التحوّل الجذري في الشرق الأوسط: مَن يصنعه؟

منبر 11-10-2026 | 12:41

التحوّل الجذري في الشرق الأوسط: مَن يصنعه؟

تحليل شامل لتحولات الشرق الأوسط بين سوريا واليمن والصراع الأميركي-الإيراني، وأهمية الدفاع عن مصالح الدول بقدرات ذاتية وتحالفات فعالة.

التحوّل الجذري في الشرق الأوسط: مَن يصنعه؟
تواجه الدول العربية تحديات متزايدة في مجالَي السيادة والأمن الإقليمي، وسط تساؤلات حول قدرتها على حماية مصالحها وتعزيز تحالفاتها. الرئيس السوري أحمد الشرع (الصورة: وكالة الأنباء السورية الرسمية سانا).
Smaller Bigger

وائل الأمين*

 

 

مع اقتراب الذكرى الثانية لسقوط نظام البعث في سوريا، تقف المنطقة أمام ثلاثة ملفات مفتوحة في آن واحد: الانتخابات الإسرائيلية، وتصاعد الحرب في اليمن، ومآلات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. في الشكل، يبدو المشهد شبيهاً بالأيام التي سبقت سقوط الأسد؛ تسارعٌ في الأحداث وترقّبٌ لما سيأتي. لكن المضمون مختلف، فلكلّ ملف من هذه الملفات حساباته الخاصة.

 

نعم، نحن نعيش تحوّلاً جذرياً. غير أن جوهر هذا التحوّل لا يكمن في هوية مَن سيفوز بالانتخابات أو مَن سينتصر في الحروب، بل في سؤال واحد تطرحه هذه الملفات الثلاثة، كلٌّ بطريقته: هل نحن قادرون على الدفاع عن مصالحنا ودولنا وشعوبنا بأنفسنا؟

 

 

سوريا: الديبلوماسية وحدها لا تستعيد الأرض

 

 

الاختبار الأول يجري على الأرض السورية. فإسرائيل تتوغّل يومياً في الجنوب، من ريف القنيطرة إلى ريف درعا الغربي، وصولاً إلى ريف دمشق الغربي، وقد استأنفت مؤخراً العمل على "خط سوفا 53" ("سوفا" تعني عاصفة بالعبرية)، وهو مشروع عسكري يمتد نحو 70 كيلومتراً داخل محافظة القنيطرة، تقضم تل أبيب بموجبه مزيداً من الأراضي السورية. في المقابل، لا تملك الحكومة السورية سوى خطوات ديبلوماسية محدودة. صحيحٌ أن القيادة السورية حديثة العهد، وأنها لا تزال تنفض عنها غبار عقوبات دولية متراكمة، لكن الدرس هنا واضح: الديبلوماسية وحدها لا تستعيد أرضاً ما لم تستند إلى تحالفات تفرض وقائع جديدة وتُجبر تل أبيب، في الحد الأدنى، على وقف التوغّل.

 

ولهذا السبب تحديداً، لا ينبغي أن نعلّق آمالاً كبيرة على الانتخابات الإسرائيلية. فكثيرون في العالم العربي يترقّبون نتائجها على أمل أن تُفرز حكومة قادرة على رأب الصدع الذي خلّفته حكومة بنيامين نتنياهو، غير أن الوقائع لا توحي بأن تغيّر الوجوه سيغيّر السلوك؛ فالصراع لا يزال قائماً في جنوب لبنان، وإن بوتيرة أخف، والنزعة الهجومية سمة ثابتة لدى الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، أيّاً كان مَن يقودها. وانتظار ما ستقرّره صناديق الاقتراع في إسرائيل هو، في حقيقته، تسليمٌ لزمام المبادرة لغيرنا.

 

 

أعمال حفر وتحصين عسكري للجيش الاسرائيلي في محافظة القنيطرة السورية. (رويترز)
أعمال حفر وتحصين عسكري للجيش الاسرائيلي في محافظة القنيطرة السورية. (رويترز)

 

 

 

اليمن: حرب تستنزف الموارد وتُلهي عن الأولويات

 

 

الاختبار الثاني يجري في اليمن، حيث تحوّل الصراع في جوهره إلى حرب مضائق وممرات مائية. فجماعة الحوثي لا تزال تفرض حصاراً بحرياً على السعودية، وتستهدف منشآت الطاقة والمطارات، وهو عمل إرهابي مُدان. لكن هذا التوصيف لا يعني شيئاً لجماعة لا يعترف بها أحد في العالم سوى طهران. والأهم من ذلك هو أثر هذه الحرب: فهي تستنزف موارد الدول العربية واهتمامها في معركة مفتوحة بلا أفق، بينما تبقى إيران، الراعي الوحيد لهذه الجماعة، بعيدة عن كلفتها المباشرة. وهذا ما يجعلها، في المحصّلة، عملية إلهاء للعرب عن أولوياتهم الحقيقية.

 

والدولة العربية التي قرأت هذه المعادلة مبكراً هي الإمارات العربية المتحدة، إذ أنهت في عام 2019 وجودها العسكري في اليمن، ثم أعلنت أبوظبي في نهاية العام الماضي عن إنهاء مهمة ما تبقّى من فرق مكافحة الإرهاب، واستكملت سحبها مطلع كانون الثاني/يناير الماضي. وهذا موقف لا يعني التخلّي عن المواجهة، بل يعني رفض خوضها في ميدان يختاره الخصم. فإدراك الطبيعة الحقيقية للصراع، وطبيعة الجماعات التي تتستّر بغطاء الدين، هو نصف الحل لكل صراعات منطقتنا.

 

 

الحرب الأميركية-الإيرانية: مَن يحمي مصالحنا؟

 

 

أما الاختبار الثالث، وهو الأصعب، فقد فرضته الحرب الأميركية-الإيرانية، التي مرّت منذ اندلاعها بمنعطفات عسكرية وديبلوماسية عدة. فقد وجدت دول المنطقة نفسها في مرمى الهجمات الإيرانية مباشرة، وكان ما قامت به للتصدّي لها عملاً بطولياً وشجاعاً، أثبت أننا قادرون على حماية مصالحنا حين نمتلك الأدوات.

 

لكن هذا النجاح يطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله: إلى متى سنعتمد على قدرات عسكرية نستوردها بالمليارات؟ إن كانت هذه القدرات تحمينا، فعلينا أن نطوّرها ونوطّنها ونواكب مسارات التكنولوجيا العسكرية الحديثة. وإن لم تكن كذلك، فنحن أمام مشكلة كبيرة: لماذا ندفع ثمن حماية لا نحصل عليها؟

 

في المحصّلة، الشرق الأوسط يتغيّر بالفعل، وسيتغيّر سواء شاركنا في صناعة هذا التغيير أم لا. والفارق الوحيد هو ما إذا كان هذا التحوّل الجذري سيُصنع بأيدينا، بقدرات ذاتية وتحالفات فاعلة، أم سيُفرض علينا من تل أبيب أو طهران أو واشنطن.

 

 

* إعلامي سوري

الأكثر قراءة

ثقافة 10/9/2026 5:11:00 AM
لا سبيل إلى إنقاذ الموقوف في معمل البصل إلا بالوصول إليه قبل الإنطلاق به إلى دمشق
الولايات المتحدة 10/9/2026 10:43:00 PM
عيّن ترامب كاتي زكاريا متحدثة باسم البيت الأبيض خلفاً لكارولين ليفيت. وهي معلّقة سياسية محافظة ومتحدثة سابقة باسم وزارة الأمن الداخلي.
لبنان 10/10/2026 12:00:00 AM
الحدث الخطير الذي طغى على مجمل المشهد الداخلي تمثّل في كشف مصدر أمني لبناني عن ضبط 800 كيلوغرام من المتفجرات في سيارة على حاجز الأمن الداخلي في ضهر البيدر، مشيراً إلى أن الأمن الداخلي ضبط المتفجرات مع عنصرين ينتميان إلى "حزب الله"، هما "ع-ش-ك" و"ه-أ-أ".
فن ومشاهير 10/9/2026 9:50:00 AM
اتفقت الكاتبتان وشركة الإنتاج على إنهاء التعاون بينهما.