الإيغور في سوريا... من حلم العودة إلى البحث عن وطن
شفيق طاهر
جاء بعضهم إلى سوريا ليتعلم القتال أملا في العودة يوما إلى شينجيانغ، وبقي فيها ليقاتل في حرب صارت جزءا من مصيره. وبين الوصول عبر تركيا والاندماج في الجيش السوري الجديد، قطع المقاتلون الإيغور مسافة سياسية تتجاوز سنوات الحرب، من حركة مسلحة تتطلع إلى مواجهة الصين، إلى جماعة يتشابك مستقبلها مع الدولة التي ساهمت في إسقاط نظامها السابق. غير أن هذه الرحلة تشمل أيضاً عائلات وأطفالا لا تختصرهم البنادق.
من الهجرة إلى التنظيم المسلح
سبقت جذور الحركة المسلحة الإيغورية الحرب السورية. ففي تسعينيات القرن الماضي، تشكلت نواتها في أفغانستان، قبل انتقالها إلى المناطق القبلية الباكستانية بعد التدخل الأميركي عام 2001، وارتباطها بشبكات طالبان والقاعدة. ومع اتساع القتال في سوريا، أبدى الحزب الإسلامي التركستاني اهتماما بالساحة الجديدة منذ 2012، ثم وصل مقاتلون بين 2013 و2015 وأسّسوا فرعا تجاوز لاحقا الفرع الأفغاني حجما.
بدأ دخول عائلات إيغورية عبر تركيا منذ 2012، بينها من تعثرت إقامته فيها وخشي ترحيله إلى الصين. ويربط مقاتلون الرحيل بحملات القمع، خصوصا بعد أحداث أورومتشي عام 2009.
والتمييز الزمني ضروري هنا، موجة الوصول الأولى الى سوريا، سبقت حملة الاحتجاز الجماعي التي اتسعت في شينجيانغ منذ 2017. وقد خلص تقييم أممي عام 2022 إلى أن الانتهاكات هناك قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.

جسر الشغور وما بعدها: عقد من القتال
لم تبدأ مشاركة الحزب العسكرية في جسر الشغور. فقد رصد موقع متخصص في الجماعات المسلحة، إعلانات عن عمليات انتحارية شارك فيها منذ 2014. لكن معركة السيطرة على المدينة في ربيع 2015، إلى جانب جبهة النصرة وفصائل أخرى، كانت المنعطف الذي رسخ ثقله. خسر خلالها عشرات المقاتلين، وتحولت المدينة وقرى مجاورة إلى مركز لوجوده العسكري والعائلي.
واتسع دوره لاحقا إلى جبهات ريف اللاذقية وحماة وحلب، وشارك في محاولات فك حصار حلب عام 2016. لذلك، لا تكفي صورة المقاتلين المنضبطين لفهم تجربته، فقد جمع بين الثبات على الجبهات وأساليب الجماعات الجهادية، ومنها التفجيرات الانتحارية. وفي المقابل، بقي انشغاله بقضية تركستان بارزا، مع احتكاك محدود نسبيا بالإدارة اليومية للسكان، وفق شهادات محلية نشرها مركز كارنيغي عام 2017.
ومع صعود هيئة تحرير الشام، حافظ الحزب على تحالفه معها، بينما انضم إيغور آخرون إلى داعش. ويمنع هذا الانقسام اختزالهم في تنظيم واحد، كما يوضح أن الخصومة مع الصين لم تنتج مشروعا سياسيا موحدا. وخلال السنوات التالية، واصل الحزب شغل مواقع أمامية في الشمال الغربي، متحملا القصف الروسي وقصف قوات النظام.

وفي هجوم نوفمبر/تشرين الثاني 2024، شارك مقاتلوه في التقدم الذي انتهى بسقوط الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول. وتروي شهاداتهم مساهمة وحدات منهم في ضرب خطوط الإمداد حول حلب. وهي مساهمة عسكرية مهمة حسمت الحرب.
من حلفاء الحرب إلى اختبار الدولة
فتح سقوط النظام باب الاندماج الرسمي. ففي يونيو/حزيران 2025، كشفت وكلات الانباء خطة لإدخال نحو 3500 مقاتل أجنبي، معظمهم إيغور، في الفرقة 84 من الجيش السوري، مع قبول أميركي مشروط بالشفافية. وفي سبتمبر/أيلول 2026، أفاد مركز صوفان (The Soufan Center) وهو مؤسسة بحثية غير ربحية مقرها نيويورك، بأن مقاتلي الفرع السوري أصبحوا جزءا من هذه الفرقة، تحت سلطة وزارة الدفاع.
ولا ينبغي الخلط بين تعداد العسكر وتعداد الجالية. فتقدير عدد الإيغور في سوريا بعشرين ألفا المتداول عام 2026 يشمل العائلات، وتورده المصادر بوصفه تقديرا، لا نتيجة تعداد سكاني منشور.
ومع ذلك، لا يجيب الاندماج العسكري وحده عن أسئلة الإقامة والجنسية ومستقبل الأطفال. كما أن إعلان الالتزام بالدولة السورية لا يكفي لإثبات التخلي عن الطموحات القديمة تجاه الصين، فهذا تحوّل يُقاس بالممارسة بمرور الوقت، لا بالتصريحات وحدها.
لكن الاستقرار يصطدم أيضاً بحقوق أصحاب الأرض. فقد وثقت تقارير إقامة مقاتلين وعائلات في أملاك لنازحين، بينها ممتلكات مسيحية وشيعية. وتضاف إلى ذلك مخاوف بكين من نشاط مسلح يستهدفها. وهنا يكمن التحول الأصعب، أن يصبح الولاء للدولة السورية التزاما يقيد السلاح، ويضمن استرداد الحقوق والمساءلة عن الانتهاكات، لا مجرد تغيير للزي العسكري.
نبض