بطل "شرق المتوسط" ينبعث في صورة مازن الحمادة!

بطل "شرق المتوسط" ينبعث في صورة مازن الحمادة!
لوحة مازن الحمادة
Smaller Bigger

 ما يحدثُ عادةً في عالمِ الأدبِ هو أن يستلهمَ الروائيون وقائع أعمالهم من قصصٍ حقيقيةٍ يعالجونَها بالتخييل ويقدّمونها للقارئ على أنّها حكاية متجانسة، بعضُها واقعي والآخر متخيّل. ولكنّ الصدمةَ تحدث عندما تتحقّق نبوءةُ روايةٍ وتكون قدرًا مكتوبًا لشخصيةٍ حيّة من لحمٍ ودم.
 ما عايشه الناشط السوري مازن الحمّادة في الواقع مطابقٌ لسيرة شخصية روائية تتمثّل في شخصية رجب إسماعيل بطل رواية "شرق المتوسط" للكاتب عبد الرحمن منيف. 
لسوء الحظ وتعاسةِ الأقدار أن تتكرّر المأساة التي قرأناها في روايةٍ صدرت عام 1975 في حياة شابٍ سوري من مدينة دير الزور وخريج معهد صناعة النفط، كيف تغيّرت حياته جذريًا بعد مشاركته في احتجاجات 2011 ليتمّ اعتقاله في سجون النظام السوري ويخضع لأشدّ أنواع التعذيب الجسدية والنفسية لمدة عامٍ ونصف قبل أن يهاجر بعد مغادرته السجن عبر تركيا ثم اليونان إلى هولندا طلبًا اللجوء والعلاج. وهناك روى حكايته الأليمة في المُعتقل. 

 السجين رقم 1858 

  مَن يشاهدُ لقاءات المعتقل السابق مازن الحمّادة يرَ شابًا نحيلاً، شاحب الوجه يروي بعينين دامعتين حكايته الكاملة؛ وكل ما تراهُ في عينيه هو الإحساسُ بالظلم والقهر، وذاكرة الإذلال التي حطّمته من الداخل. 
يروي مازن كيف تمّ اعتقاله عام 2011 بسبب مشاركته في الاحتجاجات وبأنّه كان يقوم بتصوير المظاهرات ويرسل التغطيات إلى قناة "الجزيرة" و"العربية". 
في مرحلة التحقيق، اعترف مازن للمحقّق بانتمائه إلى "حزب الشعب الديمقراطي". وعندما سأله عن سلاحه، أجاب: "سلاحي هو الكاميرا". 
لكنّ المحقّق لم يتقبّل أقواله وأخضعه لتعذيب قاسٍ حتى يعترف بتهمٍ لم يرتكبها كحمل السلاح والاعتداء على حواجز وقتل الجنود. في البداية، أنكر مازن تلك التهم قائلاً وهو لا يحسن استخدام السلاح، حتى خدمته في الجيش كانت في المركز الطبيّ. لكنّ المحقّق أرادَ منه اعترافات ثقيلة يوثّقها في ملفِ السجين السياسي. 
عندما كُسِرت ضلوعه كان عاجزًا عن الوقوف، فنقلوه إلى مستشفى 601 العسكري، فطلبَ منه المحقّق أن ينسى اسمه، وأن يذكر رقمه كمعتقل سياسي فقط؛ رقمه الذي سيبقى محفورًا في ذاكرته: "السجين رقم 1858". 
في ذلك المستشفى عاش صدمات أخرى، لأنّ السجين المصاب الذي يتأمل علاجًا لكسوره تلقى المزيد من الضرب هناك، وصدمته رؤية الجثث المكدّسة في دورات المياه حتى تشتّت وعيه وفقد القدرةَ على النطق والكلامِ. 


رواية "شرق المتوسط" 

قصة الحمّادة تأخذنا إلى رواية "شرق المتوسط" للكاتب عبد الرحمن منيف. في هذه الرواية، وفي أول صفحة منها نقرأ بأنها: "صرخةٌ في وجه الصمت، في زمنٍ أصبح فيه الإنسان أرخص الأشياء وأقلها اعتبارًا". كما قال كاتبها قبل أن يفتتحَ السرد: "هذه الرواية لا تعني أحدًا، وتعني كل الناس أيضًا".  
قد يتساءل كل من قرأ هذا العمل عن واقعيته، وإن كان الكاتب قد سمع الحكاية من أحد المعتقلين العرب كي يكتبَها بكل ذلك الصدق والقسوة والأسى. 
رواية "شرق المتوسط" هي رواية سياسية تروي ما يعانيه العربي الذي يقول "لا" في وجهِ النظام وكل من يحلم بواقعٍ مغاير لما تسطّره السلطة. 
يروي عمّا يحدث هناك بعيدًا عن أعيننا، في تلك السجون المظلمة، عن الصرخات التي لا نسمعها. ففي الوقت الذي نستمتع فيه نحن بمشاهدة فيلم أو تناول كوب شايٍ ساخن، هناك من يتعرّض لأبشع أنواع التعذيب والتنكيل في الزنازين ومراكز التحقيق. ولهذا كانت الرواية علامة فارقة في الأدب العربي، ومن أوائل الأعمال الروائية التي عرّفت بأدب السجون. رواية جريئة فضَحت بشاعة تعامل أنظمة الشرق الأوسط مع مواطنيها الذين يفقدون أي قيمة إنسانية لهم في اللحظة التي يعارضون، وإن بأكثر الطرق سلمية. 

هذه الرواية لم تكتب الماضي فحسب، بل من المخجل والعار أنّها كتبت المستقبل أيضًا. وبعد كل هذه السنوات، لم يتغيّر شيء في واقعنا العربي، بل تكرّرت المأساة مرة أخرى في حياةِ مازن الحمّادة، الذي عايش وقائع رواية "شرق المتوسط". 
بطل الرواية، رجب إسماعيل، تم تعذيبه لأنّه كان معارضا سياسيًا، وتحمّل التعذيب لمدة خمس سنوات ثم استسلم، ووقّع على ورقةِ الاعترافات والإفراج. كذلك فعل مازن، تحمّل ما يمكنه تحمّله ثم اعترف بتهم لم يرتكبها. 
رجب في الرواية غادر البلاد إلى مرسيليا ليبدأ حياة جديدة ويتعالج هناك، ومازن الحمّادة هاجر إلى هولندا، غرب المتوسط تمامًا مثل رجب، حيث سيتعالج وسيتعلم اللغة الجديدة، وسيحاول أن يرمّم جروحه الداخلية تلك التي تطفو على نظرات عينيه الحزينتين. 
تنتهي رواية "شرق المتوسط" بعودةِ رجب إسماعيل إلى بلده مرغمًا بعدما تم اعتقال زوج أخته، الذي استضافه واعتنى به، وهو يعرف جيدًا أنه لن ينجو هذه المرة، ولم يكن يملك خيارًا آخر، ولم يتمنّ لأهله أن يعايشوا ما عايشه هو في السجون. 
كذلك فعل مازن الحمّادة. عاد إلى سوريا عام 2020 بعدما هدّدوه بأهله، واختفى في اللحظةِ التي وصل فيها إلى الأراضي السورية. 

 طوال أربع سنوات، لم يعرف بأخباره أحد، ولم تظهر جثته إلاّ قبل أيام، بعد سقوط نظام بشار الأسد. عثروا عليه في مستشفى قريب من "سجن صيدنايا" بعلاماتٍ مطابقة لعلامات وجهه، ليشيّع جثته آلاف السوريين. 
فكم من رجب وكم من مازن؟ آلافٌ من المعتقلين والمعذّبين لم نعرف أسماءهم، ولم نسمع حكاياتهم عن الألم والمهانة والإذلال في سجون شرق المتوسط. 

الأكثر قراءة

كتاب النهار 5/5/2026 1:21:00 PM
السؤال لم يعد: هل يستطيع الحزب أن يقاتل؟ بل: هل يستطيع أن يحمي الحياة اليومية لمن دفعوا ثمن قتاله؟
تحقيقات 5/8/2026 12:33:00 AM
كتبها المبعثرة، التي تحمل اسمها "ليال حمادة"، تؤكد أن هذه الطفلة كانت هنا، كما سائر الأطفال الذين سقطوا في "الأربعاء الأسود" داخل المبنى المؤلف من 12 شقة سكنية.
لبنان 5/8/2026 9:15:00 AM
جدول جديد لأسعار المحروقات في لبنان...