الكهرباء في لبنان: من عبء الخزينة إلى فرصة للاستثمار

منبر 13-10-2026 | 11:32

الكهرباء في لبنان: من عبء الخزينة إلى فرصة للاستثمار

لم تعد أزمة الكهرباء في لبنان مجرد مشكلة تقنية تتعلق بنقص الإنتاج أو تقادم الشبكات، بل تحولت إلى أزمة اقتصادية ومالية واجتماعية تستنزف المواطنين والخزينة
الكهرباء في لبنان: من عبء الخزينة إلى فرصة للاستثمار
العتمة التي اعتاد عليها اللبنانيون منذ نحو 4 عقود
Smaller Bigger

عبدالله ناصرالدين

 

 

 

لم تعد أزمة الكهرباء في لبنان مجرد مشكلة تقنية تتعلق بنقص الإنتاج أو تقادم الشبكات، بل تحولت إلى أزمة اقتصادية ومالية واجتماعية تستنزف المواطنين والخزينة، وتحدّ من قدرة المؤسسات على الإنتاج والنمو. وبينما تتزايد الحاجة إلى تغذية كهربائية مستقرة، تبرز الشراكة مع القطاع الخاص بوصفها خياراً عملياً لتأمين التمويل والخبرات والتكنولوجيا، شرط أن تقوم على قواعد قانونية واضحة، ومناقصات شفافة، ورقابة تحمي المصلحة العامة.
فبدلاً من انتظار قدرة الدولة على تمويل معامل جديدة وتأهيل الشبكات من مواردها المحدودة، تستطيع الحكومة تحويل قطاع الكهرباء إلى فرصة استثمارية تستقطب شركات محلية ودولية، عبر اعتماد نظامي البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، والشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) كما أشار دولة الرئيس نبيه بري للرئيس نواف سلام في لقائهما الأخير.

ما الفرق بين BOT  وPPP؟
يقوم نظام BOT، أي البناء والتشغيل ونقل الملكية، على منح شركة خاصة حق تمويل مشروع كهربائي وإنشائه وتشغيله لمدة محددة، تسترد في خلالها استثماراتها وتحقق عائداً وفق شروط العقد. وعند انتهاء المدة، تنتقل ملكية المشروع إلى الدولة أو الجهة العامة المعنية، وفقاً للأحكام المتفق عليها.
فعلى سبيل المثال، يمكن طرح مناقصة لإنشاء معمل كهرباء بقدرة 500 ميغاواط، تتولى الشركة الفائزة تمويله وبناءه وتشغيله لمدة 20 أو 25 عاماً، لقاء تعرفة متفق عليها لبيع الكهرباء. وبعد انتهاء العقد، ينتقل المعمل إلى الدولة وفق الشروط الفنية والمالية المحددة مسبقاً.
أما نظام PPP، أي الشراكة بين القطاعين العام والخاص، فهو مفهوم أوسع يشمل نماذج متعددة للتعاون، تتوزع فيها مسؤوليات التمويل والبناء والتشغيل والصيانة والمخاطر بين الدولة والشركة الخاصة. وقد تحتفظ الدولة بملكية الأصول، أو تمنح المستثمر حق الانتفاع بها، أو تعتمد تقاسم الإيرادات، بحسب طبيعة المشروع والعقد.
وبالتالي، فإنBOT  ليس نقيضاً لـPPP، بل هو أحد النماذج التي يمكن اعتمادها من ضمن إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص. ويتوقف اختيار النموذج على طبيعة المشروع، ومصادر التمويل، وقدرة الدولة على تحمل المخاطر، والنتائج المطلوبة.

كيف يمكن تطبيق هذا الحل في لبنان؟
تبدأ الخطوة الأولى بوضع خطة وطنية واضحة تحدد حاجات لبنان الفعلية إلى الإنتاج، وأولويات تأهيل معامل الكهرباء، وتطوير شبكات النقل والتوزيع، والتوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. فلا يجوز طرح مشاريع استثمارية بمعزل عن خطة متكاملة تضمن استقرار التغذية وخفض كلفة الإنتاج وتقليص الإهدار.
وفي المرحلة الثانية، ينبغي تقسيم المشاريع إلى حزم استثمارية قابلة للتنفيذ، تشمل إنشاء معامل جديدة، وتأهيل معامل قائمة، وتطوير مشاريع الطاقة المتجددة، وتحديث الشبكات ومحطات التحويل والعدّادات الذكية. ويسمح هذا التقسيم بتوسيع قاعدة المستثمرين، بدلاً من حصر الفرص في مشروع ضخم قد يصعب تمويله أو تنفيذه.
أما الخطوة الثالثة، فتتمثل في إعداد دراسات جدوى فنية ومالية وقانونية مستقلة، تحدد كلفة كل مشروع، والتعرفة المتوقعة، وحجم الطلب، ومخاطر التمويل والتشغيل، والضمانات المطلوبة. كما يجب تحديد الجهة التي ستشتري الكهرباء، وآلية تسديد مستحقات المستثمر، بما يمنع انتقال المخاطر المالية بصورة غير محسوبة إلى الخزينة.
وتبرز هنا أهمية إطلاق مناقصات دولية تنافسية، تتيح للشركات المتخصصة تقديم عروضها وفق معايير معلنة، تشمل السعر والكفاءة والخبرة والقدرة التمويلية والالتزام البيئي. ويجب أن تخضع العقود للتدقيق والرقابة، وأن تُنشر شروطها الأساسية ومؤشرات الأداء وآليات المحاسبة، منعاً للاحتكار أو منح الامتيازات على أساس سياسي.

الإطار القانوني ودور الدولة
يمتلك لبنان أساساً تشريعياً يمكن البناء عليه، أبرزُه قانون تنظيم قطاع الكهرباء الرقم 462 لعام 2002، الذي وضع إطاراً لتنظيم الإنتاج والنقل والتوزيع، وقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص الرقم 48 لعام 2017، الذي حدد قواعد إعداد مشاريع الشراكة وإقرارها وتنفيذها.
لكن نجاح أي خطة يتطلب تطبيق هذه الأطر بصورة فعالة، وتعزيز استقلالية الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، وتحديد الصلاحيات بوضوح، وإعادة تنظيم مؤسسة كهرباء لبنان، بما يضمن الفصل بين وضع السياسات والرقابة والتنفيذ التجاري.
كذلك، ينبغي ألا تتحول ضمانات الدولة إلى التزامات مفتوحة تستنزف المالية العامة. فالعقود يجب أن تتضمن شروطاً واضحة لجودة الإنتاج واستمراريته، وغرامات عند الإخلال، وآليات لتعديل التعرفة عند الضرورة، وضمانات لحماية المستهلكين من الأسعار المفرطة.

من الاستثمار إلى كهرباء مستدامة
لا يكفي جذب المستثمرين إذا بقيت مشكلة الجباية والإهدار الفني والسرقات والتعرفة غير المستدامة من دون معالجة. لذلك، يجب أن تترافق الشراكة مع تحديث الشبكات، وتركيب العدادات الذكية، وتحسين التحصيل، واعتماد تعرفة تدريجية تراعي كلفة الإنتاج والقدرة الاجتماعية للأسر الأكثر هشاشة.
إن المطلوب ليس بيع قطاع الكهرباء، بل بناء شراكة ذكية تستخدم رأس المال الخاص والخبرة الدولية لتأمين خدمة عامة أفضل، مع احتفاظ الدولة بدورها التنظيمي والرقابي وحماية حقوق المواطنين.
فإذا أحسنت الحكومة إعداد المشاريع، ووزعت المخاطر بعدالة، وضمنت المنافسة والشفافية، يمكن الكهرباء أن تنتقل من كونها عبئاً دائماً على الخزينة إلى قطاع قادر على جذب الاستثمارات وتحفيز الاقتصاد.
المشكلة في لبنان ليست غياب النماذج الاستثمارية، بل غياب التنفيذ المستدام. والحل يبدأ بقرار سياسي واضح، وخطة قابلة للقياس، وعقود تحمي الدولة والمستثمر والمواطن في آن واحد.

     
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 10/11/2026 10:00:00 PM
اتّسعت اضطرابات السفر من السعودية وإليها، مع إلغاء رحلات لدى شركات لبنانية وإماراتية وأوروبية
صحة وعلوم 10/12/2026 6:18:00 AM
وضعية الذراع الخاطئة أثناء قياس ضغط الدم تُؤدّي إلى قراءة أعلى من الواقع، ما قد يُؤثرّ في دقّة التشخيص.
لبنان 10/12/2026 3:18:00 PM
الجيش الإسرائيلي: الانفجار نجم على ما يبدو عن قنبلة عنقودية تابعة لـ "حزب الله"