فشل النظام السياسي وخطره على الجمهورية اللبنانية
د. مهى محمّد مراد
لم تعد الأزمة اللبنانية مجرّد أزمة اقتصادية أو مالية أو إدارية، بل أصبحت أزمة نظام سياسي بكل ما تحمله هذه العبارة من أبعاد دستورية ومؤسساتية واجتماعية. فالدولة التي يُفترض أن تكون المرجعية الجامعة لجميع مواطنيها، تحوّلت بفعل الممارسات السياسية المتراكمة إلى ساحة لتقاسم النفوذ والمصالح، حيث تتقدّم الحسابات الطائفية والمذهبية على المصلحة الوطنية، وتُختزل المسؤولية العامة بموازين القوى بين الأطراف السياسية.
لقد أفرز النظام السياسي اللبناني، القائم على المحاصصة الطائفية والمذهبية، واقعاً تجاوز حدود التوافق الوطني الذي يُفترض أن يحمي التعددية، ليصبح أداة لتعطيل المؤسسات وإضعاف الدولة. فبدلاً من أن تكون الطوائف مكوّناً اجتماعياً من ضمن دولة المواطنة، تحوّلت الانتماءات المذهبية إلى مدخل لتوزيع السلطة وتحديد مواقع النفوذ، الأمر الذي أضعف مفهوم المواطن بصفته صاحب حقوق متساوية، ورسّخ منطق الولاء السياسي والطائفي على حساب الكفاءة والاستحقاق.
ولعلّ أخطر ما أنتجته هذه المنظومة هو انعكاساتها المباشرة على مؤسسات الدولة، فالإدارة العامة التي يفترض أن تقوم على المهنية والاستقلالية، أصبحت عرضة للتدخلات السياسية والتعيينات القائمة على المحسوبيات، فيما تراجعت قدرة المؤسسات على أداء وظائفها بعيداً عن التجاذبات.
وهكذا لم يعد الخلل مقتصراً على أشخاص يتولّون المسؤولية، بل بات مرتبطاً ببنية سياسية تسمح بإعادة إنتاج الأخطاء نفسها، وتحوّل الاستثناء إلى قاعدة في إدارة الشأن العام.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الخلل الذي أصاب وظيفة الرقابة البرلمانية، فمجلس النواب، الذي يفترض أن يشكّل سلطة رقابية وتشريعية تحاسب الحكومة وتراقب أداءها، يجد نفسه في كثير من الأحيان أسير التوازنات والتحالفات السياسية، وعندما تتقدّم التسويات على المساءلة، وتصبح المحاسبة خاضعة للاعتبارات الحزبية والطائفية، تفقد الرقابة دورها الأساسي، وتتحوّل المؤسسات الدستورية إلى أطرٍ عاجزة عن ممارسة دورها الفعلي في مواجهة التقصير والفساد.
أما المواطن، فهو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، إذ يدفع يومياً ثمن سوء الإدارة السياسية من أمنه الاجتماعي ومعيشته وحقوقه الأساسية، في ظل تراجع الخدمات العامة، وتدهور التعليم والاستشفاء، وتقلّص فرص العمل، واتساع رقعة الفقر والهجرة… ولم يعد فقدان الثقة بالدولة مجرد موقف عابر، بل أصبح نتيجة طبيعية لتجربة طويلة شعر خلالها اللبناني بأن حقوقه مرتبطة بقدرته على الوصول إلى مرجعية سياسية أو طائفية، وليس بكونه مواطناً يتمتع بحقوق يكفلها الدستور والقانون.
ولا يكتمل هذا المشهد من دون التوقف عند إشكالية الوعي السياسي لدى الرأي العام، فضعف الثقافة السياسية وغياب المعرفة الكافية بالحقوق والواجبات وآليات المحاسبة، يساهمان في إعادة إنتاج المنظومة نفسها، خصوصاً عندما تُختزل الخيارات الانتخابية بالولاءات التقليدية، بدلاً من أن تكون مساحة لمساءلة المسؤولين ومحاسبتهم على أدائهم، وهذا لا يعني تحميل المواطن مسؤولية الأزمة، بل التأكيد أن بناء دولة سليمة يحتاج أيضاً إلى رأي عام واعٍ، قادر على التمييز بين المصلحة الوطنية والمصالح الفئوية.
لقد أصبح الفساد الإداري جزءاً من أزمة أوسع تتغذّى من غياب المحاسبة وتداخل السياسة بالإدارة، ومن حماية المصالح المتبادلة بين أصحاب النفوذ. لذلك، فإن معالجة الفساد لا يمكن أن تقتصر على ملاحقة بعض الموظفين أو إصدار قرارات ظرفية، ما دامت البيئة السياسية التي تسمح باستمراره لا تزال قائمة.
وبالتالي، فإن استمرار النظام السياسي بصيغته الحالية يطرح سؤالاً مصيرياً: إلى متى يمكن للجمهورية اللبنانية أن تتحمّل هذا المستوى من العجز والتفكك؟
فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير الوجوه، بل بمراجعة الأسس التي أنتجت هذا الواقع. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال نحو نظام مرحلي انتقالي، يقوم على قواعد دستورية واضحة، وصلاحيات محددة، وجدول زمني ملزم، ويهدف إلى إعادة بناء المؤسسات وترسيخ استقلاليتها، وصولاً إلى صيغة سياسية أكثر عدالة وفاعلية، تقوم على المواطنة والكفاءة والمساءلة.
فالجمهورية ليست ملكاً للقوى السياسية، ولا امتداداً لمصالح الطوائف والزعامات، بل هي دولة لجميع مواطنيها… وحين يصبح النظام عاجزاً عن حماية الدولة والمجتمع، لا يعود التمسك بصيغته القائمة دفاعاً عن الاستقرار، بل قد يتحوّل إلى تهديد لمستقبل الجمهورية نفسها.
إن إنقاذ لبنان يبدأ بالاعتراف بأن استمرار النهج ذاته لن ينتج إلا الأزمات ذاتها، وأن بناء دولة حقيقية لم يعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة وطنية لا تتحمل مزيداً من الانتظار.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
بإطلالةٍ استحضرت تراث الكرك وحملت دلالات التضامن، لفتت الملكة رانيا الأنظار في مراسم خطاب العرش بـ "المدرقة الكركية".
نبض