حين يُدهس جسد الأسير الأعزل: في سقوط الحرب إلى ما دون الحرب

منبر 08-10-2026 | 12:15

حين يُدهس جسد الأسير الأعزل: في سقوط الحرب إلى ما دون الحرب

الحرب، في أعتى صورها، لم تُترك للفوضى المطلقة.
فمنذ أن أدركت الإنسانية أن القتال قد يلتهم القاتل كما يلتهم المقتول، أقامت للحرب حدوداً، وجعلت للقوة ميزاناً.
حين يُدهس جسد الأسير الأعزل: في سقوط الحرب إلى ما دون الحرب
تعبيرية
Smaller Bigger

محمد الجوهري - كاتب وناشط سياسي

 

 

الحرب، في أعتى صورها، لم تُترك للفوضى المطلقة. 
فمنذ أن أدركت الإنسانية أن القتال قد يلتهم القاتل كما يلتهم المقتول، أقامت للحرب حدوداً، وجعلت للقوة ميزاناً. 
ومن هنا نشأت فكرة أن الحق في القتال حقٌّ مقيَّد، وأن مشروعية السلاح تنتهي عند الحدّ الذي ينتهي عنده الخطر. 
وما يتجاوز هذا الحد لا يكون حرباً، وإن جرى في ميدانها، بل يكون جريمة ارتُكبت تحت ستارها.
وفي هذا الإطار تُقرأ الوقائع المتداولة من جبهات الساحل الغربي في اليمن، حيث تُظهر المشاهد دهساً بالآليات العسكرية لأشخاص مستلقين على الأرض. 
وهي مشاهد، إن صحّت نسبتها ومكانها وزمانها بعد التحقق المستقل منها، فإنها تستدعي أشد أنواع المساءلة القانونية والأخلاقية.

سيقال، كما يقال في كل مرة، إن هؤلاء قاتلوا، وإنهم رفضوا الإستسلام، وإن الميدان ميدان نار لا يُحاكَم فيه الفعل بميزان الصالونات. 
وهذه حجة تستحق أن تُفكَّك.
فالضرورة العسكرية قيدٌ قبل أن تكون رخصة. 
هي تُجيز من القوة ما كان لازماً لتحييد الخصم، ولا تجيز ما فاض عن ذلك. 
وحين يكون الإنسان مستلقياً على الأرض أعزلاً، جريحاً أو عاجزاً أو مستسلماً، فقد انتهى الخطر، وانتهت بانتهائه الحاجة، وما يقع بعد ذلك لا يخدم هدفاً عسكرياً. 
إنه يخدم شيئاً آخر: الرغبة في أن يُمحى الخصم محواً، لا أن يُهزم هزيمة.
وهنا الفرق الذي تقوم عليه الحضارة كلها: القتال يستهدف قدرة الخصم، والإنتقام يستهدف جسده. الأول حرب، والثاني ما دونها.
فمن أبدع ما صاغته الإنسانية في قانون الحرب أنها حوّلت الضعف من سبب للفتك إلى سبب للحماية. 
فالمادة 41 من البروتوكول الإضافي الأول لإتفاقات جنيف تحظر مهاجمة من يُعترف، أو ينبغي الإعتراف، بأنه عاجز عن القتال. وفي عبارة "ينبغي الإعتراف" حكمة بالغة: فالقانون لا يحاسب الفاعل على ما رآه فحسب، بل على ما كان عليه أن يراه. 
ومن تعامى عن عجزٍ بيّنٍ فقد اختار ألا يرى، والإختيار مسؤولية.
وتذهب المادة الثالثة المشتركة إلى أبعد من ذلك، إذ تفرض معاملة إنسانية لكل من لا يشارك في الأعمال العدائية، ومنهم من ألقى سلاحه أو عجز عن حمله، وتحظر القتل بجميع أشكاله والتشويه والمعاملة القاسية. 
والأهم من نصها روحها: إنها لا تشترط المعاملة بالمثل. 
فلو ارتكب العدو ما ارتكب، لم يُبح ذلك مثله، لأن هذه الحماية ليست جائزة تُمنح للأخيار، بل حقٌّ ملازم للإنسان بما هو إنسان.
كرامة المقاتل لا تسقط بسقوطه...
إن ثمة فكرة تغيب كثيراً عن ضجيج الحروب: أن الإنسان الذي حمل السلاح ثم هُزم لم يفقد إنسانيته. 
بل صار أحوج إلى حماية القانون مما كان في أي وقتٍ مضى، لأنه في تلك اللحظة بالذات يملك القوي كل سلطان عليه. 
وما يميّز الأمم المتحضرة عن غيرها هو ما تفعله بعدوّها حين لا يعود بإمكانه أن يؤذيها. فالقوة التي لا تكبحها إلا الخشية ليست قانوناً، أما التي تكبحها الكرامة فهي كذلك.
لذلك تبقى الكاميرا شاهدةً على صاحبها،
فإذا ثبت أن الفعل جرى تصويره وبثّه، فذلك يضيف إلى الجريمة وجهاً أشد قتامة. فمن يوثّق فعله ويعرضه لا يراه عاراً يُوارى، بل مأثرة تُذاع. 
وهذا اختلال في الميزان الأخلاقي لا يقلّ خطراً عن الفعل نفسه، ويدخل في عداد المعاملة المهينة والحاطّة بالكرامة التي يحظرها القانون الدولي الإنساني.
لكن للمفارقة وجهاً آخر: فالمشاهد التي أرادها أصحابها تفاخراً قد تصير في يد العدالة دليل إدانة. 
وقد اعتمدت المحاكم الدولية على المواد المصورة في قضايا سابقة، متى تحقق خبراؤها من أصالتها ومصدرها وسياقها.
ولا تنتهي المسؤولية عند من حرّك الآلة. فالمادة 8 من نظام روما الأساسي تعدّ القتل العمد للعاجزين عن القتال جريمة حرب، والمادة 28 تمدّ المسؤولية إلى القادة الذين علموا أو كان ينبغي أن يعلموا بالجريمة ثم لم يمنعوها أو يعاقبوا مرتكبيها. 
وحجة "تنفيذ الأوامر" لا تحمي من أطاع أمراً بيّن المخالفة للقانون. 
وفي هذا المبدأ حكمة بالغة: إنه يمنع الجريمة من أن تتوارى خلف سلسلة القيادة، ويجعل كل حلقة فيها مسؤولة أمام ضميرها قبل أن تكون مسؤولة أمام قاضيها.
ويبقى شرطان لا تستقيم العدالة من دونهما: أولهما التحقق، فمقطع لم يُتثبَّت من مكانه وزمانه وهوية من فيه أساس هشّ لأي حكم، ولا يُنصف الضحايا من يبني قضيتهم على ما قد يسقط عند أول فحص. 
وثانيهما أن يسري الميزان على الجميع: فالجريمة جريمة سواء ارتكبها خصمٌ أو حليف، ومن يدين فعلاً حين يأتيه عدوّه ويصمت عنه حين يأتيه صديقه لا يدافع عن القانون، بل يستعمله سلاحاً.
وفي النهاية، فإن اختبار الجيوش ليس في قدرتها على الظفر، بل في قدرتها على الظفر من دون أن تخسر المعنى الذي من أجله قاتلت. فالجيش الذي يدهس عدوّه المهزوم لا يزداد نصراً، بل ينقص شرعية.
 وللإنسان، أياً تكن صفته وجرمه، حرمةٌ لا تُمسّ، وهي آخر ما يفصل بين الحرب والمجزرة. 
فإذا سقطت، لم يبقَ ما تسمّى حرباً، ولا ما يستحق أن يُسمّى انتصاراً.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 10/7/2026 10:45:00 PM
تعود مؤرخة الفن ثريا نجيم لقيادة اللوفر أبوظبي بعدما أسهمت في تأسيس رؤيته وتطوير مقتنياته، حاملةً خبرة دولية في الفن الإسلامي وإدارة المجموعات والمعارض.
المشرق-العربي 10/7/2026 10:20:00 AM
نشرت كتائب القسام مشاهد موثّقة وغير منشورة سابقاً ليحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، الذي قتل في 16 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2024 خلال اشتباكات مع قوة من الجيش الإسرائيلي في جنوب قطاع غزة.
سيكون إعدام حسن أول عملية إعدام ينفذها الجيش الأميركي منذ العام 1961.
لبنان 10/7/2026 6:23:00 AM
ثمة من رأى أن لا مصلحة لرئيس الحكومة في أن تسجل عليه سابقة إقصاء المفتي عن موقعه.