"ذهب" مع الريح

"ذهب" مع الريح
Smaller Bigger

ألدو نيقوسيا*

 

"الى أين أنت ذاهب؟"

من منكم سمع هذه الجملة في حياته (خارج إطار أفلام الكرتون أو المسلسلات القديمة المدبلجة، طبعا)؟ بالعكس، كل واحد منا  قرأ  مرات لا تحصى هذه الجملة في الروايات والقصص وترجمة الأفلام الأجنبية وكتب قواعد اللغة العربية.
 من الواضح أن فعل  "ذهب" مكانه الخاص بالعربية المكتوبة أو هو موجه أساسًا لمتعلمي اللغة العربية كلغة ثانية.
بحلول السنة الميلادية الجديدة أود أن أعبر عن أمنية أعتقد أنها صعبة التحقيق حتى لجني سراج  علاء الدين.
أمنيتي ببساطة أن نطيح بفعل "ذهب " كما أطاحوا بآخر المستبدين في العالم العربي.
ما هي العلاقة بين مستبد وفعل "ذهب" ؟ المستبد عادة غير محبوب من قبل الجماهير لكنه يفرض نفسه دون شريك أو بديل ويحتل مكانة متميزة في المجتمع.
لماذا هذه الكراهية ضد فعل مهم بل حاسم و منتشر في القاموس انتشارًا لا مثيل له؟
في نظري هذا الفعل (وغيره) يمكن أن نعتبره رمزًا ملموسًا للنفاق اللغوي بين المحكي والمكتوب (مع التذكير بأن هذه الظاهرة موجودة في غيرها من اللغات لكن بدرجات أقل).
أولاً فلنشرح هذا الفعل. أهو لازم أم متعد؟
لا يهمني بقدر أهمية أنه صامت أو ساكت أو جامد لا يعبر عن أي حركة  لأنه لم  ولا ينطق به غير الأجانب أو الشخصيات الكرتونية أو أبطال المسلسلات المكسيكية أو البرازيلية (حتى نهاية القرن الماضي).
“ذهب”  يذكرني بتجاربي  وزياراتي للبلدان العربية: أي شخص يريد أن يتواصل معي كان يستعمله في الحوار معي أو مع زملائي الأجانب.


 

بالأحرى أراه كمؤشر واضح للتمييز بين العربي وغير العربي فيوحي لي بفكرة أنني لن أكون مثل مخاطبي. النتيجة أن  حوارنا لم يكن حقيقيًا و لا طبيعيًا بل مجرد محاولة لإفهام الأجنبي فقط.
كل ما تقدم لا يعني أني لا أقدر جهود الأصدقاء العرب للتواصل الفعال معي. لكن بالعكس.
كنت أفهم قصدهم النبيل ولكن تحته يكمن معنى آخر: أنت لن تدخل عالمنا اللغوي الأصيل بمجرد كونك أحنبيًا .
الآن السؤال المطروح هو: لماذا لا يتصالح العربي مع العاميات فيدرج أفعالًا  أخرى مستعملة في الحياة اليومية مثل "راح" بدلًا من "ذهب " في قاموس الكتب على أساس أنه مفهوم  في كل البلدان، من المحيط الى الخليج؟
"فين رايح؟" أو "لوين رايح" مثلا عبارتان مفهومتان من قبل كل العرب. حتى فعل "راح" فعل وارد في قاموس الفصحى. في هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى التنوع المدهش والمربك للعامية الى حد ما، خاصة من وجهة نظر أجنبية.
"فين غادي" يقول المغاربة .
"وين ماشي" يقول التونسي أو الليبي.
صار "مشى" بديل مغاربي لتزحلق من معنى التقدم بالرجلين الى فعل "ذهب" .
لكنه في المغرب الأقصى يدل على "غير" فمثلا "ماشي مزيان" يعني "غير جيد" بينما في مصر "ماشي" يعني اتفقنا.
في الكثير من البلدان "ماشي الحال" يشير صراحة إلى أننا لسنا بخير لكننا لا نريد ان نشتكي أمام الآخر، فنكتفي ب "ماشي الحال" بدلًا من "مليح" أو "منيح" أو "كويس" أو " زين".
لماذا ما زال العرب يرفضون بالإجماع استعمال فعل “ذهب”  في الكلام اليومي لتقريب المكتوب من الشفوي؟
افتراضي الأول المبني على الحدس هو أن حرف الذال غير محبذ فيتم تحريفه في الكثير من البلدان ليصبح "زين" أو مجرد "دال" فتصير "زهب" أو "دهب" ( ممكن لنقص  خط الاسنان العلوي أو السفلي؟).
العجيب الغريب أن في تونس، وفي بعض المناطق الجنوبية بالجزائر لا يستعملون فعل "ذهب" ألا لطرد كلب. فيصرخون له ”اذهب". في هذا السياق أتساءل:  لماذا لم يتم استعمال هذا الأمر  كشعار خلال المظاهرات  ضد الرئيس السابق المخلوع بن علي، سنة 2011 ،على سبيل المثال، بدلاً من المصطلح الفرنسي "دبغاج"( dégage ) ؟ 
هل هناك أسباب أخرى قد  تشرح هذه الظاهرة اللغوية؟
عندما تمت ترجمة عنوان الفيلم والرواية المشهورة "ذهب  مع الريح" ((gone with the wind لماذا لم يتم استعمال "راح مع الريح"؟
يمكن أن تكون كثرة الحاء مزعجة، يا ترى؟ حتى كلمتا "ريح" و"راح" مرتبطتان بفكرة الحركة  نحو البعيد النائي. أعترف بأني  من عشاق  حرف الحاء لأنه يستحضر غالبًا ما أشياء إيجابية.
عندما أطرح هذه الإشكالية لأصدقائي العرب يردون علي: وين المشكلة ؟ إحنا تعودنا على استعمال كلمة "رايح"  في المحكي (أو غادي أو ماشي) ثم عندما نكتبه نستعمل  "ذهب " و"ذاهب" ؟ ليش بترفض هذه الظاهرة؟
طبعًا لكل الشعوب حرية التصرفات اللغوية، لكن عندما يتعين علي أن أترجم في رواية  فعل “ذهب”  من المفروض استعمال فعل se rendre بالفرنسية أو recarsi بالإيطالي و هما فعلان مستعملان في ظروف رسمية أو معينة  على المستوى البراغماتي.
فلا يجوز  أن أترجمها بمجرد  aller أو  andare بهاتين اللغتين.  
من مظاهر الخيانات في الترجمة هناك عدم  الالتزام بالسياق التواصلي.
لدى زيارتكم  لإيطاليا أو فرنسا اطرحوا السؤال التالي على أي إيطالي أو فرنسي باستعمال متكافئ حقيقي ل “ذهب” .
Dove ti stai recando? أو Où tu te rends?
جميع من حولكم سينظرون إليكم  باستغراب كأنكم قادمون من كوكب المريخ أو تسخرون من المخاطب. بعد أن تعلمتم لغة رسمية وكلمات نادرة أو قديمة  يمكن أن تشعروا بإحباط شديد فيمكن أن تكتشفوا مدى خطورة المعضلة و بالنهاية أكيد ستشتمون كل من علمكم أفعالُا غير مستعملة في الحديث اليومي أو غير صالحة لفهم فيلم، على سبيل المثال.
خلال تجاربي الشخصية تأكدت بأن لا أحد يرى أي مشكلة في الازدواجية اللغوية في البلدان العربية ولا أحد يعي بأنها تخلق حاجزًا ضد التواصل بين العرب والمتعلمين الأجانب. هل يريدون أن تكون اللغة المحكية قلعة منيعة وممنوعة لغير العرب؟
أين الحل؟
هل يجب إجبار العرب على استعمال فعل “ذهب”  في الكلام اليومي؟
هل يجب الاعتراف بأن اللغة العربية الصريحة غير موجهة الى الأجانب، كأول خطوة؟ 
الى أي اتجاه لغوي سيروح العرب؟

 

أكاديمي إيطالي*

 

الأكثر قراءة

العالم العربي 4/2/2026 12:41:00 AM
عشرات طائرات "A-10 Thunderbolt II" في طريقها إلى الشرق الأوسط… "Warthog" تعود إلى الواجهة
ايران 4/2/2026 3:29:00 PM
يُوصف الجسر بأنه "أطول جسر في الشرق الأوسط" وأحد أكثر الجسور تعقيداً من الناحية الهندسية في المنطقة.
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية