"أدب السجون" السوري: معجم الصراخ وآليات التعذيب

ثقافة 13-12-2024 | 06:30
"أدب السجون" السوري: معجم الصراخ وآليات التعذيب
انفتحت أقبية النظام السوري المخلوع عن جثث تمشي على قدمين. أطفال خرجوا من باطن الأرض وهم لا يعرفون ما الشمس والقمر. أشباح أحياء، تدور الحياة بالقرب منهم دون أن تُسمع ضربات أيديهم على الجدران الصماء. ومازال العالم تحت وقع الصدمة. 
"أدب السجون" السوري: معجم الصراخ وآليات التعذيب
تعبيرية
Smaller Bigger

أخيرًا عاد الموتى الأحياء. انفتحت أقبية النظام السوري المخلوع عن جثث تمشي على قدمين. أطفال خرجوا من باطن الأرض إلى وجهها وهم لا يعرفون ما الشمس والقمر. نساء وعواجيز لا يعرفون أن أربعين عامًا مرت عليهم وهم أحياء في قبور لا تراها شمس. فاقدو ذاكرة لم يعودوا يعرفون أي طريق إلى بيوتهم. ماتت كمدًا أمهات كثيرات قبل أن يخبرهن أحدهم عن مصير أطفالهن. أشباح أحياء، تدور الحياة بالقرب منهم دون أن تُسمع ضربات أيديهم على الجدران الصماء.

وما زال الرأي العام في العالم تحت وقع الصدمة بينما الناس تراقب مقاطع الفيديو المصورة لضحايا سجن صيدنايا الرهيب. ولو عاد المصدومون إلى أدب السجون، لاكتشفوا  أن كل ما شاهدوه ليس بجديد، وأن هناك من صرخ وفضح هذا كله.

فضح عالمي
عشرات الروايات والكتب العالمية شكل "السجن" فضاء وثيمة أساسية فيها، من "البؤساء" لفيكتور هوغو إلى "الكونت دي مونت كريستو" لألكسندر ديماس، "الفراشة" هنري شاريير، "معذبو الأرض" لفرانز فانون، و"وجبة المساء لأندريه ميكييل عن يومياته كدبلوماسي فرنسي في السجون المصرية، "دفاتر السجن" ل غرامشي، "مذكرات سجين" للروائي الحائز على نوبل وول سوينكا، "الإنسان يبحث عن معنى" لفيكتور فرانكل، مرورًا بمعظم أدب أمريكا اللاتينية، وسير المناضلين مثل غاندي ونلسون مانديلا، حيث سعت كل تلك الكتب إلى فضح وتعرية نظام القهر والتعذيب، وعربيًا يظل "السجينة" لمليكة أوفقير هو الأكثر شهرة وتوزيعًا.

فأيًا كان مجالك، سياسي أم عسكري، غني أم فقير، روائي أم سينمائي، فأنت مهدد بالذهاب وراء الشمس في أية لحظة. لذلك تحدث الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو في كتابه "المراقبة والعقاب" عن ولادة السجن، والحاجة إلى المعاقبة دون تعذيب، احترامًا لإنسانية الإنسان. لكن هذا الحق الأساسي لا يتوفر في جغرافية السجون العربية إلا فيما ندر.

آلام التجربة السورية
لا يعبر أدب السجون العربي عن سياق واحد، لأن العلاقة بين السجين والسجان في الأدبيات العراقية تختلف عن المصرية، والسياق السياسي يختلف. أنتج المصريون أدبًا مهمًا خصوصًا عن المرحلة الناصرية لكن درجة القسوة فيه ليست بوحشية التجربة العراقية بل ربما أخذت حسًا فكاهيًا كما في شعر أحمد فؤاد نجم أو الأدب الساخر لمحمود السعدني "الطريق إلى زمش"، و"الولد الشقي في السجن". أيضًا تبدو السردية العراقية بالغة الرأفة مقارنة بما تكشفت عنه التجربة السورية الآن.

ولعلنا لا نجد أدبًا ضخمًا بحجم السردية السورية تحت حكم البعث. في "حيونة الإنسان" لممدوح عدوان إشارة مهمة أن الإنسان لا يشعر بالضرب والتعذيب إذا كان حرًا، ويملك القدرة على الرد، بينما يحس بألم الضرب والإهانة حين يصبح عاجزًا عن رد الفعل.

أي أن التعذيب قبل أن يصيب الإنسان بالإعاقة الجسدية، يصيب نفسيته في مقتل، ويقهر روحه قبل أن يقهر جسده. مع ذلك لن نعدم من يتماهى مع المُعذِب. إنه عملية ممنهجة وممتدة لإلغاء إنسانية الإنسان.

فلا يُكتفي بسجنه في الظلام لسنوات، وسلب حريته، بل لابد من هدر كرامته وإزهاق روحه، كي لا يتبقى منه غير شبح دال على وحشية سجانه.