أزمة الجنوب السوري وتصريحات توم باراك... تبرير التوغّل واختزال المشكلة
تحليل لأزمة الجنوب السوري من اتفاق 1974 إلى التدخلات الإسرائيلية والإيرانية وأثرها على الوضع السوري وأزمة السويداء الراهنة.
خالد حرب*
لا أبالغ إن قلت إن المبعوث الأميركي إلى العراق وسوريا توم باراك لا يعرف تاريخ عالمنا العربي عموماً، وتاريخ سوريا ولبنان خصوصاً. فالتضارب الفاضح في تصريحاته يدلّ، للأسف، على مزيج من الجهل والتعامي، وتقديري أن ثمة شخصيات أكثر صلاحية وخبرة منه في الإدارة الأميركية لإدارة الوضع السوري.
من اتفاق 1974 إلى التدخل الإيراني
بداية، بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، وُقّع في عام 1974 اتفاق فضّ الاشتباك السوري – الإسرائيلي برعاية أميركية، ما وضع حداً للمواجهات العسكرية المباشرة بين الطرفين، وأرسى هدوءاً استمر سنوات طويلة على الجبهة السورية.
وعندما انطلقت انتفاضة السوريين ضد نظام بشار الأسد، ودخل حزب الله ومعه الحرس الثوري الإيراني إلى سوريا لدعم النظام بآلاف المقاتلين، تحركت إسرائيل بقوة ضد وجود الحزب في سوريا، خصوصاً في جنوبها، حيث استطاع حزب الله تشكيل خلايا له، وهذه حقيقة لا مفر من الاعتراف بها. كذلك انتشر الحزب في ريف دمشق وحمص والمنطقة الشرقية، وكانت محاولات شراء الولاءات بالمنافع المادية واضحة في أكثر من منطقة، في سياق محاولات نشر التشيّع، وإن بقي هذا الأمر محدوداً نسبياً.
تحركت الآلة العسكرية الإسرائيلية، وبدأت تستهدف كل موقع يُشتبه بوجود حزب الله فيه، إلى جانب الميليشيات العراقية وغيرها، التي انتشرت كالنار في الهشيم لدعم نظام سفك دماء شعبه بلا خجل أو استحياء. وتوالت الضربات الإسرائيلية بكثافة، ومنها استهداف مبنى القنصلية الإيرانية في دمشق، ومنازل كانت تُستخدم مقارّ لحزب الله وإيران. وكان التركيز في الجنوب على ضرب أي وجود للحزب وميليشياته قرب خطوط فصل القوات المحددة في اتفاق عام 1974.
التوغّل الإسرائيلي سبق أزمة السويداء
مع سقوط النظام وخروج حزب الله وإيران رسمياً من سوريا، شنّت إسرائيل ضربات واسعة على مقدرات الجيش السوري، من أسلحة وطائرات ودبابات ومدافع وغيرها. وباختصار، وجّهت ضربة قاصمة إلى القوة العسكرية السورية. ولم تكتفِ بالقصف، بل توغلت برّاً بحجة حماية أمنها وحدودها، قبل اندلاع أزمة السويداء بأشهر عديدة.
هذه نقطة أساسية في الرد على باراك، إذ تؤكد أن المشروع الإسرائيلي كان مبيّتاً، سواء اندلعت أزمة السويداء أم لم تندلع. وعندما نشأت أزمة السويداء وجد الجميع أنفسهم متورطين في قضية كان يمكن قطعاً تجنبها لو تغلّب العقل والحكمة على مواقف القوى الفاعلة. هنا، ظهر التدخل الإسرائيلي سافراً، تحت ذريعة حماية السويداء وأهلها، وهذا كذب مفضوح.
وهنا تبرز نقطة ثانية: باراك يختصر مشكلة الجنوب السوري بالهجري، متجاهلاً حقيقة التوغّل الإسرائيلي، بل إنه يشرعنه بحجة حماية أمن إسرائيل.
هل تنتهي الأزمة بإبعاد الهجري؟
لنفترض أن السويداء أصبحت، كدرعا والقنيطرة، في كنف الدولة السورية. فهل تُحلّ عندها مشكلة الجنوب السوري؟ وهل تصبح الأمور، كما يقال، سمناً على عسل؟ للأسف، يشرعن باراك التوغّل الإسرائيلي، ويختصر الدروز بالهجري، وهذا اختزال مرفوض. صحيح أن الهجري متورط في العلاقة مع إسرائيل، لكن ذلك لا يعني أن أهل الجبل جميعاً موافقون على هذا الأمر. فكثيرون منهم لا يوافقونه، لكنهم مغلوبون على أمرهم. أما مطالبة الناس بالانتفاض والتخلص من الهجري، من دون تقديم ما يحفظ كرامتهم وحقوقهم، ومن دون جبر خواطرهم والاعتذار عما أصابهم، فهي مطالبة لا تراعي حقيقة ما جرى. فجرحهم عميق، ولن يقدموا على خطوة من هذا النوع من دون إحقاق الحق في ما أصبح معروفاً للجميع.
لقد برّأ باراك إسرائيل، وحصر المشكلة بشيخ واحد صبّ عليه اللوم، وكأن التوغّل الإسرائيلي في الجنوب السوري والاعتداءات على الحرمات ينتهيان بالتخلص من الهجري! وهذا كلام لا يقنع طفلاً.
أزمة الجنوب السوري تُحلّ بالعودة إلى اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، ولجم العدوان الإسرائيلي السافر على سوريا، لا بتبرير التوغّل واختزال الأزمة بشخص واحد. أما أزمة السويداء، فيبدو أن حلّها يأتي في آخر اهتمامات الإدارة الأميركية، وكأن المطلوب ترك سكانها للمجهول، وليدفعوا ثمناً لا يستحقونه قطعاً، وتحميلهم وزر قضية أكبر من قدرة دول كثيرة على حلّها.
نبض