للخيال ثمن باهظ
ديما زرقط
لطالما آمن بأنّ الكتب هي الطريقة الأكثرعدلاً للسفر، أن يعبر البحار دون تذكرة، أن يدخل عوالم جديدة وأن يعيش حيواتٍ عديدة، كلّ ذلك وهو جالس يمضي بين السطور كأنّ المسافات لا وجود لها، لم يكن يحتاج إلى جواز سفر ولا حقائب، كانت تكفيه بضع صفحات ليغادر هذا الواقع.
في زمنٍ صار فيه كلّ شيء يُقاس بكلفته، بدأ يكتشف أنّه حتى هذا السفر لم يعد بمنأى عن حسابات الحياة فصارعليه أن يتأمل سعر الكتاب قبل عنوانه، وأن يحسب كلفة الرحلة قبل خوضها، عشرون دولاراً لكتابٍ واحد، مبلغٌ قد يساوي في مفارقةٍ تكاد لا تُصدَّق، ثمن تذكرة نقل إلى مكانٍ آخر.
هكذا، وجد نفسه أمام سؤالٍ لم يخطر بباله يوما:
ماذا لو لم يعد الخيال هو الآخر ملاذاً متاحاً للجميع؟
هذه المفارقة لا تقف عند حدود قارئ اضطرّ إلى تأجيل شراء كتاب انما تتجاوزها لتكشف جانباً آخر من الأزمة الاقتصادية في البلاد، جانباً لا يتعلّق فقط بحاجات الانسان للعيش، بل بحاجته ليبقى قادراً على التفكير حتى، فمع الارتفاع المتزايد في أسعار الكتب لم يعد اقتناؤها قراراً بسيطا بل بات يخضع لحسابات القدرة الشرائية والأولويات التي تفرضها الحياة اليومية.
في بلدٍ تثقل كاهل أبنائه الأعباء المعيشية، يصبح تخصيص مبلغٍ قد يصل إلى عشرين دولاراً لشراء كتابٍ واحد أمراً يستحقّ التفكير فالمبلغ الذي قد يبدو عادياً للبعض قد يمثّل عبئاً إضافياً على طالب يبحث عن مرجعٍ دراسي، أو قارئ يحاول الحفاظ على شغفه.
هكذا لا يعود السؤال مقتصراً على سبب ارتفاع أسعار الكتب، بل يمتدّ إلى أثر هذا الارتفاع في علاقة الإنسان بالقراءة وفي قدرته على الوصول إلى المعرفة التي لا تقلّ أهميةً عن حاجاته الأخرى.
الامر بكامله ليس ظاهرةً منفصلة عن الواقع الاقتصادي العام، بل هو نتيجة تداخل مجموعة من العوامل التي جعلت صناعة الكتاب أكثر كلفةً، والوصول إليه أكثر صعوبة، فارتفاع أسعار الورق ومواد الطباعة، وتزايد تكاليف الشحن والاستيراد، فضلاً عن تقلّبات أسعار الصرف في الأسواق التي تعتمد على استيراد الكتب أو مستلزماتها، كلّها عوامل تنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على السعر النهائي الذي يدفعه القارئ.
وتكمن خطورة هذا الواقع في أنّ أثره لا يتوقّف عند حرمان القارئ من كتاب، بل يمتد إلى فرصته في الوصول إلى أفكار وتجارب ومعارف، فالكتاب لا يقدّم له حكايةً فحسب، بل يفتح أمامه احتمالات جديدة للفهم فحين تصبح كلفة الوصول إلى هذه المعرفة عائقاً، فإن السؤال يتجاوز القدرة على الشراء ليطال عدالة الوصول إلى الثقافة نفسها.
في مواجهة هذا الواقع تبرز بدائل قد تساعد على إبقاء القراءة متاحة، من المكتبات العامة إلى تبادل الكتب واستعارتها وصولاً إلى اقتناء النسخ المستعملة والاستفادة من المصادر الرقمية القانونية غير أنّ هذه الحلول، على أهميتها، لا تعفي المؤسسات الثقافية والتربوية من مسؤوليتها في البحث عن وسائل تجعل الكتاب أقرب إلى القرّاء، ولا سيّما الطلاب والشباب الذين يحتاجون إلى المعرفة في مرحلة تتشكّل فيها أفكارهم وتتّسع آفاقهم. فإتاحة الكتب بأسعار مناسبة، ودعم المبادرات القرائية، وتوسيع المكتبات العامة هي خطوات يمكن أن تحدّ من تحوّل الثقافة إلى امتياز مرتبط بالقدرة المادية.
ولعلّ المفارقة الأكثر إيلاماً أنّ الكتاب، الذي لطالما ارتبط بالتحرّر من الحدود، بات يصطدم بحدودٍ جديدة تفرضها الظروف الاقتصادية فالقارئ الذي كان يعبر البحار بين الصفحات دون أن يسأل عن كلفة الرحلة، أصبح مضطرّاً إلى التفكير في ثمن العبور قبل أن يخطو خطوته الأولى.
مع ذلك، فإنّ استمرار الرغبة في القراءة والبحث عن بدائل تتيح الوصول إلى الكتب، يكشفان أنّ الشغف بالمعرفة لم ينتهِ بل بات يبحث عن طرقٍ أخرى ليبقى حيّاً.
إنّ هذه القضية في جوهرها، ليست مطالبةً بأن يكون الكتاب بلا ثمن، ولا تجاهلاً للتكاليف التي يتحمّلها المؤلّفون والناشرون والمكتبات، بل محاولة لإيجاد توازنٍ يحفظ استمرارية صناعة الكتاب، من دون أن يجعل الوصول إلى المعرفة أكثر صعوبة على من يحتاجون إليها. فالثقافة لا تزدهر حين تبقى حبيسة رفوف المكتبات بل حين تجد طريقها إلى أيدي القرّاء وعقولهم، وحين يستطيع الإنسان أن يختار كتابه بدافع الفضول والشغف، لا أن يتخلّى عنه لأنّ ثمنه يفوق قدرته كما لا يستطيع القارئ أن يغيّر الظروف الاقتصادية التي تحيط به، لكنّ المجتمع يستطيع أن يبحث عن طرقٍ تُبقي أبواب المعرفة مفتوحة أمامه لأنّ أخطر ما يمكن أن يخسره الإنسان ليس رحلةً لم يستطع القيام بها، بل عالماً كاملاً كان بإمكانه أن يكتشفه لو أنّ الطريق إليه ظلّ مفتوحاً
فما قيمة العوالم التي تفتحها الكتب، إذا أصبح الوصول إليها امتيازاً لا يملكه الجميع؟
نبض