حين تربح المأساة معركة الانتباه
في أجزاء كبيرة من المشرق، ما زلنا نتحدث بلغة الأزمة والنجاة والخسارة. المشكلة ليست أننا نتذكر أكثر مما ينبغي. المشكلة أن الذاكرة والخيال يتنافسان اليوم على الشاشة نفسها. والخوارزمية تعرف جيداً أيهما يربح النقرة.
أحمد أبو زناد*
الإنسان لا يعيش ما حدث له وحسب، يعيش أيضاً الحكاية التي يرويها لنفسه عمّا حدث. والمجتمعات تفعل الشيء نفسه. بعد كل حرب، وهزيمة، وأزمة كبرى، تظهر عادةً سرديتان، كلتاهما ضرورية.
الأولى تنظر إلى الخلف. تسأل: ماذا حدث؟ من أخطأ؟ لماذا سمحنا له أن يحدث؟ وكيف نضمن ألّا يتكرر؟ هذه ليست سردية تشاؤم. هذه سردية ذاكرة ومحاسبة وحماية. أما الثانية فتنظر إلى الأمام. تسأل: ماذا بقي لدينا؟ ماذا تعلمنا؟ ماذا نستطيع أن نبني؟ ومن نريد أن نصبح بعد كل هذا؟ هذه أيضاً ليست سردية تفاؤل ساذج. إنها سردية الإمكان.
هكذا نهضت مجتمعات كثيرة من كوارثها. اليابان لم تنسَ الحرب. أوروبا لم تنسَ الدمار. وفنلندا لم تنسَ ما خسرته في حروبها مع الاتحاد السوفياتي، لكنها لم تجعل الخسارة خاتمة الحكاية. قالت لنفسها، بشكل أو بآخر: هذا ما حدث لنا. والآن، ماذا سنفعل بما بقي لنا؟
المشكلة تبدأ حين تختفي إحدى السرديتين. حين يصبح الحلم إنكاراً للجرح، أو حين يصبح الجرح هوية لا تسمح بالحلم. فالمأساة يجب أن تبقى في الذاكرة، لكنها يجب ألا تسكن المستقبل. ولآلاف السنين، بقيت هاتان السرديتان تتجاذبان وعي المجتمعات: واحدة تحذرنا مما كان، وأخرى تدفعنا نحو ما يمكن أن يكون. ثم دخل لاعب جديد إلى الغرفة.
صناعة الانتباه
في البداية، كانت الصحيفة تختار لنا أهم ما حدث في يوم كامل. ثم جاء التلفزيون، وصارت نشرة المساء تختار لنا أهم ما حدث في الساعات الماضية. بعدها جاءت قنوات الأخبار على مدار الساعة، وهنا تغير شيء مهم. لم يعد يكفي أن يكون هناك خبر. أصبح لا بد أن يكون هناك حدث طوال الوقت.
والأزمة، بطبيعتها، أكثر ملاءمة للشاشة من الاستقرار. الخطر أسرع من التقدم. الانفجار يملك صورة. أما بناء مؤسسة، أو تحسين مدرسة، أو إصلاح قطاع، فقد يحتاج عشر سنوات ولا يملك لحظة درامية واحدة. ومع ذلك، بقي هناك محرر. مؤسسة. نشرة تبدأ وتنتهي. شخص ما، في مكان ما، يقرر أن هذه القصة مهمة حتى لو لم تكن الأكثر إثارة. ثم جاءت المنصة. وثم الخوارزمية. وهنا تغير السؤال من: ما الذي يحتاج الناس إلى معرفته؟ إلى: ما الذي سيجذب ويبقي الانتباه؟
وهنا وجدت السردية السلبية أفضلية واضحة. الخوف يشد الانتباه. الغضب يدفعنا إلى التعليق. الظلم يستفزنا. العدو يجمعنا. الخيانة تنتشر. والكارثة دائماً أكثر إلحاحاً من خبر يقول إن شيئاً ما تحسن قليلاً هذا العام.
والبيانات اليوم تقول لنا شيئاً لا نحتاج حتى إلى كثير من الخيال لفهمه: الكلمات السلبية ترفع احتمالات النقر، والغضب يُكافأ بالتفاعل، ومحتوى "نحن وهم" ينتشر أكثر. لذلك لم تختفِ السردية الإيجابية لأنها أصبحت أقل صدقاً. اختفت، جزئياً، لأنها أصبحت أقل قدرة على المنافسة في سوق الانتباه.
ثم جاءت الخوارزمية إلى منطقتنا في توقيت سيئ جداً. لم يكن عليها أن تخترع لنا أسباب الغضب. فلسطين موجودة. سوريا موجودة. لبنان والعراق واليمن موجودة. البطالة والهجرة والفساد والانهيار الاقتصادي كلها حقائق، لا أوهام صنعتها شاشة هاتف. كل ما احتاجت إليه الخوارزمية هو أن تعيد توزيع هذه الحقائق علينا، مرة بعد مرة، وبالترتيب الذي يضمن أكبر قدر من انتباهنا.
وهنا تبدأ المشكلة. ليس لأن ما نراه كاذب. بل لأنه لا يمثل كل ما يحدث. نرى بكثافة ما فشل، ومن ظلمنا، وما خسرناه، ومن خان، وما يجب ألّا يتكرر. ونرى أقل بكثير ما يُبنى، وما يتحسن، وما يمكن تغييره، وإلى أين يمكن أن نذهب.
انظر إلى الخليج بحذر. نعم، لديه ظروف اقتصادية واستقرار وإمكانات مادية لا يملكها كثير من المشرق. لكن لديه أيضاً لغة واضحة للمستقبل: 2030. 2040. 2071. أهداف، قطاعات، مشاريع، مؤشرات، ومواعيد مع شيء لم يحدث بعد.
في أجزاء كبيرة من المشرق، ما زلنا نتحدث بلغة الأزمة والنجاة والخسارة. المشكلة ليست أننا نتذكر أكثر مما ينبغي. المشكلة أن الذاكرة والخيال يتنافسان اليوم على الشاشة نفسها. والخوارزمية تعرف جيداً أيهما يربح النقرة.
لهذا لا أدعو إلى صحافة سعيدة، ولا إلى تفاؤل مصطنع. الصحافة التي لا تكشف الفشل ليست صحافة. والمجتمع الذي لا يحاسب يعيد أخطاءه. لكن المجتمع يحتاج إلى جهازين. جهاز إنذار يقول له: لا تسمح لهذا أن يحدث مرة أخرى، وجهاز ملاحة يقول له: وهذا هو المكان الذي نريد أن نذهب إليه الآن.
أخشى أننا أصبحنا نملك جهاز إنذار مذهلًا، ونكاد ننسى أن نسأل عن الاتجاه.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية
نبض