الدعارة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات في لبنان: تجارة خفية خلف الشاشات

منبر 19-10-2026 | 13:20

الدعارة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات في لبنان: تجارة خفية خلف الشاشات

لم تعد الدعارة محصورة في الأماكن التقليدية، بل انتقلت إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات التعارف والمراسلة أدوات قد تُستخدم للترويج للخدمات الجنسية المدفوعة، أو لتسهيل الاستغلال والابتزاز الإلكتروني، في ظاهرة تطرح تساؤلات جدية حول دور التكنولوجيا والقانون والمجتمع في لبنان.
الدعارة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات في لبنان: تجارة خفية خلف الشاشات
صورة تعبيرية مصممة بالذكاء الاصطناعي
Smaller Bigger

قاسم محمد العزير

 

 

 

لم تعد الدعارة محصورة في الأماكن التقليدية، بل انتقلت إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات التعارف والمراسلة أدوات قد تُستخدم للترويج للخدمات الجنسية المدفوعة، أو لتسهيل الاستغلال والابتزاز الإلكتروني، في ظاهرة تطرح تساؤلات جدية حول دور التكنولوجيا والقانون والمجتمع في لبنان.

فخلف الحسابات الوهمية والصور والرسائل الخاصة، قد تختبئ ممارسات تتراوح بين عرض خدمات جنسية مقابل المال، والوساطة، والاحتيال المالي، وصولاً إلى استغلال الأشخاص تحت التهديد أو الإكراه. ومع الانتشار الواسع للهواتف الذكية، بات التواصل بين الأشخاص أكثر سهولة، فيما أصبحت بعض الأنشطة قادرة على الانتقال من منصة إلى أخرى بسرعة، الأمر الذي قد يصعّب تحديد هوية المتورطين وتتبع بعض الممارسات المخالفة للقانون.

لا يمكن تناول هذه الظاهرة في لبنان من دون التوقف عند الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها جزء كبير من المجتمع. فالأزمات المالية وتراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة دفعت كثيرين إلى البحث عن مصادر دخل إضافية، وقد تجعل هذه الظروف بعض الأشخاص أكثر عرضة للعروض المضللة والاستغلال.

وفي بعض الحالات، قد يبدأ الأمر بوعد بتحقيق أرباح سريعة من خلال نشر صور أو محتوى خاص، قبل أن تتغير الشروط أو تظهر مطالب إضافية. وقد يتحول التواصل إلى وسيلة للضغط على الشخص أو تهديده بنشر معلوماته الخاصة إذا قرر الانسحاب.

لكن من الضروري التأكيد أن الفقر لا يعني بالضرورة الاتجاه إلى الدعارة، وأن الظروف الاقتصادية لا تبرر استغلال الآخرين. فالمشكلة الحقيقية تظهر عندما يستغل شخص حاجة غيره أو ضعفه لتحقيق مكاسب مالية على حساب كرامته وحريته.

يُعد الابتزاز الإلكتروني من أخطر المخاطر المرتبطة بالتواصل الحميم عبر الإنترنت. فقد تبدأ العلاقة بمحادثة عادية أو تعارف شخصي، ثم يحصل أحد الطرفين على صور أو تسجيلات خاصة، ليستخدمها لاحقاً في تهديد الطرف الآخر وإجباره على دفع المال أو تنفيذ مطالب معينة.

وفي بعض الحالات، يتطور الابتزاز إلى استغلال جنسي، عندما يُجبر الضحية على إرسال المزيد من الصور أو المشاركة في ممارسات لا يرغب فيها، تحت تهديد نشر المواد السابقة أمام العائلة أو الأصدقاء.

وتزداد خطورة هذه الممارسات في مجتمع مثل المجتمع اللبناني، حيث قد يخشى بعض المتضررين من ردود الفعل الاجتماعية أو العائلية، فيمتنعون عن تقديم الشكاوى. لكن المسؤولية تقع على الشخص الذي يمارس الابتزاز والتهديد، وليس على الضحية الذي تعرض للخداع أو الاستغلال.

لذلك، من المهم عدم الاستجابة للتهديدات المالية، والاحتفاظ بالأدلة المتاحة، وطلب المساعدة من الجهات المختصة، بدلاً من مواجهة المبتز بصورة منفردة.

من الضروري التمييز بين العلاقات الرضائية بين البالغين وبين الممارسات التي تتضمن الإكراه أو الخداع أو التهديد أو الاتجار بالبشر. فليس كل استخدام لتطبيقات التعارف دليلاً على ممارسة الدعارة، كما لا يجوز اعتبار كل نشاط مرتبط بالخدمات الجنسية اتجاراً بالبشر من دون التحقق من توافر العناصر القانونية اللازمة.

وتصبح القضية أكثر خطورة عندما يفقد الشخص القدرة على اتخاذ قراراته بحرية، أو يتعرض للتهديد، أو تُستغل حاجته المالية لإجباره على الاستمرار في نشاط لا يريده. وفي هذه الحالات، لا بد من توفير الحماية للمتضررين ومحاسبة المسؤولين عن الاستغلال وفقاً للقانون.

كما تبرز أهمية حماية القاصرين من الاستدراج عبر الإنترنت، إذ قد يستغل بعض الأشخاص قلة خبرتهم أو حاجتهم إلى الاهتمام والقبول للوصول إلى صورهم ومعلوماتهم الخاصة أو إخضاعهم للابتزاز. وهذه الحالات تستوجب تدخلاً سريعاً لحماية الطفل ومنع استمرار الأذى.

يخضع النشاط المرتكب عبر الإنترنت للقوانين اللبنانية بحسب طبيعة الفعل والظروف المحيطة به. ويتضمن التشريع اللبناني أحكاماً تتعلق بالدعارة والاستغلال الجنسي والاتجار بالبشر، فضلاً عن الأفعال التي قد تشكل ابتزازاً أو تهديداً أو انتهاكاً للخصوصية.

لكن مواجهة هذه الجرائم تتطلب قدرات تقنية متخصصة، لأن بعض الحسابات تستخدم أسماء وهمية أو تتنقل بين منصات مختلفة، وقد تُحذف الرسائل أو تُنقل المحادثات إلى تطبيقات أخرى. لذلك، يصبح جمع الأدلة الرقمية وحفظها والتحقق من هوية أصحاب الحسابات عناصر مهمة في التحقيق.

ولا تقتصر المسؤولية على الأجهزة الأمنية والقضائية، بل تشمل أيضاً المنصات الرقمية التي ينبغي أن توفر وسائل واضحة للإبلاغ عن الاستغلال والابتزاز، وأن تتعامل بجدية مع الانتهاكات التي تهدد سلامة المستخدمين وخصوصيتهم.

يلعب الإعلام دوراً أساسياً في كشف هذه الظاهرة والتوعية بمخاطرها، لكنه مطالب بالتعامل معها بمهنية ومسؤولية. فنشر صور الأشخاص أو محادثاتهم الخاصة، أو اتهامهم علناً من دون أدلة، قد يؤدي إلى التشهير وانتهاك الخصوصية، وقد يضاعف معاناة الضحايا بدلاً من مساعدتهم.

كما أن معالجة القضية لا ينبغي أن تقتصر على الإدانة الأخلاقية، بل يجب أن تشمل البحث في أسباب الاستغلال، وسبل حماية المتضررين، ودور المؤسسات الرسمية والجمعيات المختصة في تقديم الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي.

وفي الوقت نفسه، تبقى التوعية الرقمية ضرورة أساسية، خصوصاً في ما يتعلق بحماية الحسابات، وعدم مشاركة المعلومات الحساسة مع أشخاص مجهولين، والتعامل بحذر مع العروض المالية المشبوهة والوعود بتحقيق أرباح سريعة.

تكشف الدعارة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات في لبنان عن جانب معقد من العلاقة بين التكنولوجيا والأزمة الاقتصادية والاستغلال الإنساني. فهذه المنصات، التي أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، قد تتحول في بعض الحالات إلى وسيلة للترويج لخدمات جنسية مدفوعة أو ممارسة الابتزاز والسيطرة على الآخرين.

ومواجهة هذه الظاهرة لا تكون بإطلاق الأحكام أو التشهير بالأشخاص، بل بتطبيق القانون، وملاحقة من يثبت تورطه في الاستغلال والإكراه والابتزاز، وحماية الضحايا من الوصمة الاجتماعية، وتعزيز التوعية الرقمية وتوفير فرص اقتصادية تقلل من هشاشة الفئات الأكثر عرضة للاستغلال.

فخلف كل حساب إلكتروني وقصة قد تكون هناك وقائع مختلفة لا يمكن الحكم عليها من المظهر وحده. وبين حرية الفرد وواجب الدولة في حماية المجتمع، تبقى الحقيقة والعدالة وصون الكرامة الإنسانية الأساس لأي معالجة جدية لهذه القضية في لبنان.

 

 

 

المقاربة الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الاعلامية

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 10/18/2026 8:15:00 AM
بحسب الصيغة المتداولة، يُقترح رفع المبلغ الشهري للمستفيدين من التعميم 158 من 1,000 إلى 1,200 دولار، وللمستفيدين من التعميم 166 من 500 إلى 600 دولار.
لبنان 10/18/2026 11:37:00 AM
مصدر عسكري إسرائيلي لـ"معاريف": إيران تقف وراء دوامة التصعيد وخلق التوتر الإقليمي، ونحن مضطرون إلى رفع حالة التأهّب
لبنان 10/18/2026 7:00:00 AM

توقيف غامض ونقل إلى سوريا وروايات متناقضة تضع الدولة أمام مسؤولية كشف ما جرى، وسط مخاوف أمنية وديبلوماسية.

سياسة 10/18/2026 7:30:00 AM
تؤكد المعطيات أن ملكية مستودع الأدوية في غاليري سمعان تعود إلى شخصَين أحدهما من الطائفة الشيعية والآخر من الطائفة المسيحية