أغلال المجتمع في مرآة النفس
البروفسور حسّان فلحه
المدير العام لوزارة الإعلام
عندما يفقد الإنسان إحساس الآخر تجاهه، لا همّ إن لم يعرفه، ولكن يعلم أنه يحبه وفي داخله شيء أبدّي منه، فذلك ليس خبرا عابرا على ورق خجول، والإفصاح عنه يصبح أكثر انزواء في البال.
تمرغ العاطفة الإنسان في حضوره الخارجي، وتواسيه في ذاته العميقة. إنه صراع الأنا ضد الأنا. والنفس تلوذ بصمت الانقياد على مضض الشعور. هو ألم الاستجابة، لا معصية الذنب. أولى الهزائم هي تفوّق الجماعة على الفرد، فلا يرى ملامحه في مرآة نفسه، بل يراها في أغلال المجتمع واستبداده. استعباد طوعي في ظاهره، قمعي في باطنه، مثل الرضوخ للنصيب والقدر أو تلطي الضعفاء بحجج الخضوع لسردية قوانين الأقوياء. إنها سرمدية الدهر في إمعان القهر واعتلائه على فطرة النفس البشرية التي تروضها الجماعة بضوابط اعتقادية وأخلاقية تكتسب شرعيتها من تفوق النحن على الأنا وفق قواعد السلوك الاجتماعية، عندما تمعن في سجن روح الفرد، وتسلبه خصائصه، وتجرّده من مشاعره، كي يصبح وترا فردا في بنية المجتمع-الجماعة، وعددا رقما بين بنيان تشابكهما.
لم يتردد ابن خلدون في نزع صفة الكيانية الفردية عندما تحدث عن العصبية، ليحيلها علاقة قدرية بين الغالب والمغلوب، أو لعلها ضعفٌ يتبع القوة في جميع صفاتها، زاعما أن "المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب".
العقل الإنساني متعدد الطبقات الفكرية بين الواقعي المجرد والاعتباري المكون من تفاعل الذات وجموح الجماعة، أي مداراة المفاهيم بما يخدم الأهداف المادية تحت ضغط الاستجابة الجماعية لا بما يفترض أن يعمل به الفرد. وقد جزم كارل ماركس بذلك في عبارته الشهيرة: "ليس وعي الناس هو الذي يحدّد وجودهم، بل وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدّد وعيهم". وهنا تتشابه المجتمعات الحية كلها، بشريةً كانت أم غير بشريةٍ.
الأساطير القديمة، اليونانية ومثلها الفرعونيّة والآشورية هي المُؤسِسة للأخلاقيات العامة، حيث معظمها تُسيّد الجماعةَ شأنا عاما وتحيل الإنسان فردا خاصا ضمن كيانها المجتمعي المركب ووفق انتظامها. الأخلاق هي تطويع الذات الفردية على معايير الجماعة، وإن كانت طوعيةَ الظاهر في الاعتقاد والموروث، فإنها جبريةُ الالتزام في الممارسة والسلوك.
هي خطوط متوازية الحضور في علاقة جدلية بين سطوة الآلهة ومشروعية الحكم والسلطة، حيث تسخّر الجماعةُ مقدرات بطشها الآمرة على الفرد في خدمة الحاكم الذي يخدمه عبدان، الجماعةُ في انصياعها الصارم وتواطئها النفعي، والفردُ الذي يخدم سيدين في آن واحد: الحاكم والجماعة. هذه الأساطير التى تتمحور حول أصل العالم والحياة والموت والآخرة والخلود، وحول السلطة والصراع والنفوذ والمشروعية في الحكم والدولة والنظام، تستعين دائما وتتكل على أسس دينية واعتقادية واجتماعية وعاطفية متغيرة وفق حركة التاريخ الإنساني. والثابت الوحيد فيها أن لا شيء ثابت، وهذا معيار الحياة الأول، الركون إلى عدم الركون...
القضية ليست أن يستديم الفرد في مواجهة الحشد، بل أن يغدو المتمرد على الموروثات الرتيبة الجامدة التي تحد من الحرية الذاتية. هذه جدلية الصراع الأدنى بين الأنا والنحن. أما الصراع الأعمق فهو بين الأنا والأنا، بين نزق الجموح وصوابية الطموح، بين التفلت والانصياع.
المستقر في أحوال المجتمعات البشرية أن الإنسان كائن اجتماعي لا أسير بين الجماعة. هي أزمة عبور أخلاقي أو خلاف طبيعي على إقامة الحدود بين الأطراف، بين المرء وذاته، وبينه وبين محيطه، ونزاع على إقامة الحد على الأعراف والتقاليد والعادات وتبيان نبذ الموروثات ذات الغلو المتشدد المقيدة للفرد، وبين الارتباط اليسير والوثيق بين الوافد والمستجد. ليس الأمر في قطع العلاقة بين الماضي والحاضر أو بترها، بل عدم تنمر الأول على الآخر بانسياب التلاؤم بين الزوجين (بين الحدين). هذا الازدحام المعرفي يسير وفق حجم الدفق الفكري ويميل في مساراته على وقع الضوابط الأخلاقية و السلوكية.
اختصارا يا "أنا"، لم أجد الفهم الدقيق لهذه الظاهرة الإنسانية "أنت"، إنني أريد أن آخذ الذي لي، ويمنعني المجتمع أن أسرقه. إنه ليس لك. من زرع هذا الثقل في داخلنا والعالم يترقب الخيبة والمحاسبة، هذا الممنوع هو قمة العدالة في حضور الأنانية الفردية على الرغم من استبداد الجماعة واستعانتها بصرامة الدين وتقلب الدنيا. لست راضيا ولن أرضخ. المشكلة ليست أنا وأنت، بل الأنا والنحن، وغالبا الأنا والأنا.
نبض