لوحة المكتبة
منذ سنوات، وهذا الموضوع يشغل المتخصصين من قوم الطباعة والنشر والمكتبات، وقسم من المنتجين الثقافيين، المعنيين أولًا، صُنّاع الكتاب.
في البداية، بدأ الحديث عن شيء، منتوج، اسمُه الكتاب الرّقمي، محتشمًا، بتردّد ، وفي طيّات القضية الكبرى للقراءة، من حيث مستوى الإقبال عليها أو بتراجعه في زمن ظهور منافساتٍ حادة لها وتغيّر استعدادات المستهلكين للمادة الثقافية. اتخذ الطرح وجهين:
1- ظهور الكتاب الرقمي، المعتمِد على تقنيات الرقمنة.
2- سؤال موقِعه في السوق، ومدى منافستِه للكتاب الورقي. السؤال الثاني أخذ يكبُر ويتشابك بقدر توسّع مجال استخدام الوسيط الرقمي وتحوّله أداةَ تواصل مهيمنةٍ على مجالات العمل والحياة. وبما أن الجوهر في الوجهين كليهما هو القراءة، يتطلب الأمر في مرحلة لأولى إحصاءها وضبط مستواها، وهو ما يقود إلى استنتاجات متفاوتة من قارّة وأمّة ومجال سوسيوـثقافي إلى آخر.
سنعتمد في البداية المثالَ الفرنسيَّ الذي يوفّر استقصاءات دقيقة آخرها إحصاء يرجع لسنة 2023، تفيد بأن 86 % من الفرنسيين يُعتبرون قراءً، تلقائيًا. ويقول الشباب من 15 إلى 24 عامًا إنهم أقل قراءة، و1 من 5 يعترف بأنه لا يقرأ. فإن جئنا إلى القراءة الرقمية نجدها تحقق تقدمًا ملحوظًا عند الشباب، وهي أقلّ عند سنّ الخمسين. 29% من الأشخاص المستفسَرين يقرؤون الكتاب الرقمي، و30% من المستجوَبين سمعوا كتابًا audio. نستفيد أنه كلما زاد العمر تقدّم الشخص في القراءة. وبين عُمرَي 15 و44 يقرؤون 12 كتابًا ورقيًّا في السنة. خلافًا للرائج، فقراءة الكتاب تمكّن من كفايات أفضل من الشاشة، وأثبتت دراساتٌ وتحقيقاتٌ موثوقةٌ أن القراءةَ الورقيةَ ما تزال متفوقةً في العقدين الأخيرين. من مزاياها توفير فهمٍ أوضح، والكلماتُ المطبوعة تُرى أسهل، ويمكن الاحتفاظُ بها أكثر من الرقمي.
تطرح دور النشر الفرنسية راهنًا قسمًا كبيرًا من كتبها بين خيارَيْ الورقي والرقمي، والأخير سعرُه أرخص. وبالرغم من هذا، فإنه لا ينافس كالمتوقّع، ونسبةُ التباعد بينه والسابق عليه كبيرة، مما يكذّب النزعات التشاؤمية التي ما انفكت تتنبأ بغدٍ أسود للورقي. ما زال أمامه عمر طويل، وأرقام المبيع خير دليل.
ماذا نعرف عن القراءة في العالم العربي؟ وهل توجد منافسة أو مفاضلة بين المنتوجين المعنيين؟ أهمّ وأدقّ الأرقام في مجال القراءة العربية تُستقى من التقرير السنوي لمنظمة التربية والثقافة والعلوم (يونسكو)، وهي في مجملها الذي لا يكاد يتزحزح محزنةٌ بل مخجلة، إليكم الأرقام الآتية للمثال لا الحصر، طبعًا:
ـ يقرأ الطفل العربي 7 دقائق سنويًا، مقابل الطفل الأميركي الذي يقرأ 7 دقائق يوميًّا.
ـ معدل ما يقرؤه الفرد في العالم العربي سنويًّا ربع صفحة فقط.
ـ كلّ 80 مواطنًا عربيّاً يقرؤون كتابًأ واحدًا في السنة، والمواطن الأوروبي يقرأ 35 كتابًا،
فيما يفيد آخرُ تقرير لمؤسسة الفكر العربي بأنه إذا كان الفرد الأوروبي يقرأ مئتي ساعة سنويًا، فإن متوسط قراءة الفرد العربي 6 دقائق سنويًّا.
فماذا عن وضع الكتاب الرقمي في العالم العربي؟
سؤال لا يمكن الإجابة عنه لغياب تحقيقات دقيقة وإحصاءات سليمة، وكذلك لعدم وجود عناية لدى الجهات الثقافية الرسمية بتصوّرٍ وخططٍ حول هذا المُعطى، أو يبقى في حدود ضيقة، محدودية شبكات القراءة إن وُجدت تظل حصرًا تطوّعية وبين يدي هواة. وما بين أيدينا أيضًا تقديرات عامة. مبتدأها وبحكم واقع القراءة أولًا، أن الكتابَ الورقيَّ العربيَّ ما زال في الصدارة عند الناشر العربي.
ثانيًا، إن عدد الناشرين العرب ممن يتفاعلون مع الفضاء الرقمي لا يتجاوز نسبة الـ 6%، تقابلها في بريطانيا نسبة 50%، فيما لا تتجاوز في فرنسا النسبة الـ9%. وبحسب الجمعية الأميركية للناشرين فإن الكتاب الماديَّ، حسب إحصاء سنة 2020، مثّل 85،7 من السوق. كذلك الحال عند النقابة الفرنسية للنشر ترصُد تشبُّثَ القارئ الفرنسي بالورقي. وبإحصاء أدقّ من حيث حساب السوق، يحصي الكتاب العادي نحو 1،87 مليار قارئ إلى سنة 2027، والكتاب المقروء بشكل مختلف 1،2 مليار. وتظهر السوق الأميركية أفضليةً كبيرة للمطبوع بـ 788،7 مليون كتاب بيع سنة 2022. وإجمالًا، تفيد التحقيقات والإحصاءات الدولية بالعمر الطويل للمطبوع.
برنامج النشر الإلكتروني
بالمقارنة، وميدانيًا، لا يوجد لدى الناشرين العرب برنامجٌ للنشر الإلكتروني وإتاحته رقميًا، ولا هم يتحمّسون له، فعلاوة على القرصنة الشائعة للكتاب العربي، وفوضى السوق، يتخوفون عندئذ من بوار المطبوع، علمًا بأن لا أحد يعرف كمّ المطبوع والمبيع، كما في الأسواق الدولية المنظمة والبلدان التي يخضع فيها النشر والتوزيع وحقوق التأليف لقوانين محكمة وصارمة. وفي الوقت الذي نرى فيه تزايدًا مفرطًا لعدد دور النشر في العالم العربي الذي يشتكي فيه الناشرون ـ ويا للمفارقة! ـ من ضعف القراءة، لا ترى دور نشر تتخصص في الرقمي أو على الأقلّ تقدّم عرضًا تُزاوج فيه بين المطبوع والإلكتروني، وتنوّع منتوجها، ويكفي لمن شاء أن يجول في معارض الكتاب العربية ليتحقق عيانًا ويتأكد لديه كذلك، خلا بعض التحسينات الشكلية الخارجية لا أكثر، لتبقى ديمومة السوق التقليدية، والغياب شبه التام لمنافس.
يُمكن العثور على الاستثناء عند مؤسّسات النشر الإلكتروني، وهذه تتيح لكتاب ناشئين لا يجدون فرصةَ نشر أعمالهم، وذلك حسب شروط.
ويلجأ إليها آخرون يسعون لتوسيع جمهور قرائهم. وهناك مؤسسات عربية أكثر احترافًا وجدية، مثل مؤسسة هنداوي شعارها "نشرُ المعرفة والثقافة وغرسُ حبّ القراءة بين المتحدثين باللغة العربية"، وهي تنشر إلكترونيًا وبالتعاقد مع كتاب مميزين أعمالهم كاملة أو جزئية، وتتيحها في الفضاء الأزرق بعناية فائقة ودقة عالية.
على مثل هذه المؤسسات وما في ضربها من خزانات وهيئات أكاديمية وعلمية المعوّل لتعميم الكتب رقميًا، وهو ما نلاحظه قيد الإنجاز بوتيرة سريعة ومتقدمة، ويسهم في تقدم البحث العلمي وتسهيل انتقال الثقافات ووصول الخبرة. بيد أن الرّهانَ الأكبرَ في العالم العربي يبقى على اتساعَ مجالِ وفُرصِ القراءة كيفما كان مصدرُها، والاستفادة من الوسيط الإلكتروني لمعرفةٍ جديةٍ لا للتسلية العابرة والمماحكات. من أسف يبدو هذا هو السائد، مما دفع الدولة الفرنسية لمنع حمل الهاتف النقال في المدارس، يشغل التلاميذ عن الدرس، أي القراءة التي هي المطلب.
نعم، يمكنك حمل مكتبة الإسكوريال في هاتفك المحمول، وآخرون بالملايين يحملون فيها ما لا يُحصى من هزل وهُزء وتفاهة وفجور. وبذا فالتنافس الحقيقي ليس بين الورقي والرقمي، وإنما بين الجدّي والتافه، أو هكذا يظهر اليوم. في بدايات عيشي بباريس كنت أبحث عن موطئ قدم في عربة المترو حيث الكلُّ من واقف وجالس غارق في قراءة كتاب حتى إنني خجلت بينهم لا أحمله. اليوم، أظهر غريبًا بين القوم أكاد أكون وحدي بكتاب وهم هنّ عيونهنّ غاطسات في شاشة وقد انعدم الحوار والاتصال، ويقينًا لا يقرؤون كما كانوا يفعلون، وأنا سأصمُد كي لا أخسر الرهان.
الأكثر قراءة
النهار تتحقق
5/13/2026 7:34:00 PM
يأتي انتشار الفيديو مع تراجع الآمال في تسوية وشيكة بين الولايات المتحدة وإيران.
لبنان
5/13/2026 12:30:00 PM
ماذا نعرف عن نهر الليطاني؟ وكيف تحوّل من مجرى مائي إلى اختبار مفتوح لحدود السيادة في لبنان المعاصر؟
لبنان
5/13/2026 7:33:00 PM
هافن برنابا، ابنة الأعوام الستة، توجه من مركز إيواء في المنصورية رسالة مؤثرة إلى رئيس الجمهورية تختصر وجع قرى الجنوب الحدودية وحنين أهلها إلى العودة
نبض