بولندا... هل تكون انطلاقة الحرب العالمية الثالثة؟
من شرارة الحرب العالميّة الثانية عام 1939 إلى المواجهة المحتملة بين روسيا والغرب... أوروبا تستعدّ لأسوأ السيناريوهات
ربيع داغر
في الأوّل من أيلول عام 1939، اجتاحت القوّات الألمانيّة الأراضي البولنديّة، في حدث شكّل الشرارة المباشرة للحرب العالميّة الثانية. وبعد يومين، أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا، لتدخل أوروبا والعالم واحدة من أكثر المراحل دمويّة في التاريخ الحديث. وبعد 87 عاماً، تعود بولندا إلى واجهة المشهد الجيوسياسيّ والعسكريّ الأوروبيّ، وسط تصاعد المواجهة بين روسيا والغرب واتّساع العمليّات الأمنيّة والهجينة التي تطاول دولاً أوروبيّة عدّة.
فهل يمكن أن تتحوّل بولندا مجدّداً إلى نقطة انطلاق لحرب عالميّة، ولكن هذه المرّة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو)؟ وهل تشكّل حوادث التخريب والاختراقات الأمنيّة والاستعدادات العسكريّة والمدنيّة الأوروبيّة مؤشّرات إلى مواجهة قد تتجاوز حدود الحرب الأوكرانيّة؟
بين الموقع والتطورات
تحتلّ بولندا موقعاً استراتيجيّاً بالغ الحساسيّة، فهي تجاور بيلاروسيا الحليفة لموسكو وجيب كالينينغراد الروسيّ، وتشكل ممراً أساسيّاً للإمدادات العسكريّة الغربيّة إلى أوكرانيا. ومنذ اندلاع الحرب الروسيّة الأوكرانيّة عام 2022، رفعت وارسو إنفاقها الدفاعيّ وعملت على تحديث جيشها وتعزيز قدراته، فيما لم تعد المخاوف مقتصرة على المواجهة العسكريّة التقليديّة، بل امتدّت إلى ما يُعرف بالحرب الهجينة، التي تشمل التخريب والتجسّس والهجمات السيبرانيّة والتضليل واستهداف البنى التحتيّة.
وفي هذا السياق، برزت حادثة الحريق الذي اندلع في 23 أيلول/سبتمبر 2026 في منشأة اتّصالات مرتبطة بشبكة "ستارلينك" في منطقة فولا كروبوفسكا، قرب مدينة غروجيتس، على مسافة نحو 40 كيلومتراً من وارسو. وقد تضرّرت تجهيزات الطاقة والمولّد الاحتياطيّ في المحطّة، مما دفع التحقيقات البولنديّة إلى ترجيح فرضيّة التخريب المتعمّد. وفي 12 تشرين الأوّل/أكتوبر، أعلنت السلطات توقيف مواطنين تركيّين في ألمانيا للاشتباه بتورّطهما في إحراق المنشأة، فيما اتّهم مسؤولون بولنديّون الاستخبارات الروسيّة بالوقوف وراء العمليّة. واعتبر رئيس الحكومة دونالد توسك أنّ الحادثة تندرج في إطار الحرب الهجينة التي تستهدف بلاده.

لكنّ هذه العمليّات المشتبه في ارتباطها بروسيا لا تقتصر على بولندا. ففي رومانيا، أعلنت أجهزة الاستخبارات في 26 تشرين الأوّل 2026 كشف شبكة تخريب يُشتبه في تنسيقها من روسيا، على خلفيّة حريق استهدف منشأة صناعيّة في مقاطعة براشوف خلال أيلول، بالقرب من شركة حكوميّة مرتبطة بصناعة الأسلحة. كما تحدّثت السلطات عن مخطّطات لاستهداف منشآت صناعيّة وعسكريّة استراتيجيّة، مع توقيف مشتبه بهم في ألمانيا وبولندا.
وفي مولدوفا، تكرّرت حوادث دخول طائرات مسيّرة إلى المجال الجوّي وسقوط بعضها داخل الأراضي، فيما تصاعدت المخاوف في ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا من الاختراقات الجوّيّة وأعمال التخريب واستهداف البنية التحتيّة. وأظهر تحقيق صحافيّ أوروبيّ شاركت فيه مؤسّسات إعلاميّة من 17 دولة مئات الحوادث المسجّلة بين نيسان/أبريل ومنتصف تشرين الأوّل/أكتوبر 2026، شملت عمليّات تخريب ومحاولات اختراق أمنيّ وانتهاكات للمجالات الجوّيّة، يُشتبه في ارتباط عدد منها بروسيا، من دون أن تكون المسؤوليّة الروسيّة قد ثبتت قضائيّاً في جميعها.
تدابير احترازية محمومة
في موازاة هذه التطوّرات، عقدت إحدى عشرة دولة أوروبيّة اجتماعاً في هلسينكي في 16 نيسان 2026، ضمن الائتلاف الأوروبيّ للاستعداد المدنيّ والقدرة على الصمود. وضمّت المجموعة بلجيكا والدنمارك وإستونيا وفنلندا وألمانيا ولاتفيا وليتوانيا ولوكسمبورغ وهولندا وبولندا والسويد، وركّزت على تعزيز الاستعداد للأزمات وحماية البنى التحتيّة الحيويّة والتعاون بين المؤسّسات المدنيّة والعسكريّة. ويعكس هذا التحرّك انتقال أوروبا إلى مفهوم الدفاع المجتمعيّ الشامل، الذي لا يقتصر على حماية الجيوش، بل يشمل الكهرباء والمياه والاتّصالات والمستشفيات والنقل والإمدادات الغذائيّة.
ولعلّ المؤشّر الأكثر دلالة يتمثّل في انتقال الاستعدادات إلى المواطنين أنفسهم. ففي فنلندا والسويد وبولندا ودول البلطيق، تتوسّع برامج الدفاع المدنيّ وتجديد الملاجئ وأنظمة الإنذار المبكر والتدريب على مواجهة الطوارئ. وبحسب تقرير نشرته صحيفة "لوموند" الفرنسيّة في 26 تشرين الأوّل 2026، تمتلك بولندا نحو 86 ألف ملجأ قادرة على استيعاب قرابة 25 مليون شخص، فيما تحتفظ فنلندا بنحو 50,500 ملجأ. كما عزّزت السويد إرشاداتها للمواطنين بشأن تخزين الاحتياجات الأساسيّة والتعامل مع انقطاع الكهرباء والاتّصالات، بينما تشمل الاستعدادات الفنلنديّة مخزونات الحبوب والمواد الأساسيّة وتدريب السكّان على الإسعافات الأوّليّة.
وعلى المستوى العسكريّ، تشكّل القواعد الأميركيّة المنتشرة في ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وبولندا ورومانيا ركناً أساسيّاً في منظومة الردع الأطلسيّة. إلّا أنّ الوجود الأميركيّ في أوروبا أصبح موضع مراجعة استراتيجيّة خلال عام 2026، بعدما أعلنت واشنطن في أيّار قرارها خفض وجودها العسكريّ بنحو خمسة آلاف جنديّ، وإلغاء انتشار وحدات كان مقرّراً إرسالها إلى بولندا وألمانيا. وقد أثار ذلك تساؤلات أوروبيّة حول مستقبل الالتزام الأميركيّ بأمن القارّة، في وقت تسعى فيه وارسو إلى تعزيز الوجود العسكريّ الأميركيّ على أراضيها.
أليس الوضع مضبوطاً؟
تكمن خطورة المشهد في احتمال خروج حادث أمنيّ عن السيطرة. فاستهداف منشأة اتّصالات أو محطّة كهرباء أو قاعدة عسكريّة قد يفرض على الدولة المعنيّة الردّ، وإذا وقع هجوم مسلّح واضح على دولة عضو في حلف شمال الأطلسي، فقد تُطرح المادّة الخامسة من ميثاق الحلف، والتي تعتبر الهجوم على أحد أعضائه هجوماً على الجميع، وتفتح الباب أمام المساعدة الجماعيّة، بما فيها استخدام القوّة المسلّحة وفق قرارات الدول الأعضاء.
لا يعني ذلك أنّ أوروبا تعيش الظروف نفسها التي سبقت الحرب العالميّة الثانية، فالتوازنات الدوليّة مختلفة والسلاح النوويّ يجعل المواجهة المباشرة بين القوى الكبرى مغامرة كارثيّة. لكنّ التشابه التاريخيّ يستحقّ التوقّف عنده: فبولندا كانت عام 1939 نقطة التحوّل التي انتقل عندها التوتّر الأوروبيّ إلى حرب عالميّة، وهي اليوم تقف مجدّداً في موقع جغرافيّ حسّاس بين النفوذ الروسيّ والغربيّ.
وقد لا تبدأ أيّ مواجهة عالميّة جديدة باجتياح عسكريّ تقليديّ، بل ربّما بعمليّة تخريب واسعة أو هجوم إلكترونيّ أو سقوط صاروخ أو طائرة مسيّرة في منطقة حدوديّة، يتبعه تصعيد متبادل يصعب احتواؤه.
وفي المحصّلة، لا توجد مؤشّرات كافية للجزم بأنّ الحرب العالميّة الثالثة أصبحت وشيكة، لكنّ ما يجري في بولندا ورومانيا ومولدوفا ودول البلطيق، إلى جانب الاستعدادات المدنيّة والعسكريّة الأوروبيّة ومراجعة الانتشار الأميركيّ، يؤكّد أنّ القارّة دخلت مرحلة أمنيّة شديدة الحساسيّة.
وإذا كانت بولندا قد شكّلت عام 1939 بوّابة الحرب العالميّة الثانية، فهل تكون اليوم نقطة الانطلاق لمواجهة تعيد رسم خريطة العالم، أم تنجح الدبلوماسيّة في منع تحوّل الحرب الباردة الجديدة إلى مواجهة عالميّة ساخنة؟
نبض