان، لا يخلو من علاقة جنسية مكتملة لمعرفة مقدار الانسجام العاطفي - الجسماني بينهما، والكافي للارتباط.

رؤى وحدود
تعالج حداد العديد من المسائل الخلافية حول المرأة، والجنس، والتحرّش الجنسي، ودور المرأة السياسي، ومسألة السلطة والجشع في امتلاكها، والجندرية والرجل النسويّ، والمرأة الذكورية، وغيرها، بموضوعية تكاد تكون مثالية أو قلّ فكرية، حتى لا نقول إيديولوجية؛ ولئن سلّطت الكاتبة ضوءها الصائب والسّاطع على جوانب صادمة وحقيقية في علاقة الرجل الشرقي بالجنس (المومس للجنس، والفتاة العذراء للزواج)، على سبيل المثال، تكشف عن دور التعمية والتجهيل اللذين يمارسهما الأهل على الفتى والفتاة كليهما من ذوي التربية المسيحية المتزمّتة أو التقليدية، فإنّ دعوتها الشباب والشابات- المفترضين من جمهور قرّائها- إلى سلوك سبيل العلمانية التشريعية خلاصاً من قيود الزواج (الكنسي، أو غير الكنسي)، تأتي أسيرة اعتبارات اجتماعية وفكرية ودينية وثقافية تكبّل هذين، أو تتطلّب منهما، أقلّه، وجود إطار واسع يحضن تطلّعاتهما أو يحمي خياراتهما الخارجة على أطر مجتمعهما التقليدية المحافظة. 
ولكنّنا لا نحسب الكاتبة جمانة حدّاد على ما تجلّى في شخصيّتها الجدالية والصريحة والصادقة، ونكتفي بما أماطت اللثام عنه في المسائل المطروحة في كتابها؛ وإنما تشكّل هذه الإطلالات على المسائل، أو المواجع التي تعاني منها النساء، من منظور النسوية، بداية ليس إلاّ للنظر في العوامل الأكثر تأثيراً في أيّ مسألة، والعمل على إيجاد الحلول المعقولة والممكنة لها. ولمّا كانت الكاتبة تخاطب، في المقام الأوّل، جمهورها اللبناني والعربي، ثمّ الإنساني، فقد أطلقت وصيّتها، أعني وصية شهرزاد في السياسة، وهي "لا تقنعي بما أُعطيَ لكِ" (ص:141-158)، إذ ألمحت إلى مقدار التقدّم المتواضع الذي أحرزته المرأة على صعيد مراكز القرار في بلادنا على امتداد 130 عاماً، وفي العالم النامي، وغمزت من قناة العالم الغربي المتقدّم حيث تراجعت مكانة المرأة، وفقاً لمنظورها النسوي، في مقابل بروز شخصيات أنثوية تاريخية من مثل كليوبترا، وزنوبيا التدمرية، وإليزابيت الأولى، وجوليا أغريبينا وغيرهنّ. 
وأياً تكن درجة النقاش التي يستحثّها هذا الكتاب، لما فيه من آراء ووجهات نظر ومقاربات تلامس علم الاجتماع، والتربية، وعلم النفس، والسياسة، والسيرة الذاتية، فإنه جدير بالقراءة والتعليق ومتابعة البحث لاستجلاء المزيد من الحقائق. وأيّ كتاب ناجح هو مفتاح للمعرفة، وليس ختاماً لها. 

الأكثر قراءة

لبنان 4/1/2026 2:57:00 PM
الجيش الإسرائيلي: مصدر آخر تم استهدافه هو شبكة الصرافين التي تُعد المصدر المالي الرئيسي والأهم لهذه المنظمة
لبنان 4/1/2026 1:05:00 PM
شهدت منطقة الجناح في بيروت قصفاً إسرائيلياً عنيفاً 
لبنان 4/1/2026 2:48:00 PM
إخبار أمام النيابة العامّة التمييزية ضد السفير الإيراني محمد رضا شيباني