حرب إسناد ثالثة... انتحار ودمار!
محمد عبدالله - كاتب وباحث سياسي
يقف لبنان مجدداً على حافة حرب إسناد ثالثة، وسط تهديدات إسرائيلية وتصعيد إيراني ينذران بتكرار دمار الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت. وبين منطق الدولة ومنطق الجبهات المفتوحة، يواجه اللبنانيون خياراً مصيرياً: حماية ما تبقى من مقومات الصمود، أو الانجرار إلى مواجهة قد تتجاوز كلفتها قدرة البلاد على الاحتمال.
يرفع وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس سقف تهديداته، محذراً من أن أي تحرك معادٍ من حزب الله سيجعل لبنان يدفع ثمناً باهظاً. وتشمل التهديدات تهجير سكان الجنوب حتى نهر الأولي، وإخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت وتسوية ما تبقى من مبانيها بالأرض.
وسواء أكانت هذه التهديدات جزءاً من الحرب النفسية أم تمهيداً لخيارات عسكرية أوسع، فإن خطورتها تكمن في أنها تضع المدنيين ومناطقهم السكنية في دائرة الخطر المباشر، وتفتح الباب أمام كارثة إنسانية جديدة.
أمام هذا الواقع، تبدو خيارات الدولة اللبنانية والجهات السياسية والعسكرية محكومة بمعادلة شديدة القسوة.
الخيار الأول هو ضبط الحدود واحتكار قرار الحرب والسلم، عبر تفعيل المؤسسات الرسمية والجيش والقنوات الدبلوماسية. وهذا المسار هو الأقل كلفة على المدنيين والاقتصاد، لكنه يتطلب توافقاً داخلياً صعباً، وقد يعرّض الدولة لضغوط سياسية وأمنية إذا اعتُبر تراجعاً أمام التهديدات.
أما خيار الرد العسكري المنفرد أو فتح جبهة إسناد واسعة، فقد يمنح بعض القوى قدرة على الردع أو تحسين شروط التفاوض. لكنه يحمل كلفة هائلة، تتمثل في استدراج ضربات واسعة، وتدمير البنى التحتية، ونزوح جماعي، وتعميق الانقسام الداخلي، فضلاً عن احتمال فقدان السيطرة على مسار التصعيد.
ويأتي خيار التهدئة المشروطة، القائم على تجنّب المبادرة إلى التصعيد مع الاحتفاظ بحق الرد، ليخفف الخسائر الفورية وليفتح مجالاً للوساطات. لكنه قد يُفسَّر ضعفاً، ويترك لبنان عرضة لاعتداءات لا يملك ضمانات كافية لوقفها.
أما الرهان على الدعم الخارجي وحده، فثمنه إبقاء القرار اللبناني رهن حسابات إقليمية ودولية متبدلة. وفي كل هذه الخيارات، تبقى الكلفة النهائية واقعة أولاً على السكان والدولة ومؤسساتها.
الخلاصة أن لبنان أمام أربعة مسارات: قرار وطني تحت سقف الدولة، أو ردّ عسكريّ منفرد، أو تهدئة مشروطة، أو ارتهان للدعم الخارجي. وبينما قد تبدو بعض الخيارات أكثر صخباً أو إغراءً سياسياً، فإن الأولوية الحاسمة يجب أن تكون حماية المدنيين ومنع تكرار الدمار. فحق لبنان في الدفاع عن نفسه لا يبرّر تحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات؛ والمطلوب قرار وطني مستقل، واستراتيجية واضحة، ومساءلة كل من يدفع البلاد نحو حرب لا يملك اللبنانيون القدرة على تحملها.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ماذا كشفت معلومات "النهار"؟
نبض