عبّاس بيضون يروي سيرة عائلة شيعيّة في خريف الهيمنة العثمانيّة

ثقافة 18-01-2025 | 21:24

عبّاس بيضون يروي سيرة عائلة شيعيّة في خريف الهيمنة العثمانيّة

في رواية "الشيخ الأحمر" للكاتب والشاعر اللبناني عباس بيضون، نقرأ عن حالة التشيّع في لبنان في زمن الهيمنة العثمانية السُنية. تبدو الرواية كأنها تأريخ لتلك الحقبة، لكنه مع ذلك يصل الماضي بالحاضر، ضِمناً.
تتتبّع الرواية أحوال "عبد الحسين" الذي تلقّى دراسة دينية في النجف في العراق، عاد بعدها إلى بلدته (جباع) في جنوب لبنان، متأرجحاً في البداية بين متطلبات عمله إماماً لا يطمح إلى مراتب فقهية عليا، وشغفه بالأفكار الفلسفية، التي لا تجد قبولاً عند المتديّنين.
عبّاس بيضون يروي سيرة عائلة شيعيّة في خريف الهيمنة العثمانيّة
الغلاف
Smaller Bigger

في رواية "الشيخ الأحمر" للكاتب والشاعر اللبناني عباس بيضون، نقرأ عن حالة التشيّع في لبنان في زمن الهيمنة العثمانية السُنية. تبدو الرواية كأنها تأريخ لتلك الحقبة، لكنه مع ذلك يصل الماضي بالحاضر، ضِمناً.
تتتبّع الرواية أحوال "عبد الحسين" الذي تلقّى دراسة دينية في النجف في العراق، عاد بعدها إلى بلدته (جباع) في جنوب لبنان، متأرجحاً في البداية بين متطلبات عمله إماماً لا يطمح إلى مراتب فقهية عليا، وشغفه بالأفكار الفلسفية، التي لا تجد قبولاً عند المتديّنين.
تلك الأفكار المغايرة وضعته في حرجٍ دائمٍ معهم، خصوصاً بعد ما عُرف في أوساط الشباب بـ"الشيخ الأحمر" لنزوعه إلى التفلسف الذي يناقض في معتقد المتشددين جوهر الدين، بما يعكسه من "عصرية زائدة عن اللزوم".
تزوج عبد الحسين ابنة شيخ عشيرة عراقية، تدعى خديجة، وأنجب منها ثلاثة أولاد: زيد وأيمن وباسل، وبنتين هما فاطمة وآمنة.
واصطحب معه عند مغادرته العراق شقيقة زوجته وتدعى "عاصمة"، بعد طلاقها من زوجها وهو في الوقت نفسه ابن عمتها. كانت "عاصمة" تتمتع بروح عملية، جعلت لها السيادة في بيت أختها، في العراق ثم في لبنان، فهي مديرته الفعلية، ومربية أطفاله.
كان الشيخ يمضي وقته – أثناء وجوده في العراق ومن بعده لبنان – في زيارات للأرامل في البلدات الصغيرة المحيطة بالبلدة االتي يقيم فيها مع أسرته، باعتبار أنها "كانت على نحو ما جزءاً من الخدمة الدينية، ثم إنها كانت ذات عائد مالي محترم"، بحسب راوٍ عليم، أسلمه بيضون زمام السرد من بداية الرواية الأقرب إلى النوفيلا، وحتى نهايتها.

أما شقيق الأختين المزواج ويدعى "الشيخ علي"، فكان ينصح خديجة عندما تشتكي من علاقات زوجها النسائية، بأن تكفّ عن الشكوى، بما أن ما يفعله الشيخ عبد الحسين، من وجهة نظره، هو "مِن سرّ الدين؛ بما أن هدفه هو "تحصين الأرامل والمطلقات!".

 

نزوع إيروسي
تدور أحداث الرواية في نحو عشرين عاماً من أواخر القرن التاسع عشر، وتبرز الكثير من التجليات الاجتماعية والدينية في بيئة شيعية تقليدية في جنوب لبنان، عموماً، وفي بيت عبد الحسين على نحو خاص.
في هذا البيت كان إيقاد النار للحمام مثلاً يستغرق أسبوعين: "ذلك أن العائلة لا تُقبل بسرورعلى الاستحمام، ولولا أن عاصمة تشعل النار وتقودهم بصوتها العالي إلى الحمام، لكان يمضي أكثر من أسبوعين بل وينقضي شهر كامل دون أن يفكر أحد فيه" (ص 20).
ولا يخلو السرد من نزوع إيروسي خصوصاً في مشهد طويل نسبياً يصف استخدام آمنة؛ الفتاة التي بلغت للتوّ الخامسة عشرة من عمرها، الصابون سراً لمداعبة جسدها الذي بدأت علامات الأنوثة تبزغ في أنحاء مختلفة منه. كان استخدام الصابون لتنظيف الجسد يُنظر إليه على أنه "نوعٌ من التبرج غير المستحب للرجال وللنساء على حد سواء". وحين عرفت عاصمة بالأمر، الذي كانت تبيحه لنفسها سراً أيضاً، عنَّفتْها وقالت لها: "الله يسخطك قبل أن تفضحينا بين الناس".

وامتاز بيضون في هذه الرواية ببراعة في استجلاء مكنون النفس، وخصوصاً مع الشخصيتين الرئيسيتين: عبد الحسين وعاصمة. كما برع على نحو ملموس في استكناه حيرة الشيخ إزاء طبيعة عمله كفقيه وشغفه بالفلسفة، وقد حسمت باختياره ظاهر الدين دون أن يمتلك شجاعة التعمق فيه، أو المضيّ بعيداً في الأخذ بأفكار الفلاسفة.

 

التقليد والتجديد
وعندما ناب عن شيخه في وعظ أهل منطقة في مدينة العمارة العراقية، ارتاب الناس من حذائه النظيف وجبّته النظيفة: "بدأوا يشتبهون بنظافته وأناقته، ويعزونها إلى فخامة لا ترضي الدين" (ص 28).
وبمرور الوقت بات يؤمن؛ في قرارة نفسه، بأن مهنته هي "مهنة بلا جدوى"، لأن تتعلق في مسائل هي في الأصل بين العبد وربّه.
وعندما رغبت ابنته الصغرى في الزواج بشاب تركي، انتابته الحيرة أيضاً؛ فهي شيعية وهو سني، لكنه في الأخير وجد نفسه ميّالاً أكثر تجاه القبول بأن تتزوج ابنته "بشاب يشغل وظيفة محترمة"، بعدما زوَّج أختها الكبرى من شاب من أبناء رؤساء العشائر في العراق"، وأرسل ابنه "زيد" إلى النجف ليصير فقيهاً مثله، وألحق ولديه "أيمن" و"باسل" بالجيش العثماني بوساطة من عشيقته "الحاجة نظام".

وبعد موت خديحة، تصارعت عاصمة والحاجة نظام على إدارة دارة عبد الحسين، خصوصاً بعدما تعلق الشيخ بامرأة مطلقة تدعى وجيهة، كانت ترتاد الدارة للقيام بأعمال الطبخ والتنظيف. وبحسب الراوي العليم فإن الشيخ "لم يشعر بعاطفة تجاه امرأة كتلك التي شعر بها تجاه وجيهة" (ص 102).
نظل عاصمة هي الشخصية الأقوى من بين جميع شخصيات هذه الرواية، تليها "آمنة" التي كادت تتحول إلى صورة أخرى من خالتها تلك، خصوصاً في ما يتعلق بالوقوف في وجه الأعراف والتقاليد التي كانت سائدة في تلك البيئة آنذاك. ولذلك نالتا معظم السرد على حساب الذكور، بمن فيهم عبد الحسين الذي يحيل إليه عنوان الرواية.

 

عاطفة غامضة

رأت عاصمة أن عبد الحسين، "بات خادماً للنساء أكثر من كونه خادماً للدين"، وأنه "لا يختلف عن ابن عمّتها الذي طلَّقها"، والذي لطالما تعدّى عليها بالضرب والشتم، لكنها سرعان ما راجعت نفسها وانحازت إلى تميّز الشيخ بالحنوّ ولطف المعاملة، سواء معها أو مع أختها.
شعر كلاهما بعاطفة غامضة تشد أحدهما نحو الآخر، وكادا يرضخان لرغبات محيطهما بأن يتزوجا، بعد مرور نحو عام على رحيل خديجة. لكنها بعدما راجعت نفسها مجدداً رأت أنها لا يمكن أن تتزوج الرجل الذي شارك أختها فراشها، ثم وقع اختيارها على أرمل وتزوجته لتترك دارة عبد الحسين خالية تماماً إلا منه ومن آمنة، التي كانت وقتذاك تستعد للحاق بمن اختاره قلبها في تركيا.
هو رأى في الأخير أنه لا ينبغي له أن يتزوج عاصمة ذات الشخصية المهيمنة، لأنها ستذكره دائماً بأختها الراحلة.
زاد انغماساً في الدين؛ "حفّزه موت خديجة على أن يسترسل في ذلك ويعود متديّناً فحسب... لزم بيته وتوقف عن علاقاته النسائية". لكن بعد مرور عام على وفاة زوجته، قرّر أن يتزوج وجيهة، واعتذر من خديجة، عند قبرها قائلاً: "الحياة هيك بدها، ما فيّي عيش لحالي" (ص 134).      

 


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 6/22/2026 5:30:00 AM
إنّي، بنبرةٍ قاسيةٍ غير مسبوقة، أدعو رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة والحكومة ورئيس مجلس النوّاب والنوّاب إلى التقدّم من الأمم المتّحدة ومجلس الأمن الدوليّ بطلب تحييد لبنان
رياضة 6/18/2026 8:53:00 AM
اكتشف النتائج الكاملة للجولة الأولى من دور المجموعات في كأس العالم 2026، مع أبرز المفاجآت وتألق ليونيل ميسي في المباراة الأولى للأرجنتين أمام الجزائر
رياضة 6/19/2026 7:09:00 PM
داخل إحدى حفلات الزفاف، لم يتردّد الضيوف في التجمّع أمام شاشة كبيرة لمتابعة اللقاء، في صورة تختصر حالة حمّى المونديال التي اجتاحت البلاد بالكامل