التحوّل الرقمي "نهاية الإهدار وبداية الإصلاح"
عبدالله ناصرالدين
لم تعد الدولة الحديثة تُقاس بقدرتها على إدارة المعاملات الورقية، بل بمدى قدرتها على توظيف التكنولوجيا لتقديم خدمات سريعة وشفافة، وحماية المال العام، وتحقيق إيرادات عادلة ومستدامة. وفي لبنان، حيث تتراكم الأزمات المالية والإدارية، لم يعد التحوّل الرقمي ترفاً تقنياً، بل أصبح ضرورة وطنية لإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة ثقة المواطن بها.
يمتلك لبنان استراتيجية وطنية للتحوّل الرقمي 2020–2030، أُقرّت عام 2022، إلا أن التحدي الأساسي يبقى في الانتقال من الخطط إلى التنفيذ الشامل، وربط الإدارات من ضمن منظومة حكومية موحّدة.
تبدأ الخطة بإنشاء قيادة وطنية موحّدة للتحوّل الرقمي، بالتنسيق بين رئاسة مجلس الوزراء ووزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية ووزارة الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ووزارتي المال والاتصالات.
وتتولى هذه القيادة وضع جدول زمني ملزم، وتحديد أولويات التنفيذ، وتوحيد المعايير التقنية، ومراقبة النتائج. ويجب أن تبدأ بمسح شامل للمعاملات والإيرادات والنفقات والموارد البشرية في جميع الوزارات، تمهيداً لإلغاء الإجراءات المكررة، وربط قواعد البيانات، واعتماد الهوية الرقمية والتوقيع الإلكتروني والدفع الإلكتروني والأرشفة المركزية الآمنة.
ولا يكفي تحويل الورقة إلى ملف إلكتروني، المطلوب إعادة هندسة الإجراءات نفسها، بحيث تصبح المعاملة الرقمية أسرع وأقل كلفة، ويُمنع تكرار المستندات التي تملك الدولة بياناتها أصلاً.
ويمكن الذكاء الاصطناعي تحليل آلاف المعاملات المالية والإدارية، واكتشاف الأنماط غير الطبيعية، ومقارنة المبالغ المحصّلة بالمستحقات، ورصد العقود المتكررة والأسعار المبالغ فيها والتضارب المحتمل في المصالح.
وفي المشتريات العامة، يمكن الأنظمة الذكية مقارنة عروض الأسعار، والتنبيه إلى تجزئة المناقصات أو تكرار التلزيمات المشبوهة. وفي الموارد البشرية، يمكنها كشف الرواتب غير المتوافقة مع سجلات الموظفين، والدوام غير المبرر، والازدواجية في الاستفادة من بعض الخدمات.
لكن الذكاء الاصطناعي ليس قاضياً ولا بديلاً من الرقابة البشرية؛ بل أداة لتحديد المخاطر، على أن تخضع النتائج للتحقق والتدقيق، مع حماية البيانات الشخصية وحق الاعتراض، ومحاسبة المخالفين وفق القانون.
يتطلب نجاح المشروع أن تمتلك كل وزارة خطة رقمية خاصة مرتبطة بمنظومة وطنية واحدة:
- وزارة المال: رقمنة الضرائب والجمارك والأملاك، وتوحيد قواعد بيانات المكلفين، واعتماد الفوترة الإلكترونية، ومطابقة التصاريح مع حركة الاستيراد والعقارات والنشاط التجاري.
- وزارة الداخلية والبلديات: رقمنة السجلّات الشخصية والعقارية والبلدية، ورخص البناء والسير، وربط البلديات بمنصة موحدة لتحصيل الرسوم.
- وزارة العدل: إنشاء ملفات قضائية إلكترونية، وتتبع الدعاوى، وتسريع التبليغات، وتعزيز شفافية الرسوم والمواعيد.
- وزارة الاتصالات: توفير البنية الرقمية الآمنة، وتوسيع الإنترنت العالي السرعة من خلال بنية تحتية ملائمة، وتطوير الهوية الرقمية ومراكز البيانات الحكومية.
- وزارة الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: وضع معايير استخدام الذكاء الاصطناعي، وتطوير التطبيقات الحكومية، وتأهيل الكوادر.
- وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية: إعادة هندسة الإجراءات، وتحديث الهياكل الإدارية، وقياس أداء الموظفين والمؤسسات.
- وزارة الطاقة والمياه: تركيب العدادات الذكية، ورقمنة الفواتير، ومراقبة الاستهلاك والإهدار، وربط التحصيل بالخدمات، ووضع آليات واضحة لتزويد الأبنية الجديدة بعدادات، وإدراجها على الشبكة.
- وزارة الأشغال العامة والنقل: رقمنة رخص البناء والاستثمار، ومراقبة مشاريع الطرق والمرافئ والمطار وأكلاف تنفيذها.
- وزارة الصحة العامة: توحيد الملفات الصحية الإلكترونية، ومراقبة فواتير الاستشفاء والأدوية، وضبط الإنفاق الصحي.
- وزارة التربية والتعليم العالي: رقمنة التسجيل والامتحانات والشهادات، وربط المدارس والجامعات بمنظومة معلومات موحدة.
- وزارة الشؤون الاجتماعية: إنشاء سجل اجتماعي موحد، وتحديد المستفيدين من المساعدات وفق معايير معلنة، ومنع الازدواجية.
- وزارة العمل: رقمنة إجازات العمل والتصاريح، وربط بيانات المؤسسات والعمال، وتسهيل تحصيل الرسوم والاشتراكات بالتنسيق مع الضمان الاجتماعي.
- وزارة الاقتصاد والتجارة: رقمنة السجل التجاري، ومراقبة الأسعار، وتسهيل تسجيل الشركات، وتعزيز الرقابة على الأسواق.
- وزارة الصناعة: تبسيط تراخيص المصانع، ورقمنة بيانات الإنتاج والاستيراد والتصدير، وتطوير خدمات المستثمرين.
- وزارة الزراعة: تطوير سجل المزارعين وتزويده يمحرك ذكاء اصطناعي، وتوثيق الدعم والتعويضات، ومراقبة حركة المنتجات الزراعية، وتسهيل المعاملات والموافقات المرتبطة بالامن الغذائي وعملية الاستيراد والتصدير والشهادات والاذونات المطلوب الحصول عليها.
- وزارة البيئة: رقمنة تراخيص المؤسسات والمقالع والكسارات، ومراقبة الالتزام البيئي وإدارة النفايات.
- وزارة السياحة: رقمنة تراخيص المؤسسات السياحية، وربطها بالإيرادات والإشغالات والرسوم المستحقة.
- وزارة الثقافة: رقمنة الأرشيف الوطني والمواقع التراثية، وتسهيل التراخيص ومراقبة الإنفاق على المشاريع الثقافية.
- وزارة الإعلام: تطوير الأرشيف الإعلامي الرسمي، ونشر البيانات الحكومية المفتوحة، وتعزيز حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات.
- وزارة الخارجية والمغتربين: رقمنة المعاملات القنصلية، وحجز المواعيد، ومصادقة المستندات، وتسهيل معاملات اللبنانيين في الخارج.
- وزارة الدفاع الوطني: تحديث الأنظمة اللوجستية والإدارية والمشتريات من ضمن بيئة محمية تراعي مقتضيات الأمن الوطني.
- وزارة الشباب والرياضة: رقمنة تراخيص الأندية والاتحادات، وإدارة المنشآت الرياضية، ومتابعة المنح والإنفاق.
- وزارة المهجّرين: أرشفة الملفات التاريخية، ورقمنة المعاملات المتبقية، والتحقق من المستحقات والالتزامات القانونية تمهيداً لمعالجة هذا الملف وإغلاقه.
- وزارة الدولة لشؤون تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، إلى جانب وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية: تنسيق المعايير والبرامج المشتركة مع سائر الوزارات، ومنع تكرار الاستثمارات التقنية.
الجباية:
لا يمكن الدولة أن تستعيد توازنها المالي إذا بقيت الإيرادات رهينة المعاملات الورقية والتقديرات غير الدقيقة. لذلك، يجب إنشاء سجل موحد للرسوم والضرائب المستحقة، يربط بيانات المكلفين بالعقارات والشركات والتراخيص والفواتير، ويتيح الدفع الإلكتروني وإصدار إيصالات فورية.
كما ينبغي نشر تقارير دورية عن الإيرادات المتوقعة والمحصّلة، ونسب التحصيل والمتأخرات، مع إخضاع الأنظمة لتدقيق مستقل. ويجب أن تترافق هذه الخطوات مع تحديث القوانين، وتوحيد الإجراءات الضريبية، وتعزيز قدرات موظفي الجباية لتتلاءم مع النظام الجديد.
وقد أشار صندوق النقد الدولي، في خارطة الطريق التي أعدّها لتحديث الإدارة الضريبية اللبنانية عام 2025، إلى أن التحول الفعّال يتطلب إصلاح التنظيم والإجراءات والموارد البشرية والأنظمة التقنية معاً، لا الاكتفاء بشراء برامج جديدة.
ويمكن إطلاق المرحلة الأولى خلال 90 يوماً، عبر تحديد الخدمات ذات الأولوية، وإحصاء الإيرادات والمستحقات، ووضع مؤشرات أداء لكل وزارة. وخلال السنة الأولى، تُرقمن المعاملات الأكثر استخداماً، وتُطلق بوابة حكومية موحدة، وتُربط أنظمة الدفع والجباية تدريجاً. ثم تُوسّع المنظومة على مراحل، وفق نتائج قابلة للقياس.
ويتطلب ذلك تمويلاً واضحاً، ومناقصات شفافة، وتدريباً للموظفين، وتشريعات للتوقيع الإلكتروني وحماية البيانات والأمن السيبراني (ويمكن ذلك من خلال اطلاق شبكة انترنت وطنية داخلية) ، فضلاً عن رقابة ديوان المحاسبة والتفتيش المركزي والهيئات المختصة.
إن بناء الدولة الرقمية في لبنان ليس مشروعاً لشراء التكنولوجيا، بل لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة. فحين تصبح المعاملة قابلة للتتبع، والرسوم معلنة، والجباية موثقة، والإنفاق خاضعاً للرقابة، تتراجع فرص الإهدار والفساد، وتتحسن الخدمات، وتزداد قدرة الخزينة على تحصيل حقوقها. عندها فقط يصبح الذكاء الاصطناعي أداة للإصلاح، والتحوّل الرقمي مدخلاً إلى دولة حديثة، منتجة، وعادلة.
نبض