فتيل

منبر 02-11-2026 | 09:53

فتيل

كانت سلوى تجلس كعادتها في صالة البيت، تدوّن رؤوس أقلام في مفكرتها وهي تتناول فطورها، على صوت فيروز المنبعث من المذياع، قبل أن تفتح اللابتوب المركون على الطاولة الصغيرة.
فتيل
تعبيرية
Smaller Bigger

محمد سعيد حميد - اليمن

 

 

كانت سلوى تجلس كعادتها في صالة البيت، تدوّن رؤوس أقلام في مفكرتها وهي تتناول فطورها، على صوت فيروز المنبعث من المذياع، قبل أن تفتح اللابتوب المركون على الطاولة الصغيرة.
الضوء الباهت كان ينزلق من النافذة ليلامس وجهها المتروك لوابل الأسئلة، وكنت جالساً بجانبها تحدّثني بين حين وآخر عن الحرية والوطن بصوت هادئ لا يخلو من الحدة أحياناً، وأنا أنصت مبهوراً، أظنّ أني أمام مشعل تنوير لدرجة أنسى كم سيجارة دخنت أمامها، لا أتنبه إلا حين تصرخ في وجهي مطالبةً إياي بالتوقف عن التدخين.
كانت لبقةً في حديثها، وتتعمد دائماً أن تعمل بروفات عندي قبل خروجها لندوة أو مقابلة على الهواء. تقرأ عبارة من مقالها الأخير، وتستنشق عطرها بزهو، وتعلق:
- عبارة سترددها الأجيال بفخر.
في الخارج، كانت المدينة تُقتل ببطء. أما سلوى، فكانت تبتسم وتقول:
- لكل تغيير ثمن.
وأنا، كعادتي، كنت أصفق لها كغيري من قرائها ومتابعيها، وأشارك منشوراتها.
ذات مساء والشمس توشك على لملمة أشعتها، رأيتها واقفة إلى جانب رجال لا أعرفهم أمام البيت وهي عائدة من العمل. لم تكن شقيقتي تعرف أنني رأيتها. كانت حركات أيديهم تدل على نقاش محتدم، وتوحي وعوداً متبادلة.
منذ ذلك المساء، صار صرير أصابعها على لوحة المفاتيح يشبه وطأة النصل على اللحم الحَيّ.
وحين حذّرتها:
- ستبكين كثيراً يا أختي، وستندمين على كل لحظة كنتِ فيها جزءاً من مشروع تمزيق وطنك.
سخرت مني، وقالت:
- إن الأوطان القديمة لا بد من أن تزال كي تولد أوطان حديثة. خاطرك أخي عندي اجتماع.
ذهبت إلى اجتماعها عبر الإنترنت مع ناشطين من وراء البحار.
بعد انتهاء الاجتماع انتقلت إلى صفحاتها، وبدأت تكتب وتعلّق وترد على منتقديها، مؤكدةً أن "المخاض إجباري لولادة نُظم جديدة".
تراجعت مشاركاتي شيئاً فشيئاً. لم تعد يداي تطاوعانني على التصفيق كما كنت أفعل بسذاجة. كان يتنازعني شعوران موجعان: خوف دائم على أختي من الهاوية التي تسير نحوها، وثقل ذنبٍ ينهشني لأنني شجّعتها يوماً على هذا الطريق. صرت أقرأ ما تكتبه بقلبٍ مقبوض، أرى الكلمات تنهمر كالألعاب النارية على الشاشة، وأعلم أنها في الحقيقة حجارة تلقى على سقوف الغائبين.
مرّت السنوات، وهوى الوطن فعلاً، لكن الوطن الجديد لم يولد. وحدها الخرائط تغيّرت، والخنادق اتّسعت، والشاشات الصغيرة تبث باستمرار صور الأنقاض والنزوح، والذين صفّقوا لها صاروا يتقاتلون على ما تبقّى من الحطام.
تذكرت تحذيري لها: "أتمنى أن أعيش حتى أذكّركِ بحماقتك."
ذات يوم بعد أن خفّت لقاءاتنا في البيت، رأيتها تحدّق في مشعلها المنطفئ.
قلت لها بهدوء، وأنا أضمها بيدي اليمنى في غرفتها:
- لم تكوني تحملين مشعلاً يا سلوى؛ كنتِ تحملين فتيلاً.
رفعت رأسها. نظرت إليّ وفي عينيها شيء يشبه البكاء.
لم تجبني. التفتت إلى المرآة، وأخذت منديلاً مبللاً ومسحت به المرآة. رأت وجهها محاطاً بظلال الذين فقدوا بيوتهم، وبأطفالٍ يبحثون عن أسماء قراهم في خرائط لم تعد موجودة.
ظل هاتفها يرنّ، فتجاهلته حتى أجابت أخيراً، فكان الخبر أن بيت صديقتها قد انهار على ساكنيه.
مدّت يدها إلى المشعل، تحاول إشعاله من جديد، لكن أصابعها ارتجفت.
انقطعت الكهرباء عن المدينة جراء الانفجارات المتكررة، فغرقت في الظلام.
كان الضوء الوحيد في الغرفة يأتي من شاشة هاتفها التي تعرض خبراً عاجلاً عن جولة جديدة من الاقتتال.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 11/1/2026 7:02:00 PM
مشاهد لاتصال بين الرئيس السوري أحمد الشرع وآخر رئيس حكومة في عهد الأسد تكشف ترتيبات حماية مؤسسات الدولة وطمأنة السكان خلال الساعات الفاصلة قبل دخول المعارضة دمشق.
أوروبا 10/29/2026 10:18:00 PM
من بريطانيا وفرنسا إلى ألمانيا ودول الشمال الأوروبي والولايات المتحدة والهند وأستراليا، تتعدد توصيات الاستعداد للأزمات، من تخزين الطعام والمياه لعدة أيام إلى تجهيز حقائب الطوارئ تحسباً لتعطل الخدمات الأساسية والكوارث.
اسرائيليات 11/1/2026 8:45:00 AM
صحيفة معاريف الإسرائيلية: "من المتوقع أن تكون مدن الساحل اللبناني، وخصوصاً صور وصيدا، من أبرز أهداف الهجمات"
لبنان 11/1/2026 12:00:00 PM
معلومات "النهار" تشير إلى أن ممراً سريعاً داخل قاعة جديدة في مطار بيروت الدولي بات في مراحل تشييده الأخيرة، ويُتوقع أن تدخل هذه الخدمة حيز التنفيذ في غضون اسابيع .