منبر
26-10-2026 | 10:27
من يملك القرار في حياة الطفل: الحارس أم القانون؟
عندما ينفصل الزوجان، لا تنتهي مسؤولياتهما تجاه أولادهما، بل تبدأ مرحلة أكثر حساسية، يُصبح فيها الطفل عرضة لأن يتحول من شخص يحتاج إلى الحماية إلى طرف غير مباشر في نزاع والديه.
تعبيرية
حبيب خلف - دكتور في القانون الكنسي
عندما ينفصل الزوجان، لا تنتهي مسؤولياتهما تجاه أولادهما، بل تبدأ مرحلة أكثر حساسية، يُصبح فيها الطفل عرضة لأن يتحول من شخص يحتاج إلى الحماية إلى طرف غير مباشر في نزاع والديه. فكيف توازن المحاكم الكنسية الكاثوليكية بين حقوق الوالدين ومصلحة الطفل الفضلى؟ إن حراسة الأولاد ليست مجرد تحديد للوالد الذي سيقيم الطفل في منزله، بل هي مسؤولية تتصل برعايته وتربيته وحمايته وتأمين احتياجاته الجسدية والنفسية والتربوية والدينية. والسؤال الجوهري هنا ليس: من انتصر في النزاع الزوجي؟ بل: كيف نضمن ألا يدفع الطفل ثمن هذا النزاع؟
أولاً: ماذا نعني بحراسة الأولاد؟ وهل هي نفسها السلطة الوالدية؟
من الضروري، قبل الخوض في صلاحيات الحارس، التمييز بين مفهوم الحراسة ومفهوم السلطة الوالدية. فالحراسة، وفق المصطلح المستعمل في قوانين الأحوال الشخصية الكاثوليكية اللبنانية، تتصل أساساً برعاية القاصر والاهتمام بشؤونه اليومية وتربيته وحفظه وتأمين احتياجاته المادية والمعنوية. أما السلطة الوالدية، فهي مفهوم أوسع يتصل بالحقوق والواجبات القانونية المترتبة على الأبوة والأمومة، ومنها تربية الأولاد وتمثيلهم قانوناً وإدارة شؤونهم وفقاً للأحكام النافذة.
وقد تناول قانون الأحوال الشخصية للطوائف الكاثوليكية في لبنان هذه المسائل في المواد 122 وما يليها؛ فعدّت المادة 122 أبرز حقوق السلطة الوالدية وواجباتها، بما يشمل إعالة الأولاد وحفظهم وتربيتهم جسدياً وأدبياً ودينياً ومدنياً، فضلاً عن التمثيل القانوني وإدارة الأموال وفقاً للضوابط المقررة.
ويترتب على هذا التمييز أنّ منح الحراسة لأحد الوالدين لا يعني، بمجرد صدور الحكم، أن جميع حقوق الوالد الآخر وواجباته قد زالت، كما لا يعني بالضرورة انتقال كل الصلاحيات القانونية إلى الحارس وحده. فالحراسة تتعلق بمن يرعى الطفل بصورة مباشرة، بينما تتصل السلطة الوالدية بمجموعة أوسع من المسؤوليات والحقوق التي يجب تحديد نطاقها بالاستناد إلى القانون والحكم القضائي وظروف الحالة. ومن هنا، فإن استعمال كلمتي الحراسة والسلطة الوالدية وكأنهما مترادفتان قد يؤدي إلى نتائج خاطئة، سواء في فهم الحكم القضائي أو في ممارسة الحقوق المتعلقة بالقاصر.
ثانياً: مصلحة الطفل الفضلى ليست تفصيلاً في الحكم القضائي
إن المبدأ الذي ينبغي أن يوجه كل قرار يتعلق بالأطفال هو مصلحتهم الفضلى لا مصلحة الأب أو الأم في كسب النزاع. ولا تعني عبارة «مصلحة الطفل الفضلى» مجرد توفير الطعام والملبس والمسكن، على أهمية هذه الاحتياجات. إنها مفهوم أشمل يتضمن سلامته الجسدية والنفسية، واستقراره العاطفي، واستمراره في التعليم، وحمايته من العنف والإهمال، وصون علاقته الآمنة بكل من والديه، متى كان ذلك ملائماً لظروفه ولا يعرضه للضرر. فقد يكون أحد الوالدين أكثر قدرة على توفير الإمكانات المادية، لكن ذلك لا يكفي وحده للحكم بأنه الأقدر على رعاية الطفل. وقد يكون الوالد الآخر أكثر قرباً منه من الناحية العاطفية، لكن هذا القرب لا يعفيه من واجب تأمين بيئة سليمة ومستقرة. لذلك، لا يجوز اختزال المصلحة الفضلى في معيار واحد، ولا افتراض أنها تتحقق تلقائياً بمجرد منح الحراسة للأب أو للأم. إنها عملية تقييم واقعية، تتطلب النظر إلى الظروف الخاصة بكل طفل، وعمره واحتياجاته، وقدرة كل من الوالدين على الرعاية، وطبيعة علاقته بهما، ومدى وجود مخاطر فعلية تهدد سلامته أو نموه.
ثالثاً: ماذا تقول القوانين الكنسية الكاثوليكية؟
على مستوى القانون الكنسي العام، يكرس قانون الكنائس الشرقية، الصادر عام 1990، في القانون 1136 خطورة واجب الوالدين وحقهما الأولي في بذل كل ما في وسعهما لضمان التنشئة الجسدية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية والدينية لأولادهما. ويكشف هذا النص عن جوهر المسؤولية الوالدية: إن تربية الطفل ليست امتيازاً شخصياً يستعمله أحد الوالدين لمواجهة الآخر، بل واجب ومسؤولية يرتبطان بحقوق الطفل نفسه. ومن المهم، في هذا الإطار، ألا يفهم القانون 1136 على أنه نص إجرائي يحسم وحده مسألة الحراسة بعد افتراق الزوجين؛ فهو يقرر واجباً وحقاً أصليين للوالدين، بينما يتطلب تحديد الحارس وصلاحياته الرجوع أيضاً إلى القواعد الخاصة بالأحوال الشخصية والإجراءات القضائية النافذة.
وتتناول المادة 122 من قانون الأحوال الشخصية للطوائف الكاثوليكية حقوق السلطة الوالدية وواجباتها، فيما تتناول المادتان 123 و124 موضوع الرضاعة ومدتها. ولا يصح الاستناد إلى هاتين المادتين وحدهما لاستنتاج أن صلاحيات الحراسة في جميع الأعمار والظروف محددة بصورة نهائية، أو أن مصلحة الطفل لا تؤخذ في الاعتبار خارج مدة الرضاعة. كما ينبغي التمييز بين النص التشريعي النافذ والاجتهاد القضائي والتعديلات أو المقترحات التي قد تكون موضع بحث. فوجود اتجاه قضائي إلى توسيع الاعتداد بمصلحة الطفل لا يعني، في حد ذاته، أن كل اقتراح لتعديل سن الحراسة أصبح قانوناً نافذاً. وهنا تبرز أهمية الاجتهاد الكنسي في تفسير النصوص وتطبيقها بما يراعي الواقع الأسري المتغير، من دون تجاهل القواعد القانونية التي تنظم صلاحيات المحكمة وحدود سلطتها.
رابعاً: هل يستطيع الحارس اتخاذ القرارات منفرداً؟
هذا السؤال من أكثر المسائل إثارة للنزاع بين الوالدين بعد الانفصال. من حيث المبدأ، يحتاج الحارس إلى صلاحية إدارة شؤون الطفل اليومية، كتنظيم حياته ومتابعة احتياجاته المعتادة. لكن هذه الصالحية لا تعني بالضرورة أنه يستطيع اتخاذ جميع القرارات الجوهرية بصورة منفردة. فهل يستطيع تغيير مدرسة الطفل من دون الرجوع إلى الوالد الآخر؟ وماذا عن عملية جراحية كبرى، أو تغيير محل الإقامة بصورة دائمة، أو السفر إلى الخارج، أو اتخاذ قرارات مؤثرة في تنشئته الدينية؟ لا يمكن إعطاء جواب موحد عن هذه الحالات، إذ يجب التمييز بين القرارات اليومية والقرارات الجوهرية، والرجوع إلى الحكم القضائي والقواعد القانونية النافذة وطبيعة كل إجراء. ففي حالات الطوارئ الطبية تكون سلامة الطفل أولوية، بينما قد تستوجب القرارات الكبرى غير الطارئة التحقق من صلاحيات كل من الوالدين والموافقات المطلوبة قانوناً. كذلك لا يجوز افتراض أن الحارس يستطيع التصرف بأموال القاصر لمجرد أنه يتولى رعايته اليومية، لأن إدارة أموال القاصرين تخضع لقواعد خاصة. إن الحراسة ليست تفويضاً مطلقاً، بل صلاحية غايتها حماية الطفل، لا إقصاء الوالد الآخر عن حياته.
خامساً: وماذا عن الوالد الذي لم تسند إليه الحراسة؟
عدم إسناد الحراسة إلى أحد الوالدين لا يعني، بحد ذاته، انتهاء دوره في حياة أولاده أو زوال جميع حقوقه وواجباته. لكن المشاركة في حياة الطفل لا تعني أيضاً أن موافقة الوالدين مطلوبة حكماً لكل إجراء، أو أن أحدهما يستطيع تعطيل القرارات الضرورية لمجرد الخلاف مع الآخر. وعندما يتعذر الاتفاق بشأن مسألة جوهرية، ينبغي الرجوع إلى المرجع القضائي المختص، بدلاً من فرض الأمر الواقع أو تحويل الطفل إلى وسيلة ضغط متبادل. كما يجب أن تستمع المحكمة إلى رأي الطفل بما يتناسب مع سنه ونضجه، من دون تحميله مسؤولية الاختيار بين أبيه وأمه. فالطفل يحتاج إلى أن يُسمع صوته، لا أن يُطلب منه حسم النزاع.
سادساً: الحراسة المشتركة بين الوالدين، حل لمصلحة الطفل أم مصدر لنزاع جديد؟
برزت في بعض المحاكم الروحية اللبنانية توجهات نحو إقرار الحراسة المشتركة للأولاد، في محاولة لتكريس دور كلا الوالدين في حياة أبنائهما، حتى بعد الانفصال. لكن هذا التوجه يطرح إشكالية قانونية وعملية، إذ لا يظهر في قانون الأحوال الشخصية للطوائف الكاثوليكية نص صريح ومتكامل ينظم الحراسة المشتركة وآليات تطبيقها، رغم أن بعض الاجتهادات القضائية اتجهت إلى اعتمادها استناداً إلى السلطة التقديرية للمحكمة ومصلحة الطفل الفضلى. وقد يستلهم بعض القضاة الحلول المقارنة، ومنها القانون الفرنسي الذي يجيز، بموجب المادة 373-2-9 من القانون المدني، تحديد إقامة الطفل بالتناوب لدى كل من والديه. لكن الاستناد إلى القانون الفرنسي في القضاء الكنسي اللبناني لا يجعله قانوناً واجب التطبيق تلقائياً، بل يستلزم تحديد الأساس القانوني الذي يسمح بالاستئناس به ومدى توافقه مع النظام القانوني الكنسي المعني.
ولا تخلو الحراسة المشتركة من مخاطر، إذ قد تتحول، في ظل الخصومة الحادة وغياب التعاون، إلى مصدر دائم للتضارب في القرارات المتعلقة بالتعليم والعلاج والتنشئة والإقامة. كما يثار التساؤل حول إمكانية توزيع الأولاد بين الوالدين، وما إذا كان ذلك قد يؤدي إلى فصل الإخوة عن بعضهم، بما يهدد استقرارهم النفسي والعائلي. ولا يعني ذلك أن الحراسة المشتركة تقتضي بالضرورة تقسيم الأولاد أو إقامتهم بالتناوب، فهذه ترتيبات مختلفة ينبغي التمييز بينها. لذلك، فإن نجاح هذا النموذج لا يتوقف على إعلان المساواة بين الوالدين فحسب، بل على وجود قواعد واضحة تحدد صلاحيات كل منهما، وآلية حسم الخلاف عند تعذر الاتفاق، مع إخضاع الترتيبات جميعها لمصلحة الطفل الفضلى. فهل تكفي رغبة المحكمة في تحقيق المساواة بين الوالدين لتبرير الحراسة المشتركة، أم أن نجاحها يتطلب أولاً إطاراً قانونياً واضحاً يضمن ألا تتحول حياة الطفل إلى تنقل دائم بين إرادتين متعارضتين؟
من هنا، فإن تطوير القضاء الكنسي لا يتحقق بمجرد إصدار أحكام تمنح الحراسة للأب أو للأم، بل من خلال بناء مقاربة تجعل مصلحة الطفل معياراً عملياً قابلاً للتقييم، وتضمن أن تكون القرارات معلّلة بظروف القضية، وأن تظلّ قابلة للمراجعة، وفقاً للأصول القانونية عندما تتغير الظروف أو تظهر مخاطر جديدة.
خاتمة: لمن تكون الحراسة، ولمن تكون الأولوية؟
إن الطفل ليس امتداداً لحقوق أبيه، ولا ملكاً لأمه، ولا ورقة تفاوض في نزاع زوجيّ. إنه شخص له كرامته وحقوقه واحتياجاته الخاصة، وتستوجب حمايته أن تتكامل مسؤولية الوالدين مع دور القضاء. إن منح الحراسة لأحد الوالدين لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإلغاء الآخر من حياة الطفل، كما أن التمسك بالسلطة الوالدية لا يجوز أن يصبح مبرراً للتدخّل التعسفيّ في حياة الحارس أو تعطيل القرارات الضرورية لرعاية القاصر. والأهمّ أن مصلحة الطفل الفضلى ليست شعاراً يُستعمل لتبرير القرار الذي نرغب فيه، بل هي معيار يجب أن يخضع للفحص والتعليل والإثبات وفقاً لظروف كلّ حالة تُطبق.
وإذا كان القانون يمنح أحد الوالدين حق الحراسة، فهل يعني ذلك أنه يملك وحده حق تقرير مستقبل الطفل؟ وإذا كانت السلطة الوالدية مسؤولية مشتركة في أصلها، فكيف نمنع تحوّلها إلى صراع دائم بين طرفين لم يعودا قادرين على الاتفاق؟ وبكيفية اتخاذ القرارات المتعلّقة بتعليمه وصحته وتنشئته وعلاقاته الأسرية؟ وإلى أيّ مدى ينبغي أن يكون لرأي الطفل أثر في القرارات التي تحدّد حياته، من دون أن نحمله مسؤولية الاختيار بين والديه؟
أخيراً، عندما يتعارض حق أحد الوالدين مع مصلحة الطفل، فهل يجب أن تكون الأولوية دائماً للحق المجرّد، أم أن قيمة هذا الحق تُقاس أيضاً بمدى توافق ممارسته مع الغاية التي وُجد من أجلها؟
لعلّ السؤال الأهمّ الذي ينبغي أن يبقى أمام كلّ محكمة وكل والد هو: هل نريد أن نكسب النزاع على أولادنا، أم أن نحميهم من أن يخسروا طفولتهم بسببه؟
عندما ينفصل الزوجان، لا تنتهي مسؤولياتهما تجاه أولادهما، بل تبدأ مرحلة أكثر حساسية، يُصبح فيها الطفل عرضة لأن يتحول من شخص يحتاج إلى الحماية إلى طرف غير مباشر في نزاع والديه. فكيف توازن المحاكم الكنسية الكاثوليكية بين حقوق الوالدين ومصلحة الطفل الفضلى؟ إن حراسة الأولاد ليست مجرد تحديد للوالد الذي سيقيم الطفل في منزله، بل هي مسؤولية تتصل برعايته وتربيته وحمايته وتأمين احتياجاته الجسدية والنفسية والتربوية والدينية. والسؤال الجوهري هنا ليس: من انتصر في النزاع الزوجي؟ بل: كيف نضمن ألا يدفع الطفل ثمن هذا النزاع؟
أولاً: ماذا نعني بحراسة الأولاد؟ وهل هي نفسها السلطة الوالدية؟
من الضروري، قبل الخوض في صلاحيات الحارس، التمييز بين مفهوم الحراسة ومفهوم السلطة الوالدية. فالحراسة، وفق المصطلح المستعمل في قوانين الأحوال الشخصية الكاثوليكية اللبنانية، تتصل أساساً برعاية القاصر والاهتمام بشؤونه اليومية وتربيته وحفظه وتأمين احتياجاته المادية والمعنوية. أما السلطة الوالدية، فهي مفهوم أوسع يتصل بالحقوق والواجبات القانونية المترتبة على الأبوة والأمومة، ومنها تربية الأولاد وتمثيلهم قانوناً وإدارة شؤونهم وفقاً للأحكام النافذة.
وقد تناول قانون الأحوال الشخصية للطوائف الكاثوليكية في لبنان هذه المسائل في المواد 122 وما يليها؛ فعدّت المادة 122 أبرز حقوق السلطة الوالدية وواجباتها، بما يشمل إعالة الأولاد وحفظهم وتربيتهم جسدياً وأدبياً ودينياً ومدنياً، فضلاً عن التمثيل القانوني وإدارة الأموال وفقاً للضوابط المقررة.
ويترتب على هذا التمييز أنّ منح الحراسة لأحد الوالدين لا يعني، بمجرد صدور الحكم، أن جميع حقوق الوالد الآخر وواجباته قد زالت، كما لا يعني بالضرورة انتقال كل الصلاحيات القانونية إلى الحارس وحده. فالحراسة تتعلق بمن يرعى الطفل بصورة مباشرة، بينما تتصل السلطة الوالدية بمجموعة أوسع من المسؤوليات والحقوق التي يجب تحديد نطاقها بالاستناد إلى القانون والحكم القضائي وظروف الحالة. ومن هنا، فإن استعمال كلمتي الحراسة والسلطة الوالدية وكأنهما مترادفتان قد يؤدي إلى نتائج خاطئة، سواء في فهم الحكم القضائي أو في ممارسة الحقوق المتعلقة بالقاصر.
ثانياً: مصلحة الطفل الفضلى ليست تفصيلاً في الحكم القضائي
إن المبدأ الذي ينبغي أن يوجه كل قرار يتعلق بالأطفال هو مصلحتهم الفضلى لا مصلحة الأب أو الأم في كسب النزاع. ولا تعني عبارة «مصلحة الطفل الفضلى» مجرد توفير الطعام والملبس والمسكن، على أهمية هذه الاحتياجات. إنها مفهوم أشمل يتضمن سلامته الجسدية والنفسية، واستقراره العاطفي، واستمراره في التعليم، وحمايته من العنف والإهمال، وصون علاقته الآمنة بكل من والديه، متى كان ذلك ملائماً لظروفه ولا يعرضه للضرر. فقد يكون أحد الوالدين أكثر قدرة على توفير الإمكانات المادية، لكن ذلك لا يكفي وحده للحكم بأنه الأقدر على رعاية الطفل. وقد يكون الوالد الآخر أكثر قرباً منه من الناحية العاطفية، لكن هذا القرب لا يعفيه من واجب تأمين بيئة سليمة ومستقرة. لذلك، لا يجوز اختزال المصلحة الفضلى في معيار واحد، ولا افتراض أنها تتحقق تلقائياً بمجرد منح الحراسة للأب أو للأم. إنها عملية تقييم واقعية، تتطلب النظر إلى الظروف الخاصة بكل طفل، وعمره واحتياجاته، وقدرة كل من الوالدين على الرعاية، وطبيعة علاقته بهما، ومدى وجود مخاطر فعلية تهدد سلامته أو نموه.
ثالثاً: ماذا تقول القوانين الكنسية الكاثوليكية؟
على مستوى القانون الكنسي العام، يكرس قانون الكنائس الشرقية، الصادر عام 1990، في القانون 1136 خطورة واجب الوالدين وحقهما الأولي في بذل كل ما في وسعهما لضمان التنشئة الجسدية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية والدينية لأولادهما. ويكشف هذا النص عن جوهر المسؤولية الوالدية: إن تربية الطفل ليست امتيازاً شخصياً يستعمله أحد الوالدين لمواجهة الآخر، بل واجب ومسؤولية يرتبطان بحقوق الطفل نفسه. ومن المهم، في هذا الإطار، ألا يفهم القانون 1136 على أنه نص إجرائي يحسم وحده مسألة الحراسة بعد افتراق الزوجين؛ فهو يقرر واجباً وحقاً أصليين للوالدين، بينما يتطلب تحديد الحارس وصلاحياته الرجوع أيضاً إلى القواعد الخاصة بالأحوال الشخصية والإجراءات القضائية النافذة.
وتتناول المادة 122 من قانون الأحوال الشخصية للطوائف الكاثوليكية حقوق السلطة الوالدية وواجباتها، فيما تتناول المادتان 123 و124 موضوع الرضاعة ومدتها. ولا يصح الاستناد إلى هاتين المادتين وحدهما لاستنتاج أن صلاحيات الحراسة في جميع الأعمار والظروف محددة بصورة نهائية، أو أن مصلحة الطفل لا تؤخذ في الاعتبار خارج مدة الرضاعة. كما ينبغي التمييز بين النص التشريعي النافذ والاجتهاد القضائي والتعديلات أو المقترحات التي قد تكون موضع بحث. فوجود اتجاه قضائي إلى توسيع الاعتداد بمصلحة الطفل لا يعني، في حد ذاته، أن كل اقتراح لتعديل سن الحراسة أصبح قانوناً نافذاً. وهنا تبرز أهمية الاجتهاد الكنسي في تفسير النصوص وتطبيقها بما يراعي الواقع الأسري المتغير، من دون تجاهل القواعد القانونية التي تنظم صلاحيات المحكمة وحدود سلطتها.
رابعاً: هل يستطيع الحارس اتخاذ القرارات منفرداً؟
هذا السؤال من أكثر المسائل إثارة للنزاع بين الوالدين بعد الانفصال. من حيث المبدأ، يحتاج الحارس إلى صلاحية إدارة شؤون الطفل اليومية، كتنظيم حياته ومتابعة احتياجاته المعتادة. لكن هذه الصالحية لا تعني بالضرورة أنه يستطيع اتخاذ جميع القرارات الجوهرية بصورة منفردة. فهل يستطيع تغيير مدرسة الطفل من دون الرجوع إلى الوالد الآخر؟ وماذا عن عملية جراحية كبرى، أو تغيير محل الإقامة بصورة دائمة، أو السفر إلى الخارج، أو اتخاذ قرارات مؤثرة في تنشئته الدينية؟ لا يمكن إعطاء جواب موحد عن هذه الحالات، إذ يجب التمييز بين القرارات اليومية والقرارات الجوهرية، والرجوع إلى الحكم القضائي والقواعد القانونية النافذة وطبيعة كل إجراء. ففي حالات الطوارئ الطبية تكون سلامة الطفل أولوية، بينما قد تستوجب القرارات الكبرى غير الطارئة التحقق من صلاحيات كل من الوالدين والموافقات المطلوبة قانوناً. كذلك لا يجوز افتراض أن الحارس يستطيع التصرف بأموال القاصر لمجرد أنه يتولى رعايته اليومية، لأن إدارة أموال القاصرين تخضع لقواعد خاصة. إن الحراسة ليست تفويضاً مطلقاً، بل صلاحية غايتها حماية الطفل، لا إقصاء الوالد الآخر عن حياته.
خامساً: وماذا عن الوالد الذي لم تسند إليه الحراسة؟
عدم إسناد الحراسة إلى أحد الوالدين لا يعني، بحد ذاته، انتهاء دوره في حياة أولاده أو زوال جميع حقوقه وواجباته. لكن المشاركة في حياة الطفل لا تعني أيضاً أن موافقة الوالدين مطلوبة حكماً لكل إجراء، أو أن أحدهما يستطيع تعطيل القرارات الضرورية لمجرد الخلاف مع الآخر. وعندما يتعذر الاتفاق بشأن مسألة جوهرية، ينبغي الرجوع إلى المرجع القضائي المختص، بدلاً من فرض الأمر الواقع أو تحويل الطفل إلى وسيلة ضغط متبادل. كما يجب أن تستمع المحكمة إلى رأي الطفل بما يتناسب مع سنه ونضجه، من دون تحميله مسؤولية الاختيار بين أبيه وأمه. فالطفل يحتاج إلى أن يُسمع صوته، لا أن يُطلب منه حسم النزاع.
سادساً: الحراسة المشتركة بين الوالدين، حل لمصلحة الطفل أم مصدر لنزاع جديد؟
برزت في بعض المحاكم الروحية اللبنانية توجهات نحو إقرار الحراسة المشتركة للأولاد، في محاولة لتكريس دور كلا الوالدين في حياة أبنائهما، حتى بعد الانفصال. لكن هذا التوجه يطرح إشكالية قانونية وعملية، إذ لا يظهر في قانون الأحوال الشخصية للطوائف الكاثوليكية نص صريح ومتكامل ينظم الحراسة المشتركة وآليات تطبيقها، رغم أن بعض الاجتهادات القضائية اتجهت إلى اعتمادها استناداً إلى السلطة التقديرية للمحكمة ومصلحة الطفل الفضلى. وقد يستلهم بعض القضاة الحلول المقارنة، ومنها القانون الفرنسي الذي يجيز، بموجب المادة 373-2-9 من القانون المدني، تحديد إقامة الطفل بالتناوب لدى كل من والديه. لكن الاستناد إلى القانون الفرنسي في القضاء الكنسي اللبناني لا يجعله قانوناً واجب التطبيق تلقائياً، بل يستلزم تحديد الأساس القانوني الذي يسمح بالاستئناس به ومدى توافقه مع النظام القانوني الكنسي المعني.
ولا تخلو الحراسة المشتركة من مخاطر، إذ قد تتحول، في ظل الخصومة الحادة وغياب التعاون، إلى مصدر دائم للتضارب في القرارات المتعلقة بالتعليم والعلاج والتنشئة والإقامة. كما يثار التساؤل حول إمكانية توزيع الأولاد بين الوالدين، وما إذا كان ذلك قد يؤدي إلى فصل الإخوة عن بعضهم، بما يهدد استقرارهم النفسي والعائلي. ولا يعني ذلك أن الحراسة المشتركة تقتضي بالضرورة تقسيم الأولاد أو إقامتهم بالتناوب، فهذه ترتيبات مختلفة ينبغي التمييز بينها. لذلك، فإن نجاح هذا النموذج لا يتوقف على إعلان المساواة بين الوالدين فحسب، بل على وجود قواعد واضحة تحدد صلاحيات كل منهما، وآلية حسم الخلاف عند تعذر الاتفاق، مع إخضاع الترتيبات جميعها لمصلحة الطفل الفضلى. فهل تكفي رغبة المحكمة في تحقيق المساواة بين الوالدين لتبرير الحراسة المشتركة، أم أن نجاحها يتطلب أولاً إطاراً قانونياً واضحاً يضمن ألا تتحول حياة الطفل إلى تنقل دائم بين إرادتين متعارضتين؟
من هنا، فإن تطوير القضاء الكنسي لا يتحقق بمجرد إصدار أحكام تمنح الحراسة للأب أو للأم، بل من خلال بناء مقاربة تجعل مصلحة الطفل معياراً عملياً قابلاً للتقييم، وتضمن أن تكون القرارات معلّلة بظروف القضية، وأن تظلّ قابلة للمراجعة، وفقاً للأصول القانونية عندما تتغير الظروف أو تظهر مخاطر جديدة.
خاتمة: لمن تكون الحراسة، ولمن تكون الأولوية؟
إن الطفل ليس امتداداً لحقوق أبيه، ولا ملكاً لأمه، ولا ورقة تفاوض في نزاع زوجيّ. إنه شخص له كرامته وحقوقه واحتياجاته الخاصة، وتستوجب حمايته أن تتكامل مسؤولية الوالدين مع دور القضاء. إن منح الحراسة لأحد الوالدين لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإلغاء الآخر من حياة الطفل، كما أن التمسك بالسلطة الوالدية لا يجوز أن يصبح مبرراً للتدخّل التعسفيّ في حياة الحارس أو تعطيل القرارات الضرورية لرعاية القاصر. والأهمّ أن مصلحة الطفل الفضلى ليست شعاراً يُستعمل لتبرير القرار الذي نرغب فيه، بل هي معيار يجب أن يخضع للفحص والتعليل والإثبات وفقاً لظروف كلّ حالة تُطبق.
وإذا كان القانون يمنح أحد الوالدين حق الحراسة، فهل يعني ذلك أنه يملك وحده حق تقرير مستقبل الطفل؟ وإذا كانت السلطة الوالدية مسؤولية مشتركة في أصلها، فكيف نمنع تحوّلها إلى صراع دائم بين طرفين لم يعودا قادرين على الاتفاق؟ وبكيفية اتخاذ القرارات المتعلّقة بتعليمه وصحته وتنشئته وعلاقاته الأسرية؟ وإلى أيّ مدى ينبغي أن يكون لرأي الطفل أثر في القرارات التي تحدّد حياته، من دون أن نحمله مسؤولية الاختيار بين والديه؟
أخيراً، عندما يتعارض حق أحد الوالدين مع مصلحة الطفل، فهل يجب أن تكون الأولوية دائماً للحق المجرّد، أم أن قيمة هذا الحق تُقاس أيضاً بمدى توافق ممارسته مع الغاية التي وُجد من أجلها؟
لعلّ السؤال الأهمّ الذي ينبغي أن يبقى أمام كلّ محكمة وكل والد هو: هل نريد أن نكسب النزاع على أولادنا، أم أن نحميهم من أن يخسروا طفولتهم بسببه؟
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
10/24/2026 2:28:00 PM
أثار الروائي الجزائري حامد ياسين تعاطفاً واسعاً بعد انتشار فيديو لبكائه خلال حفل توقيع روايته "الصحراء عاصمة الضباب"، في مشهد أعاد النقاش حول أزمة القراءة والترويج للكتب.
فن ومشاهير
10/24/2026 11:25:00 AM
أسدل الستار على فعاليات ختام مهرجان الجونة السينمائي 2026 وسط أجواء مفعمة بالبهجة ورقص النجوم، إلى جانب تتويج أبرز الأفلام وتألق النجمات بإطلالات ساحرة.
رياضة
10/6/2026 7:59:00 PM
أوضح كريملوف أن بطولة العالم تمثل البطولة الأهم على أجندة الاتحاد، مشيراً إلى أن قيمة جوائز النسخة السابقة التي أقيمت في دبي بلغت 8 ملايين دولار، فيما سترتفع إلى 20 مليون دولار في النسخة المقبلة.
رياضة
10/22/2026 12:36:00 PM
يطلق الاتحاد اللبناني الرياضي للجامعات موسم بطولاته الجديد بخمس رياضات ويضيف منافسات جديدة لتعزيز الرياضة الجامعية في لبنان، ليرتفع عددها إلى 42 رياضة.
نبض