"ما قدّمته يعود إليك، مع الفوائد!"

منبر 14-10-2026 | 09:13

"ما قدّمته يعود إليك، مع الفوائد!"

يسعى الانسان بلا توقف الى معرفة ما وراء الظاهر من الأمور والأشياء. باحثاً عن معنى الحياة في ما يعيشه في يومياته وفي ما يَخفى عنه من "أسرار" الحياة على الأرض وما وراءها. قارئاً الحياة في ما يمكن أن يجده في "كلّ ما يُرى وما لا يُرى".
"ما قدّمته يعود إليك، مع الفوائد!"
تعبيرية
Smaller Bigger

الاب ايلي قنبر 

 

 

1. أَنتم قد أُعطيتم مَعرِفَةَ أَسرارِ...
يسعى الانسان بلا توقف الى معرفة ما وراء الظاهر من الأمور والأشياء. باحثاً عن معنى الحياة في ما يعيشه في يومياته وفي ما يَخفى عنه من "أسرار" الحياة على الأرض وما وراءها. قارئاً الحياة في ما يمكن أن يجده في "كلّ ما يُرى وما لا يُرى". وقد ساهَمت الفلسفة في إعطائه مفاتيح لقراءة الحياة، كما ساهَمت الديانات في ذلك. في وقت نجِد أن بعضاً من البشر "يملكون العُيون والآذان  ولكنّهم يغلقونها بإرادتهم أمام الحق، بسبب كبريائهم وتمسكهم بالحرفية" بحسَب القديس كيرلّس الكبير.  فيما يشير يسوع الى أنّ "ٱلَّذي سَقط (من زرع) في ٱلأَرضِ ٱلجيدة، هم ٱلَّذينَ يسمعون ٱلكلمة فيحفظونها في قلبٍ جيد وَصالحٍ، ويثمرونَ بِٱلصبر". و"من لَهُ أذنانِ للسماعِ فَليسمع!"
هناك فريق من الناس لا يريد الولوج الى الأعماق ، فبقي عند قارعة طريق معرفة أسرار الحياة وأسرار الملكوت. مكتفيا بظاهر الأمور ومعتقداً أن الإكليروس يمنع الناس من معرفة الحقائق. وهناك من يروج  أن الإكليروس يحصر به معرفة تلك الأسرار ويخفيها كي لا تصِل الى الجميع. يفهم ذَُوُو "الإرادة الصالحة، المستعدّون قلبيّاً، الأسرار. غير أنّ معرفة أسرار الملكوت هي عطية ونعمة من الله وليس مجرَّد جهد بشريّ وفكري.
في عصر تعميم الحقّ في الوُصول الى المعلومات  لا يمكن القبول بإخفاء ما هو حق للجميع. ويسوع نفسه لم يخفِ شيئاً عن الناس، بل كشف كلّ ما يتعلّق بالرسالة المنوطة به من قبَل الآب . لكن هناك الباقون غير الراغبين في المعرفة "لغاية في نَفس يعقوب" أو هرباً من تحمّل المسؤوليّة المرتبطة بتلك المعرفة :"فمن يَنفرد من الحق ويهرب منه لن يستطيع أن يعرفه أو أن يعرف أهله" .
2. من لَه أُذنانِ للسماعِ فليسمع!
"ينثر الله كلمته في كلّ مكان، على الرغم من أنّ قلب الانسان قد يكون قاسياً، أو سطحيّاً. غير أنّه يستطيع دائماً أن يتغيّر ويُصبح الأرض الجيّدة" يوضّح يوحنّا الذهبي الفم. نعم، "تعلن الكلمة كما ينثر الزارع الزرع". ولكنّ فهمها يتوقّف على العطيّة المجانيّة من الزارع : "إنّ ملكوت الله، الذي يأتي بقوّة الربيع ... سر واحد يُعطى لنا فنشترك فيه، إذا كانت لنا آذان للسماع "! من هنا قَول القديس كيرلس الكبير ما معناه أنهم "يملكون العُيون والآذان، لكنّهم يغلقونها بإرادتهم أمام الحقّ بسبب كبريائهم وتمسّكهم بالحرفيّة".
لم إغلاق العيون عن معرفة الحق؟ لأن الاعتراف بالحقّ يعرض الفرد للرفض أو العزلة من محيطه أو يعني ضمنيّاً أنّه كان على خطأ لفترة طويلة، وهو ما يجرح كبرياءه.
التنكّر للحقّ  في الأصل سلوك بشري معقّد، إذ ينشأ الكثيرون على تبنّي أفكار آبائهم ومجتمعاتهم دون إعمال العقل، والتشكيك في الموروثات بمثابة خط أحمر. اضِف الى ذلك أنّ الحقيقة قد تتطلّب تغييراً جذريّاً في أسلوب الحياة أو التفكير، والجهل أحياناً يمنح شعوراً زائفاً بالأمان والراحة. حتّى وصل الأمر بالبعض للقَول بأن ليس هناك شي‏ء اسمه الحق والحقيقة، وأنّ الحق من الأمور النسبيّة.
3."اِزرَعوا لِأَنفُسِكم بِالبِرّ"
الجوع الى المعرفة حيويّ، غير أن المجاعة تعود لتطرق الأبواب بقوّة كما تشير تقارير الأُمم المتّحدة . بالرجوع الى 1914 الحافر في ذاكرتنا نفهم أنّ مجاعة الحرب العالمية الأولى في لبنان بدأت "عندما أخذت قدرة المجتمع على الاحتمال تتآكل تدريجياً". أليس هذا ما يحدث منذ 2016؟ فـ"الآلية التي تقود المجتمعات إلى الجوع لم تختفِ"  إذ يفقد عدد متزايد من الناس القدرة على شراء الطعام والوصول إليه. فـ"المجاعة الحديثة... ستبدأ داخل البيوت بصورة أقلّ وضوحاً". نعم،"إنها عمليّة تفكيك بطيئة لقُدرة المجتمع على الصمود". وأمر مكافحتها منوطٌ بالسلطة السياسيّة والدينيّة القادرتَين على المساهَمة في إيجاد الحلول. نعم، "ليست المجاعة قدَراً محتوماً. يستطيع لبنان تقليل احتمالاتها إذا تعامل مع الغذاء باعتباره جزءاً من الأمن الوطنيّ" لا الطائفيّ والمناطقيّ كما هو حاصل. 
يدعونا القديس باسيليوس  الكبير الى الـتشبّه بالأرض:"تصرّف مثل الأرض، أيها الإنسان؛ أثمر مثلها". ويوضّح قائلاً:"ما قدّمته يعود إليك، مع الفوائد". ويذكِّر كلّا منّا:"أنت خادم الله القدّوس، ووكيل في الخدمة لمصلحة زملائك". لافتاً الى أنّ"الخيرات التي تَمتلكها (ليست) مخصّصة لاستهلاكك الشخصيّ" وحسب. ويسأل الزارع:"لماذا.. هذا التسرّع لإخفاء كَنزك خلف الطّين والحجر؟" منبهاً من الجشع والاستغلال، ومستشهِداً بالكتاب المقدَّس: "الصِّيت أَفضَل من الغنى الكثير والحظوة خَير من الذهبِ والفضّة" . المؤمن(ة) مدعو(ة) "حتّى يَكون ذَا ٱهتمام في ٱلقِيام بِٱلأَعمالِ ٱلصالِحة. فَهَذه هي ٱلحسَنة وَٱلنّافعة للنّاس" بدلاً من التلطّي بِما يحرِفه عن نواة إيمانه: حبّ الذات وحبّ الآخر مثل أنفسنا. ذلك انّ "ٱلمباحَثات ٱلسخيفة وَٱلأَنساب وٱلخصومات وٱلمماحَكات عَلى ٱلنّاموسِ (الديني والسياسي والاقتصادي) فٱجتنبها. فَإنَّها غير نافعة وَباطلة". فهلَّا اجتنبنا نحن معشر الّلبنانيّين الخصومات والمماحكات التي تقضي على الحياة فينا ومن حَولنا؟!

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 10/13/2026 6:00:00 AM
بعد الهجمات على مطار الرياض، تواجه السعودية معادلة صعبة: كيف توقف صواريخ الحوثيين من دون الانجرار إلى حرب جديدة؟ وأيّ الخيارات الأربعة يتيح لها قلب المعادلة؟
دوليات 10/13/2026 3:08:00 PM
أعاد تقرير بريطاني تداول تنبؤات منسوبة إلى بابا فانغا عن حرب عالمية وتغيّر القيادة الروسية في 2026
لبنان 10/13/2026 11:50:00 AM
دعموش: "هدف برنامجنا هو الناس والمتضرر المباشر الذي هجر من مسكنه الفعلي، ولا يملك مسكناً بديلاً"...
لبنان 10/13/2026 12:02:00 PM
أقرّ الضمان الاجتماعي زيادة تعرفة معاينات الأطباء في العيادات الخاصة للمرة الخامسة منذ حزيران/يونيو 2023، ودعا الأطباء إلى الالتزام بالأسعار الجديدة لتخفيف الأعباء عن المضمونين.