سلامة الغذاء بين استعراض السلطة ومحاسبة النافذين... لماذا تحرّكت الدولة بعد انكشاف القضية

منبر 04-11-2026 | 21:53

سلامة الغذاء بين استعراض السلطة ومحاسبة النافذين... لماذا تحرّكت الدولة بعد انكشاف القضية

فجأة، صدرت التعليمات، واستُنفر مراقبو حماية المستهلك، ومُنحوا مهلة 48 ساعة لإعداد لوائح بالمستودعات المرخّصة وغير المرخّصة، والتدقيق في مصادر اللحوم وظروف تخزينها ونقلها وصلاحيتها.
سلامة الغذاء بين استعراض السلطة ومحاسبة النافذين... لماذا تحرّكت الدولة بعد انكشاف القضية
سوبرماركت في لبنان (صورة تعبيرية)
Smaller Bigger

عصام شلهوب

 

ليست المشكلة في أن يتحرّك وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط لضبط سوق اللحوم، بل في أن يأتي هذا التحرك بعد تفجّر قضية التسمّم الغذائي، وبعد تسليط الضوء على مطعم «ناديني» ومستودع «رهامكو»، وكأنّ سلامة الغذاء لا تستحق الاستنفار إلا عندما تتحوّل القضية إلى فضيحة إعلامية وتصبح الدولة تحت ضغط الرأي العام.

 

فجأة، صدرت التعليمات، واستُنفر مراقبو حماية المستهلك، ومُنحوا مهلة 48 ساعة لإعداد لوائح بالمستودعات المرخّصة وغير المرخّصة، والتدقيق في مصادر اللحوم وظروف تخزينها ونقلها وصلاحيتها. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: أين كانت هذه الرقابة قبل أن تنكشف القضية؟ وهل تحتاج الدولة إلى حادثة تسمّم وضجة إعلامية كي تكتشف أن مستودعات اللحوم قد تعمل خارج الأطر القانونية والصحية، وأن سلسلة التوريد قد تشكّل خطراً على صحة المواطنين؟

 

لكن الأخطر من تأخّر الرقابة هو ما يتصل بمسار التحقيقات ونتائج الفحوصات المخبرية. فقد أُخذت عينات من مطبخ المطعم وأخرى من المستودع المورّد للحوم، وأُحيلت إلى المختبر المختص. وبحسب المعطيات المتوافرة، صدرت  نتائج عينات المطعم خلال أربعة أيام، فيما لم تصدر نتائج عينات المستودع حتى الآن.

 

وهنا لا يجوز القفز إلى الاستنتاجات، كما لا يجوز إقفال باب الأسئلة. فإذا كان الفحص المخبري يحتاج إلى وقت إضافي، فما السبب؟ وهل خضعت العينات للإجراءات نفسها؟ ومتى أُخذت كل عينة؟ وما المهلة المحددة لإعلان النتائج؟ ولماذا لا تُوضع هذه المعطيات بتصرّف الجهات الرقابية والقضائية المعنية، بما يقطع الطريق على الشائعات والتأويلات؟

 

إنّ تأخر النتائج لا يشكّل بحد ذاته دليلاً على التلاعب أو التغطية، لكنه، في ظل حساسية القضية وما أثير حولها، يستوجب توضيحاً رسمياً لا يحتمل المواربة. فالثقة لا تُبنى بالصمت، ولا باستنفار المراقبين بعد وقوع الضرر، بل بإعلان الوقائع كاملة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، أياً يكن موقعه أو علاقاته.

 

أما محاولة تحويل النقاش إلى دفاع سياسي عن سلامة الغذاء، أو تقديم الإجراءات الوزارية وكأنها شهادة حسن سلوك مسبقة لأصحاب القرار، فهي لا تجيب عن الأسئلة الأساسية. سلامة الغذاء ليست إنجازاً يُسجَّل لوزير، ولا شعاراً يُرفع في المؤتمرات والاجتماعات الحكومية، بل واجب دائم يبدأ من المسلخ، ويمرّ بالمستودع ووسيلة النقل، وينتهي عند المطبخ والمائدة.

 

والأخطر أن تتحول القضية إلى محاسبة الحلقة الأخيرة في سلسلة التوريد، فيما تبقى الحلقات السابقة خارج دائرة التدقيق الجدي. فإذا كان المطعم قد خضع للإجراءات الرقابية، فمن الطبيعي أن يخضع المورّد للتدقيق نفسه، وأن تُحدّد المسؤوليات بناءً على الأدلة والنتائج المخبرية، لا على حجم الضجة الإعلامية أو نفوذ أصحاب المصالح.

 

ومن هنا، فإنّ المطلوب من الجهات المعنية ليس الاكتفاء بتكليف المراقبين إعداد لوائح بالمستودعات خلال 48 ساعة، بل نشر نتائج التحقيقات والفحوصات فور اكتمالها، وتوضيح الإجراءات المتخذة بحق كل جهة يثبت تورطها، والكشف عن مدى التزام المستودعات والمسالخ ووسائل النقل بالشروط القانونية والصحية.

 

أما الذين يتصدّرون المشهد للدفاع عن سلامة الغذاء من داخل السلطة، فعليهم أن يدركوا أن الدفاع الحقيقي عن صحة المواطنين لا يكون بتسويق الإجراءات، ولا باستثمار القضية سياسياً، ولا بإعطاء انطباع بأن الملف أصبح تحت السيطرة لمجرد انعقاد اجتماع حكومي أو صدور تعليمات وزارية.

 

الدفاع الحقيقي يكون بكشف الحقيقة كاملة، وبضمان عدم استثناء أي جهة من المساءلة، وبمنع أي نفوذ سياسي أو إداري من التأثير في مسار التحقيقات، إذا وُجدت محاولات من هذا النوع.

 

فإذا كانت الدولة جادة في حماية صحة المواطنين، فلتبدأ من مصدر اللحوم، ولتضع نتائج الفحوصات أمام الجهات المختصة، ولتعلن بوضوح من يتحمل المسؤولية. أما أن تتحرك بعد الفضيحة، ثم تطلب من الناس الاطمئنان إلى إجراءاتها من دون أجوبة واضحة، فذلك لا يعزز الثقة، بل يوسّع دائرة الشكوك.

 

سلامة الغذاء لا تُحمى بالشعارات، ولا تُقاس بعدد الاجتماعات والبيانات، بل بقدرة الدولة على تطبيق القانون على الجميع، من دون استثناء أو محاباة. وفي دولة القانون، لا حصانة لمستودع، ولا حماية لمورّد، ولا إدانة لمطعم قبل اكتمال التحقيقات. الحقيقة وحدها يجب أن تكون فوق الجميع.

 

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 11/2/2026 11:33:00 AM
اشتعلت أزمة إلهام شاهين ومرتضى منصور إثر تصريحاته القاسية ضدها على خلفية مهرجان الجونة السينمائي، لترد النجمة بحسم على لجان "السوشال ميديا" والمنتقدين.
فن ومشاهير 11/3/2026 10:03:00 AM

بإطلالةٍ استحضرت تراث الكرك وحملت دلالات التضامن، لفتت الملكة رانيا الأنظار في مراسم خطاب العرش بـ "المدرقة الكركية".


موضة وجمال 11/3/2026 9:19:00 AM
تألقت الأميرة رجوة الحسين في افتتاح مجلس الأمة الأردني بإطلالة ملكية راقية، معتمدة فستاناً أزرق بنقوش الزهور من Temperley London وحقيبة Saint Laurent.