شرايين قلقة: فلسفة الحصار وموازين القوة

منبر 12-10-2026 | 09:56

شرايين قلقة: فلسفة الحصار وموازين القوة


في عالمٍ يقيس استقراره بحركة السوائل في عروق الأرض، وقف التاريخ مذهولاً على ضفاف مضيق هرمز. قيل إن نحو 22 مليون برميل من النفط عبرت الممرّ في يوم واحد، كأنها زفرة عملاقة تحاول أن تطمئن روع عالمٍ يتوجّس من انقطاع الطاقة.
شرايين قلقة: فلسفة الحصار وموازين القوة
قوارب بالقرب من ساحل باب المندب في اليمن في 2 أبريل 2026 (رويترز)
Smaller Bigger
محمد الجوهري - ناشط وكاتب سياسي




في عالمٍ يقيس استقراره بحركة السوائل في عروق الأرض، وقف التاريخ مذهولاً على ضفاف مضيق هرمز. قيل إن نحو 22 مليون برميل من النفط عبرت الممرّ في يوم واحد، كأنها زفرة عملاقة تحاول أن تطمئن روع عالمٍ يتوجّس من انقطاع الطاقة. 
غير أنّ الأرقام، مهما بدت ضخمة، لا تكفي وحدها لتبديد القلق؛ فالأسواق لا تنظر إلى ما يتدفق الآن فحسب، بل إلى ما قد يتوقف غداً. 
وفي خضم التوترات والهجمات على السفن، ظل النفط فوق مئة دولار للبرميل، لأن السوق يسعّرها الخطر المحتمل، لا البراميل العابرة وحدها.
هنا تبدأ المفارقة: كيف يتدفق النفط، فيما تبقى الأسعار مشدودة إلى القلق؟ 
الجواب أن الوفرة المادية لا تعني الطمأنينة السياسية. 
فالممرّ قد يظل مفتوحاً، لكن كلفة العبور ترتفع، والتأمين يصبح أغلى، والسفن تتردد، والتجار يحسبون حساباً لكل احتمال. وفي هذه المسافة بين الواقع والتوقّع تتكوّن "علاوة الخطر": ثمنٌ إضافي لا يُدفع في مقابل نقصٍ وقع بالفعل، بل في مقابل احتمال أن يقع. 
وهكذا يتحول الخوف، قبل أن يتحول إلى نقص، إلى سلعة تُسعَّر وتُتداول.
لكن المسألة أعمق من النفط وأسعاره. 
إنها سؤال عن العالم الذي يجعل أمن الطاقة أولويةً تعلو، في أحيان كثيرة، على أمن البشر أنفسهم. 
حين تُعلن القوى الكبرى أن هدفها حماية الملاحة أو ضمان تدفق الإمدادات، يبدو الكلام في ظاهره دفاعاً عن مصلحة عامة. غير أن هذه اللغة تخفي سؤالاً آخر: مصلحة من تُحمى أولاً؟ ومن يتحمل كلفة حمايتها؟ فالمضائق التي تبدو خطوطاً على الخرائط هي، بالنسبة إلى من يعيشون قربها، حدودٌ مفتوحة على الحرب، وموانئُ قد تُغلق، وطرقُ إمداد تتعطل، وأيامٌ يزداد فيها الخوف على الخبز والدواء.
في هذا السياق، تبدو واشنطن طرفاً مركزياً لا مراقباً محايداً؛ فهي تتحرك وفق تصوراتها للأمن والنفوذ، وتربط بين حماية خطوط الملاحة والضغط السياسي والعسكري. لكن حين تُستخدم العقوبات والحصار والقوة في آنٍ واحد، لا تعود الحدود بين "التأمين" و"الإكراه" واضحة. فالأداة التي تُقدَّم باعتبارها إجراءً موقتاً قد تستقر في حياة الناس كواقع دائم، وتتحول من وسيلة لفرض تنازل سياسي إلى ضغطٍ يطاول مجتمعات كاملة. ولا يعني ذلك أن لكل طرف اليد ذاتها أو المسؤولية ذاتها؛ لكنه يعني أن لغة المصالح، حين تنفرد بالمشهد، تجعل المدنيين غالباً الحلقة الأضعف فيه.
ولا تقف القوى الإقليمية خارج هذه المعادلة. فالسعودية، بما تملك من وزنٍ سياسي واقتصادي، طرف فاعل في حسابات الأمن الإقليمي، كما أن الحرب اليمنية خلّفت قيوداً وأضراراً طاولت المدنيين والمنافذ الحيوية. وقد وصفت منظمات حقوقية القيود المفروضة على الموانئ والمساعدات بأنها عامل فاقم الأزمة الإنسانية، فيما ظل مطار صنعاء مغلقاً أمام الرحلات التجارية منذ سنوات. وهنا تتسع الهوّة بين خطاب حماية الاستقرار ونتائجه على الأرض: فالاستقرار الذي يُبنى بإضعاف مجتمعٍ كامل قد يكون اسماً آخر لهشاشةٍ مؤجلة.
من هرمز إلى باب المندب، تتضح جغرافيا مترابطة لا تفصلها المسافات بقدر ما تجمعها المصالح والمخاوف. فإذا تعرّض طريق بحري للاضطراب، بحثت الدول عن طريق بديل؛ وإذا صار البديل نفسه موضع تهديد، اتسعت دائرة القلق لتشمل الشحن والتأمين والطاقة والأسعار. وقد حذّر تحليل لـ"رويترز" من أن تعطّل باب المندب قد يرفع كلفة نقل النفط ويؤخر وصوله إلى المصافي، حتى مع وجود مسارات بديلة؛ فالتحويل لا يمحو الأزمة، بل ينقل بعض كلفتها إلى مكان آخر.
هنا يمكن فهم ما نسميه "الحصار المرتد": ليس بوصفه قانوناً حتمياً يجعل كل حصار يولّد حصاراً مضاداً، بل باعتباره منطقاً سياسياً يفتح باب الردّ، ثم يوسّع دائرة الخسارة. حين تُضيَّق منافذ بلدٍ ما، قد يسعى الطرف المحاصر إلى نقل الضغط نحو ممرات أو مصالح أوسع. غير أن الردّ لا يظل محصوراً بخصمه؛ فالملاحة المدنية والاقتصاد العالمي والسكان في بلدان المنطقة قد يصبحون جميعاً جزءاً من كلفة المواجهة. وفي هذا المسار لا تختفي القوة، لكنها تفقد قدرتها على التحكم بنتائجها.
والمفارقة أن كل طرف يصف فعله بأنه دفاع، وفعل خصمه بأنه عدوان. كل حصار يُسوَّغ باعتباره ضرورة، وكل ردّ يُقدَّم باعتباره استعادةً للتوازن. لكن المدني الذي ينتظر وصول الغذاء لا يعيش داخل هذه التعريفات، كما أن العامل الذي يدفع ثمن الوقود لا يعنيه كثيراً مَن انتصر في سجال البيانات. ما يعنيه هو أن القرارات التي تُتخذ بعيداً عنه تسكن تفاصيل حياته، وأن "الردع" الذي يُبشَّر به قد يتحول إلى خوفٍ متبادل لا يردع أحداً.
لذلك، لا يكفي أن نسأل كم برميلاً عبر مضيق هرمز، ولا أن نراقب اتجاه الأسعار وحده. السؤال الأهم هو: أيّ نظام سياسي يجعل حياة الملايين رهينةً لممرّ ضيق، ثم يطلب منهم أن يسمّوا ذلك استقراراً؟ حين تصبح الممرات البحرية أوراق ضغط، ويتحول الحصار إلى لغة تفاوض، يصبح العالم كمن يحاول إخماد النار بالاقتراب منها أكثر. قد تمرّ السفن هذه الليلة، وقد تنخفض الأسعار غداً، لكن الطمأنينة لا تعود بمجرد عبور النفط.
إنها تحتاج إلى ما هو أصعب: كبح منطق الإكراه، حماية المدنيين، وفتح طريقٍ سياسي لا يجعل الخنق مقدمةً للخنق المضاد.
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

آراء 10/11/2026 7:29:00 AM
كان هناك قصر نظر، ولم يكن أحد يتوقع أن يرى الكويت شبيهة بالحالة التي شهدتها دول عربية وإسلامية ما قبل انفجار الأوضاع فيها.
ثقافة 10/9/2026 5:11:00 AM
لا سبيل إلى إنقاذ الموقوف في معمل البصل إلا بالوصول إليه قبل الإنطلاق به إلى دمشق
لبنان 10/11/2026 4:23:00 PM
مسؤول أممي: رسالة إسرائيلية تُفيد بأنّ تل أبيب تنتظر أصغر ردّ من "حزب الله" ولو أطلق صاروخاً واحداً أو مسيرة في اتجاه شمال إسرائيل، "ستُقدم على الرد في الجنوب وكل المناطق التي ينتشر فيها حزب الله وجمهوره في الجنوب والبقاع وصولا إلى الضاحية الجنوبية".
لبنان 10/11/2026 12:00:00 AM

تحدثت تقارير إضافية عن تفاصيل جديدة عن شحنة المتفجرات التي ضُبطت على حاجز ضهر البيدر، فكشفت أنها كانت تحتوي على مسامير وكرات معدنية، وأن وجهتها كانت الضاحية الجنوبية لبيروت، لتسليمها إلى شخص يُدعى ذو الفقار.