لبنان في ممر الفصام الإعلامي: كيف تحولت "الوطنية" إلى عُصاب موروث؟

منبر 21-10-2026 | 10:48

لبنان في ممر الفصام الإعلامي: كيف تحولت "الوطنية" إلى عُصاب موروث؟

‏لم تعد الحرب الأهلية في لبنان بحاجة إلى خطوط تماس جغرافية أو سواتر ترابية لتعلن حضورها؛ فقد انتقلت المتاريس بكامل عتادها الإيديولوجي والنفسي إلى الفضاء الغفتراضي وشاشات الهواتف الذكية، حيث لم يعد المتراس الافتراضي مجرد مساحة للتعبير بل تحول إلى ساحة لحرب أهلية بلا بارود.
لبنان في ممر الفصام الإعلامي: كيف تحولت "الوطنية" إلى عُصاب موروث؟
علم لبنان
Smaller Bigger

‏ محمد الجوهري - ناشط وكاتب سياسي

 

‏لم تعد الحرب الأهلية في لبنان بحاجة إلى خطوط تماس جغرافية أو سواتر ترابية لتعلن حضورها؛ فقد انتقلت المتاريس بكامل عتادها الإيديولوجي والنفسي إلى الفضاء الغفتراضي وشاشات الهواتف الذكية، حيث لم يعد المتراس الافتراضي مجرد مساحة للتعبير بل تحول إلى ساحة لحرب أهلية بلا بارود.

‏يعيش المواطن اللبناني اليوم تفاصيل فصام جماعي حاد، يعيد فيه إنتاج نفس الإنقسامات التي دمرت بلاده قبل عقود، ولكن بأدوات العصر الرقمي وبقوالب تفاعلية أكثر ضراوة وشراسة.

‏والمفارقة الكبرى هنا تتجلى في الجيل الجديد؛ ذلك الجيل الذي راهن الكثيرون على انفلاته من السرديات القديمة بحكم انتمائه إلى عصر العولمة والديمقراطية المعرفية.

‏لكن الواقع الميداني والافتراضي يثبت، يوماً بعد يوم، أن الأجيال الناشئة لم ترث من الماضي سوى صدماته وعصبياته، فبات الشاب اللبناني، في كثير من الأحيان، ناطقاً رسمياً باسم اللاوعي الجمعي لطائفته، يمارس عصبية القبيلة بوعي حديث، متوهماً أنه يعبّر عن رأي حر، بينما هو في الحقيقة سجين فقاعة سيكولوجية صُممت بدقة لكي لا يسمع فيها إلا صدى صوته، ولا يرى فيها إلا صورة ذاته الفئوية ممتدة في الآخرين.

‏وفي هذا المشهد المشحون، انزلق المجتمع إلى سوق الأوطان حيث تحولت الوطنية إلى قناع للمصلحة الفئوية، ولم تعد معطى موضوعياً أو عقداً اجتماعياً وقانونياً يوحد المواطنين تحت سيادة القانون، بل أصبحت وجهة نظر نرجسية وقناعاً إيديولوجياً تفصِّله كل فئة على مقاس هواجسها ومصالحها المرتبطة بمحاور إقليمية ودولية.

‏فغدت الوطنية في لبنان معياراً هلامياً يُستخدم للتخوين والإلغاء بدلاً من البناء؛ فالإعلام المحسوب على الخط المسيحي يرى الوطنية محصورة في الحياد والانفتاح على الغرب وفرنسا تحديداً، متجاهلاً أحياناً الجغرافيا السياسية المعقدة للمنطقة.

‏ في المقابل، يرى الإعلام المحسوب على الخط الشيعي الوطنية في المقاومة والانخراط في محاور عابرة للحدود تمتد من طهران إلى صنعاء، مما يضع استقرار البلد في مهب النزاعات الإقليمية.

‏ أما الإعلام المحسوب على الخط السني، فيختزل الوطنية في العمق العربي والتناغم المطلق مع السياسات الخليجية، رابطاً استقرار ومواقف لبنان بعواصم خارجية. هذا التفتيت للمفهوم المشترك ليس مجرد تباين طبيعي في قراءة الأخبار، بل هو تفتيت للواقع الموضوعي نفسه، حيث أصبح للحدث الواحد في لبنان حقائق متعددة ومتناقضة تتبع الانتماء الطائفي لا الوقائع الميدانية.

‏ وعندما ينقسم الإعلام ويصبح لكل فئة قبلتها السياسية ومصطلحاتها الخاصة، يتحول من سلطة رابعة تراقب الحكام وتكشف الفساد إلى سلاح تعبئة طائفية مأجور، يغيب الهم المعيشي الموحد للمواطنين من سرقة أموال المودعين وانهيار البنى التحتية إلى الفقر المستشري، ليغذي معارك إيديولوجية لا تنتهي، محولاً السلم الأهلي إلى مجرد هدنة موقتة ومسلحة بالكلمات بانتظار تسوية خارجية تضمن بقاء المنظومة.

‏

‏وإذا كان الإعلام والشارع يقودان عملية التفتيت السريع للوعي، فإننا نجد أنفسنا نقف أمام المناهج التعليمية لنتساءل إن كانت مفرّخة العصبيات أم معمل المواطنة، إذ يمثل المنهج التعليمي جوهرياً البنية الأساسية التي تُصنع داخلها هذه العقول المأزومة.

‏إن غياب كتاب تاريخ موحد في لبنان، والاعتماد على مناهج تلقينيّة مفرّغة من الفلسفة والنقد، هو إقرار ضمني من منظومة المحاصصة بترك عقول الناشئة نهباً للغرائز الطائفية والسرديات العائلية والحزبية. فالمدرسة بوضعها الحالي لا تبني مواطناً، بل تعيد إنتاج رعايا الطوائف. إن المناهج التعليمية هي المدخل الأساسي، الحتمي والتاريخي، لتفكيك هذه الإشكالية، لأنها تمثل مرحلة ما قبل تشكل العُصاب الجماعي؛ إنها اللحظة المعرفية التي يمكن فيها صياغة العقل النقدي قبل أن تختطفه وسائل الإعلام الموجهة وسماسرة السياسة. لا ينبغي للمنهج التعليمي الوطني أن يكون مجرد سرد بليد للأحداث، بل يجب أن يكون مختبراً لتفكيك الأساطير التأسيسية لكل جماعة.

‏وعندما تتعلم الأجيال كيف نشأت هذه العصبيات، وكيف استُخدمت كأدوات في الصراعات الدولية، يتجرد المقدس الطائفي من هالته ويتحول إلى معطى تاريخي يمكن نقده وفهمه وتجاوزه.

‏فالسبيل يبدأ من الانتقال بالتعليم من طور تلقين الهويات إلى طور بناء المواطنة الحقوقية، حيث يتعلم الطالب أن الوطن هو مساحة لحماية الحقوق الفردية والحريات العامة تحت سيادة القانون الموحد، وليس ساحة لتصفية حسابات الماضي.

‏لكنَّ هذا الطرح التربوي والإنقاذي يصطدم دائماً بجدار صلب، ما يفرض علينا البحث في النقر على الجدار الصلب وفلسفة التغيير التراكمي؛ فنظام المحاصصة الطائفية في لبنان هو نظام مغلق ومستبسل في الدفاع عن بقائه.

‏يدرك حراس المتاريس السياسية تماماً أن صناعة عقل نقدي حر يعني نهايتهم الحتمية في صناديق الإقتراع، ولذا يستميتون لمنع إقرار أي منهج تعليمي يوحد اللبنانيين خلف مفاهيم الدولة والمواطنة الفردية.
‏أمام هذا الانسداد المزمن، يقع الكثيرون في فخ اليأس، معتبرين أن التغيير في لبنان مستحيل، إلا أن فلسفة التغيير الاجتماعي والتاريخي تُعلمنا أن صلابة هذه الأنظمة هي صلابة وهمية وهشّة، وتعاني من تآكل بنيوي حاد بفعل عجزها عن حماية أمن مواطنيها الاقتصادي والاجتماعي.

‏وعندما تعجز الطائفة عن تأمين الطبابة والتعليم وفرص العمل لمناصريها، يبدأ هذا الرابط الزبائني بالضعف والتآكل.

‏إن التغيير في بيئة معقدة كلبنان لا يحدث بضربة فأس واحدة أو بثورة فجائية تسقط الهياكل دفعة واحدة، بل يحدث عبر استراتيجية النقر التراكمي المستمر لإحداث ثقوب في بنيان هذا الجدار الصلب من خلال مسارات بديلة تتجاوز القنوات الرسمية للدولة الغائبة.

‏وفي نهاية هذا التحليل، نصل إلى حتمية تشكل الكتلة الحرجة كشرط أساسي لولادة الوطن؛ فنحن نعيش اليوم في عصر الديمقراطية المعرفية، حيث لم تعد السلطة تحتكر مصادر المعلومة أو منابر التوجيه.

إن المبادرات الأهلية، والجامعات المستقلّة التي تصرّ على التفكير الحر، ومنصات الإعلام البديل، والبودكاست الفكري، والنوادي الثقافية الشبابية، كلها تمثل اليوم المدرسة الموازية التي تصيغ الوعي الجديد خارج شاشات التلفزة الطائفية ومناهج الدولة العقيمة.

‏ إن إنقاذ لبنان وأجياله القادمة لا يتطلب انتظار معجزة سياسية أو قراراً فوقياً من سلطة فاقدة للأهلية، بل يتطلب دعماً مطلقاً ومستمراً لكل ثقب يُصنع في هذا الجدار الصلب.

‏كل شاب يرفض أن يُقاد كالأعمى خلف شاشة تلفزيون فئته، وكل منصة إعلام بديل تفضح الزيف الطائفي، وكل مساحة تعليمية تبني التفكير النقدي، هي بمثابة حجر أساس في بناء الكتلة الحرجة؛ تلك النسبة الواعية والصلبة من المجتمع القادرة على قيادة الرأي العام وفرض شروط فكرية وسياسية جديدة عند أول منعطف تاريخي. إن السلم الأهلي الدائم لن يصنعه زعماء الطوائف في غرف التسويات، بل يصنعه وعي المواطن الذي يدرك أن كرامته الإنسانية وحقوقه الفردية هي السقف الوحيد للوطن.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 10/20/2026 3:10:00 PM
استأنف مطار الملك خالد الدولي عمله، فيما حدّثت شركات طيران دولية مواعيد رحلاتها إلى وجهات سعودية، وأعادت الخطوط الماليزية تشغيل رحلات جدة والمدينة المنورة.
شمال إفريقيا 10/20/2026 12:56:00 PM
استنفار إسعافي عقب تصادم حافلة ركاب وشاحنة نقل ثقيل على طريق القاهرة–أسيوط الصحراوي الغربي، وتوجيهات بتقديم مساعدات عاجلة للمتضرّرين.
لبنان 10/19/2026 12:33:00 PM
ما هي القضية؟ إلى أي عام تعود؟ وما هي حيثياتها؟