هل يمكن تحقيق السلام العالمي في العودة إلى جذور المدرسة المثالية بعد إخفاق المدرسة الواقعية؟

منبر 03-11-2026 | 11:38

هل يمكن تحقيق السلام العالمي في العودة إلى جذور المدرسة المثالية بعد إخفاق المدرسة الواقعية؟

في قراءة تاريخية لمسار العلاقات الدولية وتطورها لحينه، طغت المدرسة الواقعية على عالمنا المعاصر على المدرسة المثالية.
هل يمكن تحقيق السلام العالمي في العودة إلى جذور المدرسة المثالية بعد إخفاق المدرسة الواقعية؟
"مضيق هرمز... عنق الاقتصاد العالمي" (تصميم "النهار").
Smaller Bigger

العميد الركن المتقاعد دكتور إلياس أبو جودة

 

 

في قراءة تاريخية لمسار العلاقات الدولية وتطورها لحينه، طغت المدرسة الواقعية على عالمنا المعاصر على المدرسة المثالية.
فالنظرية الواقعية الكلاسيكية والجديدة هي المنظور المهيمن في تحليل سياسات الدول العظمى التي تحتكر القوة العسكرية والاقتصادية، وتفترض أن السياسة العالمية تقوم على الصراع على القوة والمصلحة الوطنية في ظل غياب سلطة مركزية تحكم النظام الدولي.
وقد نشأت بعد الحرب العالمية الثانية كرد فعلٍ على المثالية في ثلاثينات القرن العشرين، وتهدف لدراسة وفهم سلوكيات الدول والعوامل المؤثرة في علاقاتها مع بعضها البعض.
• من أبرز الكتاب الواقعيين "هانس مورغنتو" صاحب كتاب "السياسة بين الأمم"، والذي يذكر فيه المبادئ الواقعية، حيث تتناول المدرسة مفهوم المصلحة القومية إلى جانب مفهومي القوة وميزان القوى؛ وهو مفهوم متجذر تاريخياً يصلح لأن يكون أداة تحليل سياسي في جميع مراحل العلاقات الدولية.
• هنري كيسنجر 1923: Henry Kissinger الذي شغل مناصب سياسية مهمة في الولايات المتحدة الأميركية، وعمل مستشاراً للأمن القومي، ووزيراً للخارجية الأميركية. إنه متبنٍ للواقعية ليس فقط على مستوى الممارسة العملية وإنما على المستوى الفكري الأكاديمي؛ فأطروحته للدكتوراه كانت بعنوان "عالم معاد البناء"، حيث درس فيها فترة توازن القوى في السياسة الدولية الأوروبية بعد الحرب النابليونية 1815 ولغاية الحرب العالمية الأولى 1914، وأوضح في دراسته أهمية توازن القوى في الحفاظ على استقرار النظام الدولي. وفي كتابه عن الدبلوماسية في الفكر الواقعي، ركز على القوة والمصلحة الوطنية وتوازن القوى في السياسة الدولية، بحيث لا تقتصر مصالح الدولة على ما ذُكر فقط، وإنما تمتد لتشمل كذلك مصالح يُشار لها بالسياسات العلياHigh Politics - وهي المتمثلة بقضية القوة العسكرية والسياسية، حيث تسيطر على اهتمامات وأولويات الدولة لتحقيق الأمن القومي، وتمتد لتشمل أيضاً مسائل السياسات الدنيا Low Politics المتمثلة بالتجارة والاقتصاد وغيرها. لذلك تستخدم الدولة قوتها لتحقيق أهدافها على المستويين الأمني والاقتصادي معاً.
• وقد أشار هذان المفكران إلى واقع الصراع بين فكر إيديولوجي عُرف باسم الحرب الباردة، ولم يكن مواجهة عسكرية مباشرة وشاملة بين القوتين العظميين، فاعتمدت على الاستقطاب، والسباق نحو التسلح، والأزمات الإقليمية.
ومن أبرز ملامح وطبيعة العلاقات الثنائية القطبية: انقسم العالم إلى معسكرين متنافسين تزعما قيادة النظام الدولي:
• المعسكر الغربي الرأسمالي: بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، مدعوماً بتحالفات عسكرية مثل حلف الناتو (NATO) وخطط اقتصادية مثل خطة مارشال.
• المعسكر الشرقي الاشتراكي: بقيادة الاتحاد السوفيتي السابق، مدعوماً بحلف وارسو ومنظمة الكوميكون.
الصراع الإيديولوجي: مواجهة فكرية بين المذهب الرأسمالي (القومية الفردية والحرية الاقتصادية) والمذهب الاشتراكي (الملكية الجماعية والحزب الواحد).
وقد فقدت الدول الأوروبية الكبرى (كفرنسا وبريطانيا) مكانتها كقوى مركزية تقود العالم، لصالح القوتين العظميين الجديدتين.
• وكان التحول إلى الأحادية القطبية: في عام 1991، ومع تفكك الاتحاد السوفياتي، انتهت الحرب الباردة ونظام الثنائية القطبية، ليصبح العالم تحت سيادة النظام أحادي القطب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.
• ومنذ ذلك التاريخ لا تزال مبادئ الواقعية السياسية الجديدة تطغى، خاصة في تحديد مصير العلاقات بين الدول، كما تتحكم في إدارة شؤون العالم بأكمله متخطية أحكام القانون الدولي الذي فشل في مفهوم منظري هذه المدرسة في تحقيق الاستقرار والعدالة بين الشعوب.
• بالمقابل، في إطار نقدي للنظرية الواقعية، لم تتوقف الحروب بين الدول، وما زال العالم يعيش في الفوضى البناءة في عصرنا الحاضر، وأكبر دليل على ذلك الحرب الروسية – الأوكرانية، والحرب الأميركية – الإيرانية، والحرب الإسرائيلية في غزة وجنوب لبنان وغيرها من النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية في أفريقيا وآسيا...
• وانطلاقاً من هذا الواقع الفوضوي، لا بد من العودة إلى الجذور المثالية في العلاقات الدولية من أجل تحقيق السلام وإعطاء فرصة جديدة للقانون الدولي والمنظمات الدولية والإقليمية.
فالمثالية التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى بدافع الرغبة بالقضاء على مسببات النزاعات والحروب، بإمكان الدول في عصرنا الحالي المتشرذم أن تبادر إلى إعادة إحياء هذه النظرية المثالية (أو الطوباوية) في العلاقات الدولية، التي هي مقاربة معيارية تركز على القيم الأخلاقية، والقانون الدولي، والمؤسسات، وانسجام المصالح بدلاً من التركيز على الصراع أو القوة.
فأساسيات المثالية:
تعطي الأولوية للأخلاق في العلاقات الفردية، وكذلك الدولية، وضرورة إطاعة القوانين ضمن إطار تحقيق مصالح الجماعة العليا.
إن اتجاه المثالية ذو طابع قانوني/أخلاقي، قائم على مسلمات فكر مثالي دولي يمقت الحرب ومسبباتها، وقد يستطيع من جديد تحقيق السلام العالمي.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 11/1/2026 7:02:00 PM
مشاهد لاتصال بين الرئيس السوري أحمد الشرع وآخر رئيس حكومة في عهد الأسد تكشف ترتيبات حماية مؤسسات الدولة وطمأنة السكان خلال الساعات الفاصلة قبل دخول المعارضة دمشق.
أوروبا 10/29/2026 10:18:00 PM
من بريطانيا وفرنسا إلى ألمانيا ودول الشمال الأوروبي والولايات المتحدة والهند وأستراليا، تتعدد توصيات الاستعداد للأزمات، من تخزين الطعام والمياه لعدة أيام إلى تجهيز حقائب الطوارئ تحسباً لتعطل الخدمات الأساسية والكوارث.
لبنان 11/1/2026 12:00:00 PM
معلومات "النهار" تشير إلى أن ممراً سريعاً داخل قاعة جديدة في مطار بيروت الدولي بات في مراحل تشييده الأخيرة، ويُتوقع أن تدخل هذه الخدمة حيز التنفيذ في غضون اسابيع .