.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
يتمثّل مجال تخصّص درخشاني الأساسي في العمارة المعاصرة للمجتمعات الإسلامية، وقد شملت مسيرته المهنية إدارة تصميم وإنشاء مشاريع عامة واسعة النطاق ومشاريع بنى تحتية في إيران، بالإضافة إلى أعمال التصميم المعماري في باريس وجنيف.
في عام 2018، عُيّن زميلاً دولياً للمعهد الملكي للمعماريين البريطانيين. وأخيراً، كان لـ"النهار" لقاء غني معه، أتاح لنا التعمّق في رؤيته الفريدة للعمارة، وفهم أبعاد خبرته الواسعة التي تمتد عبر ثقافات متعددة، وفتح لنا نافذة على ثراء معرفته وسعة اطلاعه.
بداية، أود أن أسألك سؤالاً قد يرى البعض إجابته بديهية، وكثيراً ما نقفز فوقه. كيف تُعرّف العمارة؟
سأستخدم عبارة واحدة: "الشعور بالانتماء". عندما تدخل مبنى، فندقاً، مركز تسوق، متحفاً، تشعر أنّك تنتمي إلى هذا المبنى. وحتى إذا رأيته فقط من الخارج أثناء تجولي في الشوارع، أشعر أنّ هذا المبنى ينتمي إلى هذا المكان، إلى هذه الأرض. هذه هي العمارة الجيّدة. في دبي، على سبيل المثال، كانت الرؤية تقوم على خلق شيء بواسطة الآخرين وللآخرين. ترى أنّ جميع المباني صمّمها أجانب، وأنّ كل من يعمل هناك أجنبي، وأغلب مَن يستخدمون الفنادق والمرافق هناك هم أيضاً أجانب. لذلك، عندما تنظر إلى بعض تلك المباني، قد تشعر أنّ بعضها ينتمي إلى المكان، لأنّها تتماشى مع رؤية السكان المعاصرة. كما أنّ الزائرين أو الأجانب يشعرون بشيء من الانتماء في دبي. كنتُ هناك مع أصدقاء لبنانيّين، يحبّون دبي لأنهم يشعرون أنّها تعكس النموذج القائم في بعض مناطق بيروت، والرؤية التي اعتُمدت للإعمار بعد الحرب. لديهم المطاعم التي يحبّون زيارتها، النوادي التي يرغبون في ارتيادها، الشواطئ التي تجذبهم، والشقق التي تتناسب مع أذواقهم، وهم يعملون ويكسبون المال. بطريقة ما، يشعرون وكأنهم في وطنهم.
غالباً ما يُنظر إلى العمارة على أنّها رفاهية، غير أنّها تعكس في الحقيقة قيم وثقافات وتاريخ كلّ شعب وتتماهى مع طبائعه وطبيعة أرضه. البيوت القديمة في لبنان بُنيت من طين وقش للتكيّف مع الفصول الأربعة؛ والبراجيل في الإمارات صُمّمت لالتقاط النسائم أيّاً كان اتجاهها، وباتت جزءاً أساسيّاً من التراث الشعبي المعماري الإماراتي. ألا تعتقد أنّ هذا يُبرز أهمّية تسليط الضوء على دور العمارة بصفتها عنصراً حيوياً من نسيج كلّ مجتمع؟
الفكرة كلّها تتعلق بالسرعة، وأكرّر ذلك دائماً؛ السرعة في إنجاز الأمور. في القدم، كما ذكرت عن لبنان، كان عليهم أن يبنوا ببطء، ويتأكّدوا من معرفتهم بالبيئة؛ يعرفون اتجاه الرياح، وموقع الزلازل، والعوامل الطبيعية كافّة. كانوا يُشيّدون المباني ببطء، وبحكمة.
في القرن العشرين، بدأت عملية البناء السريع، ترافقت مع ضيق الوقت للتفكير في هذه الأمور. كما ظهر مفهوم أنّ التكنولوجيا يمكن أن تتولى كلّ شيء؛ يمكنك البناء على أيّ أرض، واستخدام أيّ نوع من أنظمة التبريد، فلم يعد هناك اهتمام كبير بالتكيّف مع البيئة. غير أنّ هذا الاعتقاد لم يعد قائماً الآن، لأنّ الناس أدركوا أنّ الطاقة نافدة وليست شيئاً متاحاً بالمجان. ارتفاع أسعار الطاقة أصبح يدفع الناس إلى التقنين، بدلاً من التبذير، وهو أمر بالغ الأهمّية. بات هناك وعي أكبر بأنّ المتوافر في منزل الآخر ليس بالضرورة عظيماً. فلا ينبغي أن يظن الفرد أنّ أيّ شيء يُطبَّق في مجتمع مثل أميركا رائع، من دون التفكير في ما إذا كان يتناسب مع مجتمع مماثل للمجتمع اللبناني أم لا. لبنان، قبل كلّ شيء، ليس مجتمعاً واحداً، بل هو مجتمعات متنوّعة ومتعدّدة المستويات.
ثمّة فرق هنا بين نوعين من الفخامة، إذا جاز التعبير، فخامة ضرورية وأخرى لا تعدو كونها هدراً للموارد. برأيك، هل من دور للعملاء ووعيهم في تحسين جودة المشاريع المعمارية وضمان استدامتها، وكيف تؤثر اختياراتهم على نجاح أو فشل التصميمات والبناء؟
ليس لديّ مشكلة مع الفخامة، لكن الأهم أن تُنجز الأمور بجودة عالية. لا مشكلة مع الأبراج؛ وعلى سبيل المثال، منحنا جائزةً لبرجَي "بتروناس" التوأم في كوالالمبور. هذان البرجان بارتفاع 88 طبقة كانا يُعبّران عن حاجة، ففي غياب المساحات الجغرافية الكافية، يجب استخدام الموارد بذكاء. وقد مُنح المشروع الجائزة لتميّزه بالابتكارات التقنية والمعمارية، وصُمّما بطريقة توفّر أفضل إضاءة داخلية بسبب شكلهما الفريد. في الوقت نفسه، أصبح "بتروناس" رمزاً للبلاد. لذلك، لم يكونا مجرّد برجين آخرين، بل كانا مشروعاً فريداً مصمّماً خصيصاً لذلك البلد وتلك البيئة، وليس ليُنسَخ في مكان آخر.
منحنا أيضاً جوائز للفنادق الفاخرة؛ ليس هناك مشكلة في الفخامة، فقط المهم أن تكون بجودة ممتازة، وألّا تكون عبارة عن هدر للأموال. ما يهمّ في أيّ مشروع هو الطريقة الأكثر ذكاءً لاستخدام الموارد البشرية والمادية. تتمثّل الموارد البشرية في الأفكار والإبداع، وتشمل الموارد المالية، المواد والأموال المنفقة. إنفاق الأموال لا يعني بالضرورة الحصول على بناء أفضل، فالمبنى ليس مجرد منشأة تُفتتح ليوم واحد، بل يجب التفكير في استخدامه لعقود.
أذكر قبل سنوات أنّنا منحنا جائزة في بيروت للمهندس المعماري فلاديمير ديوروفيتش عن تصميمه ساحةً صغيرةً كانت تُعرف آنذاك بالساحة رقم أربعة، لكنّها أصبحت في ما بعد تحمل اسم الصحافي سمير قصير. لم يكن الهدف بناء الأكبر، بل بناء شيء ملائم بالحجم والرسالة المناسبَيْن، لذلك استحقّت الجائزة. والمهم أيضاً هو التأثير على العملاء. فالمباني الرديئة لا يقف وراءها دائماً المهندسون المعماريون؛ في 90 في المئة من الحالات، يكون الخطأ من العميل وخياراته ومن غياب الحوار بين الطرفين.