مبادرة البابا لاوون: التعليم مدخلٌ للحفاظ على الحضور المسيحي والنسيج المجتمعي في الشرق

منبر 12-10-2026 | 10:33

مبادرة البابا لاوون: التعليم مدخلٌ للحفاظ على الحضور المسيحي والنسيج المجتمعي في الشرق


لا يمكن قراءة قرار البابا لاوون الرابع عشر تقديم منح دراسية الى التلامذة وطلاب المدارس والجامعات الكاثوليكية في لبنان وسوريا والعراق بمعزل عن التحديات التي تواجه الوجود المسيحي والنسيج المجتمعي المحلي في الشرق الأوسط.
مبادرة البابا لاوون: التعليم مدخلٌ للحفاظ على الحضور المسيحي والنسيج المجتمعي في الشرق
البابا لاوون في لبنان (نبيل إسماعيل).
Smaller Bigger
 د. فادي عساف - سفير لبنان لدى الكرسي الرسولي 

لا يمكن قراءة قرار البابا لاوون الرابع عشر تقديم منح دراسية الى التلامذة وطلاب المدارس والجامعات الكاثوليكية في لبنان وسوريا والعراق بمعزل عن التحديات التي تواجه الوجود المسيحي والنسيج المجتمعي المحلي في الشرق الأوسط. فالمبادرة، وإن اتخذت شكل دعم مباشر للأقساط المدرسية والجامعية، تتصل بمسألة أعمق: كيف يمكن المجتمعات المسيحية أن تحافظ على حضورها في أرضها، وأن تصون هويتها الثقافية ودورها في مجتمعاتها، وأن تواصل مساهمتها في الحياة العامة، في ظل الأزمات الاقتصادية والنزاعات المتواصلة وموجات الهجرة؟
 
يدرك الكرسي الرسولي أن تراجع الأوضاع المعيشية لا يقتصر أثره على الأمن الاقتصادي للعائلات، بل يطاول أيضاً قدرتها على تعليم أبنائها، ويهدد استمرارية المدارس والجامعات التي شكّلت، مدى أجيال، إحدى الركائز الأساسية للحضور المسيحي وللتفاعل بين مكوّنات المجتمع المحلي. وعندما تصبح كلفة التعليم عبئاً يتعذّر على العائلات تحمّله، فإن الخسارة لا تقتصر على فرصة دراسية ضائعة فحسب، بل تمتد إلى إضعاف المؤسسات التي تنقل التراث الثقافي، وتحافظ على استمرارية الجماعة وتماسكها، وتوفّر في الوقت نفسه مساحات للقاء بين أبناء الطوائف والخلفيات المختلفة. ومن هنا، تكتسب مبادرة البابا أهميتها، لأنها تتناول أحد الأسباب التي تدفع العائلات إلى التفكير في الهجرة، وتربط دعم التعليم بإمكان البقاء في الوطن والحفاظ على النسيج الاجتماعي الذي يجمع أبناءه.
 
ويأتي هذا القرار ليؤكد أن التزام الكرسي الرسولي حيال الكنائس الشرقية لا يقتصر على المواقف والتصريحات، بل يُترجم أيضاً إلى مساعدة ملموسة، من خلال دائرة الكنائس الشرقية وبالتعاون مع المؤسسات الكنسية والتربوية المعنية. والغاية، كما أوضح البابا، هي مساندة الشباب وعائلاتهم، ومساعدتهم على مواصلة حياتهم في بلدانهم. إنها مقاربة تنظر إلى التعليم باعتباره استثماراً في مستقبل هذه المجتمعات، وفي قدرتها على الحفاظ على تنوّعها وتماسكها، لا مجرد استجابة لحاجة آنية.
 
لكن المسؤولية عن الحفاظ على هذا الوجود وعلى النسيج المجتمعي المحلي لا تقع على عاتق الفاتيكان والكنائس وحدهما. فالمبادرة قد تطرح في الوقت نفسه، ضرورة توسيع دائرة المساهمين لتشمل الدول والمؤسسات الدولية والجهات الدينية والمدنية والقطاع الخاص. ويمكن الدعم الذي يقدمه الكرسي الرسولي أن يشكّل حافزاً لمثل هذا الانخراط، وخصوصاً إذا تطوّر إلى شراكات طويلة الأمد تضمن استمرارية المدارس والجامعات، وتوسّع فرص التعليم أمام الأجيال الشابة، وتحافظ على المؤسسات التي تؤدي دوراً في ربط مكوّنات المجتمع بعضها ببعض.
 
ولا ينبغي النظر إلى هذه المؤسسات من زاوية خدمة المسيحيين وحدهم. فقد كانت مدارس وجامعات كثيرة في لبنان وسوريا والعراق فضاءات مشتركة جمعت أبناء طوائف وخلفيات مختلفة، وساهمت في بناء علاقات إنسانية وثقافية تتجاوز الانتماءات الدينية. والحفاظ عليها هو، بالتالي، حفاظ على جزء من الذاكرة المشتركة للمنطقة، وعلى مساحات للتفاعل والحوار، وعلى النسيج المجتمعي المحلي الذي لا يقوم على التماثل، بل على قدرة مكوّناته المختلفة على العيش معاً والتعاون في مؤسسات مشتركة. فحين تضعف هذه المؤسسات أو تفقد قدرتها على الاستمرار، لا تتأثر جماعة بعينها فحسب، بل يخسر المجتمع بأسره أحد الأماكن التي يتعرّف فيها أبناؤه بعضهم إلى بعض، ويتعلمون فيها قيم المواطنة والاحترام المتبادل.
 
ومن هنا، تبرز أيضاً دلالة المبادرة على مستوى الديبلوماسية الفاتيكانية. فدور الكرسي الرسولي في الشرق الأوسط لا يُقاس فقط بمواقفه السياسية أو بجهوده في الوساطة والدفاع عن السلام والحرية الدينية فحسب، بل كذلك بقدرته على دعم التعليم والثقافة والمؤسسات التي تحفظ تماسك المجتمعات وتمنع تفككها. وهذه مساحة يمكن أن تتيح للديبلوماسية الفاتيكانية تطوير مقاربة أكثر تكاملاً، تجمع بين العمل السياسي والإنساني والتربوي والثقافي، وتتعامل مع حماية الحضور المسيحي بوصفها جزءاً من حماية التنوّع والتوازن والنسيج الاجتماعي في المنطقة.
 
وفي لبنان وسوريا والعراق، حيث تتفاوت الظروف والتحديات، يمكن البناء على هذه المبادرة لتطوير تعاون أوسع في مجال التعليم، وربطه بجهود إعادة بناء المجتمعات التي أنهكتها الأزمات. فإعادة الإعمار لا تعني ترميم المباني والبنى التحتية فحسب؛ إنها تعني أيضاً استعادة الثقة، وفتح آفاق أمام الشباب، ومساعدة العائلات على استعادة شعورها بأن لها مستقبلاً في بلدانها، وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على استعادة علاقاتها الداخلية. ومن دون الاستثمار في الإنسان والمؤسسات التربوية، تبقى إعادة البناء ناقصة مهما تقدّم الجانب المادي منها، لأن المجتمعات لا تُرمَّم بالحجر وحده، بل بإعادة بناء الروابط التي تجمع أبناءها.
 
لا يعني ذلك أن مبادرة المنح الدراسية، في ذاتها، تشكّل إعلاناً عن خطة فاتيكانية شاملة لإعادة إعمار المنطقة. لكنها تفتح المجال أمام التفكير في دور أكثر انتظاماً واتساعاً للكرسي الرسولي، بالتعاون مع الكنائس المحلية والشركاء الدوليين، في دعم المجتمعات المتضررة وتعزيز قدرتها على الصمود، وفي حماية المؤسسات التي تساهم في إبقاء النسيج المجتمعي متماسكاً رغم الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية.
 
في نهاية المطاف، الرسالة الأساسية واضحة: إن الحفاظ على الحضور المسيحي في الشرق لا يتحقق بالدعوة إلى البقاء وحدها، بل بتوفير الشروط التي تجعل هذا البقاء ممكناً، وبما يعزّز في الوقت نفسه النسيج المجتمعي المحلي. والتعليم في صلب هذه الشروط. فمن خلال دعم المدارس والجامعات، لا تُصان فرص الشباب فحسب، بل تُحمى أيضاً الذاكرة الثقافية للمجتمعات، وتُعزّز قدرتها على مواصلة دورها في حياة أوطانها، وعلى المشاركة في بناء علاقات اجتماعية أكثر توازناً وانفتاحاً.
 
وهذا ما يمنح قرار البابا بعده الأوسع: فهو تعبير عن التضامن مع الجماعات المسيحية الشرقية، لكنه يذكّر أيضاً بأن صون وجودها لا ينفصل عن الحفاظ على تنوّع الشرق الأوسط وعلى نسيجه المجتمعي المحلي وإرثه الإنساني المشترك.
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

آراء 10/11/2026 7:29:00 AM
كان هناك قصر نظر، ولم يكن أحد يتوقع أن يرى الكويت شبيهة بالحالة التي شهدتها دول عربية وإسلامية ما قبل انفجار الأوضاع فيها.
ثقافة 10/9/2026 5:11:00 AM
لا سبيل إلى إنقاذ الموقوف في معمل البصل إلا بالوصول إليه قبل الإنطلاق به إلى دمشق
لبنان 10/11/2026 4:23:00 PM
مسؤول أممي: رسالة إسرائيلية تُفيد بأنّ تل أبيب تنتظر أصغر ردّ من "حزب الله" ولو أطلق صاروخاً واحداً أو مسيرة في اتجاه شمال إسرائيل، "ستُقدم على الرد في الجنوب وكل المناطق التي ينتشر فيها حزب الله وجمهوره في الجنوب والبقاع وصولا إلى الضاحية الجنوبية".
لبنان 10/11/2026 12:00:00 AM

تحدثت تقارير إضافية عن تفاصيل جديدة عن شحنة المتفجرات التي ضُبطت على حاجز ضهر البيدر، فكشفت أنها كانت تحتوي على مسامير وكرات معدنية، وأن وجهتها كانت الضاحية الجنوبية لبيروت، لتسليمها إلى شخص يُدعى ذو الفقار.