لبنان وسوريا بعد الأسد: هل تنجح الدبلوماسية في تجاوز إرث الماضي؟

منبر 19-10-2026 | 13:13

لبنان وسوريا بعد الأسد: هل تنجح الدبلوماسية في تجاوز إرث الماضي؟

لم يكن سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024 حدثاً سورياً فحسب، بل فتح نافذة لإعادة النظر في علاقة لبنانية سورية طبعتها لعقود اختلالات سياسية وأمنية، وتداخلت فيها المصالح المشتركة مع مسألة السيادة والاستقلال.
لبنان وسوريا بعد الأسد: هل تنجح الدبلوماسية في تجاوز إرث الماضي؟
العلم اللبناني والسوري (Reuters)
Smaller Bigger

ريان أغجايان 

 

 

 

لم يكن سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024 حدثاً سورياً فحسب، بل فتح نافذة لإعادة النظر في علاقة لبنانية سورية طبعتها لعقود اختلالات سياسية وأمنية، وتداخلت فيها المصالح المشتركة مع مسألة السيادة والاستقلال. 
ومع انتقال السلطة في دمشق إلى قيادة جديدة، برزت فرصة لبناء علاقة مختلفة، لكن السؤال يبقى ما إذا كان الانفتاح الدبلوماسي قادراً على إحداث تغيير مستدام، أم أنه سيظل محكوماً بإرث الماضي وتعقيدات الحاضر.
تستمد العلاقة بين البلدين خصوصيتها من الجغرافيا وتشابك المصالح الاقتصادية والاجتماعية، لكنها تحمل إرثاً ثقيلاً من مرحلة الوصاية السورية على لبنان، التي انتهت عسكرياً بانسحاب القوات السورية في نيسان 2005. 
لم ينهِ الانسحاب تداعيات تلك المرحلة، فيما أضافت الحرب السورية منذ عام 2011 تعقيدات جديدة، من انخراط قوى لبنانية في النزاع إلى أزمة اللاجئين واتساع التهريب عبر الحدود. لذلك، لا يكفي تبدّل السلطة في دمشق وحده لتجاوز انعدام الثقة، كما لا يمكن تجاهل المصالح التي تجعل التعاون بين البلدين ضرورة عملية.
يكتسب التحوّل الحالي بعداً مؤسساتياً مع إعادة النظر في الإطار الذي حكم العلاقات منذ عام 1991، حين وُقّعت معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق، التي انبثق منها المجلس الأعلى اللبناني السوري. وقد ارتبط المجلس بمرحلة اختلال موازين القوى، وأصبح موضع اعتراض لبناني بسبب ما اعتُبر تكريساً للوصاية السورية. 
في تشرين الأول 2025، أُعلن تعليق عمله، بالتوازي مع طرح إنشاء لجنة عليا مشتركة لتنسيق العلاقات بين الحكومتين.
لكن تعليق المجلس لا يعني تلقائياً إلغاء المعاهدة والاتفاقات المنبثقة منها، إذ يتطلب ذلك معالجة قانونية واضحة. ويتمثل التحدي في الانتقال من إطار ارتبط بظروف سياسية سابقة إلى صيغة أكثر توازناً، تقوم على التواصل بين المؤسسات الرسمية واحترام استقلال القرار في البلدين. فالعبرة ليست في تغيير اسم الهيئة، بل في طبيعة عملها ومدى تكافؤ العلاقة التي تديرها.
عكست اللقاءات الرسمية بعد سقوط النظام رغبة في فتح صفحة جديدة. ففي كانون الثاني 2025، التقى رئيس الحكومة اللبنانية آنذاك نجيب ميقاتي الرئيس أحمد الشرع في دمشق، وتواصلت المباحثات لاحقاً، ومنها زيارة رئيس الحكومة نواف سلام في نيسان من العام نفسه. وتصدّرت الملفات الأمنية والحدودية وعودة اللاجئين جدول الأعمال، إلى جانب القضايا الاقتصادية والقضائية. غير أن معيار التقدم يبقى في ترجمة هذه الاتصالات إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ، لا في مستوى التمثيل السياسي وحده.
يبرز أمن الحدود في مقدمة الأولويات، نظراً إلى التهريب وصعوبة ضبط بعض المناطق، فضلاً عن عدم حسم ترسيم أجزاء من الحدود. ويحتاج التعامل مع هذه المسائل إلى تنسيق أمني مستمر، واستكمال الترسيم حيث يلزم، بما يحترم سيادة البلدين ويحدّ من مصادر التوتر.
أما عودة اللاجئين السوريين، فتتجاوز أعداد المغادرين إلى مدى استدامة العودة وظروفها. فالتنسيق بين الحكومتين ضروري، لكن توفير الأمن والسكن والخدمات والوثائق القانونية في سوريا يظل أساسياً لضمان عودة طوعية ومستقرة.
في موازاة ذلك، تشكّل الملفّات القضائية اختباراً آخر للعلاقة الثنائية. إلى جانب أوضاع السوريين الموقوفين في السجون اللبنانية، تبقى قضية اللبنانيين المفقودين والمخفيين قسراً في سوريا خلال عهد نظام الأسد، الذين لا يزال مصير كثيرين منهم مجهولاً، من أبرز الملفات العالقة. ولا يقتصر أثر هذه القضية على بعدها الإنساني، بل يمتد إلى الثقة بين بيروت ودمشق وقدرتهما على معالجة إرث الماضي. ومن هنا، يشكّل التعاون في تبادل المعلومات وكشف المصير جزءاً من الاختبار العملي لجدية المرحلة الجديدة.
اقتصادياً، تتيح الجغرافيا فرصاً للتعاون في التجارة والنقل والطاقة والزراعة وإعادة الإعمار، فيما يشكّل استقرار العلاقات مصلحة للطرفين. لكن تحويل هذه الفرص إلى نتائج يتطلب تحسناً في الأوضاع الاقتصادية، وتمويلاً وقواعد شفافة للتبادل والاستثمار، فضلاً عن معالجة القضايا المالية العالقة ضمن الأطر القانونية.
في المحصّلة، لا يبدأ بناء علاقة جديدة بمجرد سقوط نظام أو تعليق عمل مجلس، بل بقدرة الدولتين على تحويل التفاهمات إلى مؤسسات واتفاقات قابلة للتنفيذ. 
بين ضرورات الجغرافيا وثقل الذاكرة السياسية، يبقى نجاح هذا المسار مرتبطاً باحترام السيادة وتسوية الملفات العالقة وإرساء تعاون متكافئ. غير أن هذا المسار يواجه اختباراً إضافياً في ظل النقاش المتصاعد حول احتمال دخول الجيش السوري إلى لبنان في سياق المواجهة مع حزب الله: فهل تستطيع العلاقات اللبنانية السورية الحفاظ على مسارها الحالي إذا تحوّل هذا الاحتمال إلى واقع، أم أن تدخلاً عسكرياً سورياً سيعيد فتح ملفات الماضي ويضع أسس العلاقة الجديدة أمام اختبار مختلف؟

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 10/18/2026 8:15:00 AM
بحسب الصيغة المتداولة، يُقترح رفع المبلغ الشهري للمستفيدين من التعميم 158 من 1,000 إلى 1,200 دولار، وللمستفيدين من التعميم 166 من 500 إلى 600 دولار.
لبنان 10/18/2026 11:37:00 AM
مصدر عسكري إسرائيلي لـ"معاريف": إيران تقف وراء دوامة التصعيد وخلق التوتر الإقليمي، ونحن مضطرون إلى رفع حالة التأهّب
لبنان 10/18/2026 7:00:00 AM

توقيف غامض ونقل إلى سوريا وروايات متناقضة تضع الدولة أمام مسؤولية كشف ما جرى، وسط مخاوف أمنية وديبلوماسية.

سياسة 10/18/2026 7:30:00 AM
تؤكد المعطيات أن ملكية مستودع الأدوية في غاليري سمعان تعود إلى شخصَين أحدهما من الطائفة الشيعية والآخر من الطائفة المسيحية