آلام "لا ديڤينا" ماريا كالاس
الذين عرفوها استصغروا لها لقب "لا ديڤا" (الإلهة)؛ بعضهم راقتهم تسمية الإيطاليّين لها "لا پريما دونا أسولوتا" (السيدة الأولى الوحيدة). كانت قوة جامحة تجسّدت في امرأة، وعاصفة أعادت تعريف عالم الأوبرا بصوتٍ جهوري عظيم وحضور مسرحي طاغٍ وهشاشة إنسانية اختزلت المسافة بينها وبين قلوب الملايين.
هل وُلدت ماريا لتكون ضحية، ويلتصق بجلدها ثوب أوبرا ملحمية، حافلة بانتصارات عظيمة وسقوط مدوٍّ؟ المؤمن بالقدر وحتميّته يقول إنّ دمها اليوناني صبغ حياتها. وكما في المسرح الإغريقي، عاشت فصول الصراع الداخلي، والزلّات، ولحظات التجلّي والإدراك، ولحظات التطهير النفسي، والسعي نحو تحقيق مصير محتوم.
وجوه مستعارة
الثاني من آب (أغسطس) 1947، أُسدل الستار على الفصل الأخير من أوبرا "لا جيوكوندا" لپونكييللي في ڤيرونا. تصفيق حارّ أعلن ولادة نجمة من نغم ودم. معها ظهر غناء درامي ما قبل "لا كالاس" وغناء درامي ما بعد "لا كالاس"؛ هكذا شاءت "النهار" أن ترثيها غداة رحيلها ذات أيلول (سبتمبر). ومعها عاد الفنّ القديم العهد قويّاً، وعاد جمهوره ومتذوّقوه. في السادسة والثلاثين من عمرها، كانت قد أثبتت بالفعل أنّها واحدة من أعظم السوبرانات في تاريخ الأوبرا، أداؤها الدرامي وتقنيّاتها الصوتية تحكي عنها. أعادت ماريا كالاس للأوبرا بريقها، وأعادت تعريفها على أنّها قبل أيّ شيء نوع مسرحيّ، وأنّ "ظهور مغنّين مكتنزين باللحم ومترهّلين على المسرح لتأدية لحن لم يعد مقبولاً". خسرت زهاء 36 كيلوغراماً، فقال عنها المايسترو نيكولا ريشينو مفتوناً إنّها "قد تكون أجمل سيدة على المسرح". صارمة كانت، مع الغير ومع نفسها؛ مع ماريا ومع "لا كالاس".
وجوه مستعارة كثيرة بدّلتها ماريا، والصوت نفسه، يتقلّب بتقلّب المزاج، يتلوّن بتلوّن التراجيديا. "ت-ر-ا-ج-ي-د-ي-ا"، أحرف إذا ما اجتمعت شكّلت الفلك الذي دارت به مسيرة ماريا كالاس كلّما أُزيح الستار وكلّما أُسدل. كانت "نورما" بيليني، الكاهنة التي عانت صراعاً داخلياً بين واجبها وحبّها المحرّم وترنّمت بآريا "كاستا ديڤا" (الإلهة الطاهرة)؛ وكانت "لوريتا" پوتشيني، التي هدّدت والدها بإلقاء نفسها في النهر إن لم يوافق على زواجها وأنشدت له بكلّ ما في الأرض من رقّة وتوسّل "أو ميو بابينو كارو" (أيا أبي العزيز).
تسربلت بوشاح "ميديا"، الساحرة التي يدين لها زوجها بحرّيته والتي قتلت عشيقته قبل أن تجهز على أبنائها ويبدأ صراعها الداخلي مدفوعاً بقراراتها المروّعة، فتصرخ كلمات رائعتها "إي كي؟ يو سون ميديا" (وماذا؟ أنا ميديا). واعتمرت المنديل الأبيض الذي غطّى رأس ملكة إنكلترا آن بولين بعدما أعدمها زوجها هنري الثامن، وأنشدت آريا دونيزيتي الكئيبة "پيانجيتي ڤوي؟" (هل تبكون؟)، متسائلة عمّن بقي بجانبها وإن كانوا يبكون من أجلها، قبل أن تحجم وتقبل مصيرها.
دراما!
والذين عرفوها – الذين استصغروا لها لقب "لا ديڤا" – أيقنوا التزامها الجوانب الدرامية لأدوارها، ورأوا كيف دفعت مراراً حدود صوتها لتحقيق رؤيتها الفنية، وكيف أرهق غوصها في عمق المشاعر صوتها. الذين عرفوها، قالوا إنّ تركيزها على التفسير والتجسيد العاطفي أدّى إلى أسلوب صوتي أكثر هشاشة، ربّما أسهم في تآكل صوتها مع مرور الوقت.
والذين عرفوها، عن كثب أو عبر عناوين الصحف وأثير الإذاعة، لعنوا ساعة التقت ذلك الملياردير اليوناني أرسطو أوناسيس. "آري" الذي كان يكره الأوبرا، ويشتهي ذلك الجسد الأهيف، وأغنى ما فيه كان الحنجرة المجيدة. "آري" القبيح الذي شدّها بعنف الجزّارين فأفلتت يد زوجها وتبعته، وتركها في النهاية من أجل أرملة البيت الأبيض جاكلين، التي ما إن تزوّجته حتّى خلعت عباءة كينيدي وباتت "جاكلين أو".
أولئك الذين عرفوا ماريا، رأوا حطام المعابد في عينيها، ورأوا انكسارها. تلك اليونانية التي بدّلت وجوهاً درامية، خلعت ضحكتها "الغنّوجة"، واحتجبت خلف حزنها. الضغط العاطفي تلقّم صوتها بشراهة حاقدة. والذين عرفوها، من نقّاد وصحافيّين وكتّاب سِيَر، حاججوا بأنّ تجاربها العاطفية المكثّفة أثّرت على جودتها الصوتية، ومنهم من جزم بأنّ الأداء تدهور نتيجة تدهور صحّتها، وآخرون قالوا بانقطاع الطمث المبكر، أو الإفراط في استخدام صوتها وإساءة استخدامه، أو فقدان الثقة، أو فقدان الوزن.
ملايين صفّقوا لـ"لا كلاس" وانحنوا أمام ترجمتها الدرامية، وقدرتها على نقل المشاعر العميقة على حبال الصوت، وأدائها وقسمات وجهها والتعابير الحادّة التي تحتشد لترسم الانفعالات. ملايين قدّسوا صوتها "الڤيرساتيلي" القادر على التكيّف مع أدوار السوبرانو والميزو-سوبرانو.
الملايين الذين صفّقوا لـ"لا كالاس" شهدوا على تفانيها الشديد في الجوانب المسرحية للأوبرا، وارتقائها من مغنّية إلى فنانة درامية تجسّد شخصيات معقّدة بعمق عاطفي.
"مثلها لا يموت"
وأوناسيس أغمض عينيه وترك وراءه نفساً مخلّعة. وصوتها الآخذ في التدهور لم ينقذه توسّل معجبيها ولا فحيح المتربّصين بها. وهي كانت تقول: "عندما يكفّ أعدائي عن الهمز واللمز، سأعلم أنّني أنزلق".
وصوتها بدأ يخفت قبل انكسارها العاطفي؛ وقبضة أوناسيس أحرقت حنجرتها وفتّتتها. والجرائد التي عاينت كيف أعادت ماريا كالاس مخزوناً أوبرالياً كاملاً إلى دائرة الضوء – من "نورما" بيليني إلى "لا ڤستال" سپونتوني إلى "ميديا" شيروبيني – كالت لها الهجاء، ونعتتها بـ"المزاجية". وهي كانت تصمت وتتكوّر، وتحيي الليل تأمّلاً في دارتها الباريسية، وتردّد: "اللّهمّ امنحني ما تشاء، الجيّد وغير الجيّد؛ لا خيار لي. ولكن ارزقني القوة لكي أستطيع التخطّي".
تهاوت ماريا تحت إجهاد القلب ونوباته. وابنة الصيدلي التي بحثت طفلةً عن فتاتٍ في حاويات القمامة، وأرغمتها والدتها على الغناء للنازيّين، أطبقت جفنيها على حياة لم تعد تقدّم لها شيئاً سوى أهازيج نائية وتصفيق من غابر الأيام. وطليقها الإيطالي كان هناك عندما وقفت على المسرح لأول مرّة، وفي غربته صرخ متأوّهاً: "أنا الذي خلقها إلى أن انتزعها منّي أوناسيس".
والأقلام مجّدتها، ومنها من شغلها الرحيل الصامت فقالت إنّها كتبت النهاية بيدها كما كتبت قبلاً فصولاً من قدرها. وطليقها صرخ في غربته: "إنسان في عظمتها يجب ألّا يموت". وكلّما ذكر اسمها، ردّد الصدى "إنسان في عظمتها... لا يموت".
نبض