فرانسيسكا موسى
ظلّي الذي يعرفني
يا ظلّي،
يا آخر ما تبقّى منّي
حين تواطأت مع النسيان،
وأنكرت وجوهاً
ما زالت تنام في ملامحي،
وتظنّ أنّ الغياب موت.
يا رفيق العتمة،
يا من رأى انكساري
حين كنت أتقن الوقوف،
وسمع صراخي
حين جعلت الصمت فضيلتي،
قل لي:
أيّنا أنا؟
وأيّنا ما تركه الآخرون
ثمّ مضوا دون أن يلتفتوا؟
لقد نسيت أسماءهم،
لكنّني ورثت خوفهم؛
نسيت أصواتهم،
لكنّني ما زلت أتكلّم بجرحهم؛
وأغلقت أبوابهم،
لكنّ مفاتيحها
ما زالت تصدأ في صدري.
ما أغرب الإنسان!
يدفن في داخله ألف موت،
ثمّ يمشي بين الناس
كأنّ قلبه لم يكن يوماً مقبرة،
ويسمّي نجاته نضجاً،
وخوفه حكمة،
وعجزه عن الحبّ اكتفاء.
كم من قلبٍ لم يؤذني
عاقبته على خيانة قلبٍ مضى؟
وكم من يدٍ امتدّت إليّ
فقطعت الطريق إليها،
لأنّ يداً أخرى
تركتني يوماً
أصافح الفراغ بكلتا يديّ؟
يا ظلّي،
هل يشفى الجرح حقاً،
أم يتعلّم الجسد
كيف يخفي ارتجافه؟
وهل ننسى الذين كسرونا،
أم نعيد بناءهم فينا،
حجراً فوق حجر،
ثمّ نبحث عن وجوههم
في كلّ مَن نحبّ؟
لعلّ الماضي لا يمضي؛
إنّه يخلع وجهه القديم،
ويتسلّل إلى أصواتنا،
ويختار عنّا ما نخاف،
ويبعد عنّا ما نحتاج،
ثمّ يتركنا نصدّق
أنّنا أصحاب القرار.
ولعلّ أقسى الهزائم
ألّا ننجو ممّن آذونا،
بل أن ننجو منهم
وقد حملنا أذاهم إلى الآخرين؛
أن نكره القسوة
ثمّ نتقن ممارستها،
أن نلعن السجّان
ونحمل مفاتيح سجنه
في أيدينا.
يا ظلّي،
لم أعد أخاف ما أتذكّر،
بل ما صرته
كي أستطيع ألّا أتذكّر.
أخاف أن تكون شخصيّتي
أبواباً أغلقت في وجهي،
وأن تكون قناعاتي
ندوباً تعلّمت الكلام،
وأن يكون بعض ما أسمّيه نفسي
طفلاً قديماً
ما زال ينتظر اعتذاراً
لن يأتي.
فأيّة حرّيّةٍ هذه
إن كنت أهرب من الأمس
إلى الأمس نفسه؟
وأيّ نجاةٍ
إن كان كلّ طريقٍ أسلكه
يعيدني إلى الجرح
بوجهٍ جديد؟
لقد تعبت
من محاكمة نفسي
على ما اضطرّت أن تكونه
كي تبقى حيّة،
ومن كره النسخة التي انكسرت
لأنّها لم تعرف
كيف تنجو دون أن تتغيّر.
لذلك، يا ظلّي،
سأحملك معي،
لا لأنّني عجزت عن التخلّص منك،
بل لأنّني لم أعد أريد
أن أنكر ما صنعني.
سأمنح ذاكرتي حقّ الكلام،
لا حقَّ الحكم؛
وسأعترف بما حدث،
دون أن أسمح له
أن يكتب بقيّة عمري.
فليس الشفاء أن نعود
إلى مَن كنّا قبل الألم،
ولا النضج أن ننسى
الوجوه التي بكت فينا؛
بل أن نراها أخيراً،
ونمدّ إليها أيدينا،
دون أن نسلّمها
مفاتيح الغد.
وإن سألني أحدٌ: من أنت؟
لن أقول إنّني ما نجوت منه،
ولا ما خسرته،
ولا ما اضطررت أن أكونه
كي لا أنكسر.
سأقول:
أنا كلّ ما حدث لي،
لكنّني لست عقوبةً أبديّة
على ما حدث.
أنا ذاكرة تتعلّم الرحمة،
وجرح يرفض أن يصبح سلاحاً،
وقلب، رغم ما ورثه من العتمة،
يختار ألّا يورّثها.
يا ظلّي، ابق إن شئت،
لكن لا تعد سيّدي.
لقد قضيت عمراً
أهرب منك،
حتى كدت أفقد الطريق إليّ.
والآن،
سأمشي معك،
لا خلفك،
ولا تحت حكمك؛
سأترك لك حقّ التذكّر،
وأحتفظ لنفسي
بحقّ الاختيار.
فأنا لا أريد أن أمحو ماضيّ،
ولا أن أعيش سجينه؛
أريد فقط
ألّا يتحوّل ما كسرني
إلى يدٍ أخرى
تكسر.
فبعض الظلال لا يقتلها النور،
ولا يمحوها النسيان؛
إنّما تتحرّر
حين نتوقّف عن إنكارها،
ونتعلّم أخيراً
أن نكون أكثر من جراحنا.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ماذا كشفت معلومات "النهار"؟
نبض