أين مصلحة الرأي العام من قانون الانتخابات؟
بسام ن ضو ( كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية )
تعتبر الأنظمة الديمقراطية أنّ الانتخابات عملية تصويت رسمية يختار من خلالها الرأي العام أفراداً يمثلونهم في البرلمان، وهذه الانتخابات تُجرى في مواعيد محدّدة ينص عليها الدستور وشرعة حقوق الإنسان والغاية الأساسية ضمان التداول الديمقراطي السليم للسلطة. من ضمن شروط الانتخابات النزيهة في المبدأ يُعتمد على نص دستوري واضح يُحدِّدْ الفترة الزمنية للمجلس، على أنْ تُكلّف لجنة من الأكاديميين الاختصاصيين في علمَي الديمقراطية والسياسة دراسة القانون الانتخابي وتقسيم الدوائر كما النظام الانتخابي؛ والشرط الأبرز أن تكون الهيئات أو اللجنة المعدّة للقانون مستقلّة وغير معنية في مواضيع الترّشح والمراقبة والفرز.
إنّ الغاية الرئيسية من إجراء الانتخابات أولاً الديمقراطية وحرية الاختيار ومبدئية الاستقرار السياسي الوطني والاجتماعي، وثانياً منح الرأي العام (الناخبون) سلطة مطلقة غير مقيّدة في اختيار الحكام. وفي هذه الحالة، يكون الرأي العام مصدر السلطات الأساسي، لا مُجرّد دُمية بيد المتسلّطين على الدولة وأجهزتها الرسمية؛ والغاية من الانتخابات في الدول المتحضرة لا ينحصر في الولاء المطلق للزعامات بل عملياً وفعلياً تمكين الرأي العام (الناخبون) من تجديد الثقة في المسؤول الناجح وإقصاء الفاشل، ويكون هذا الأمر عبر صناديق الاقتراع.
في علم الانتخاباتElection Science ، يُذكـر أنه مجال إعدادي لدراسة يقوم بها أكاديميّون يختصّـون بدراسة العمليات الانتخابية وكيفية إدارتها من خلال أنظمة انتخابية، منها على سبيل المثال لا الحصر: النظام الأكثري – النظام النسبي – النظام المختلط – نظام الدائرة الصغرى. الجمهورية اللبنانية بعد إقرار وثيقة الوفاق الوطني عرفتْ تجارب انتخابية محدّدة في قانون الستين والقانون المعتمد حالياً (حزيران 2017، قانون نسبي هجين يجمع بين اللائحة المغلقة في 15 دائرة، والصوت التفضيلي الواحد ضمن القضاء، والفرز المذهبي لمقاعد المجلس)، وهما مدار جـدل وانتقاد من قبل أطراف عدّة علمانية وروحية، لكونهما لم يعكسا في أي دورة أنهما كانا يحملان قدرة الرأي العام على التصويت بحرية، وأنّ النتيجة كانت نزيهة وشفّافة أو تنافسية.
إنّ ما يُميّزْ الانتخابات في لبنان "الترتيب المسبق" و"الوجه الطائفي المذهبي"، مما يجعلها انتخابات غير مشمولة بضمانات ديمقراطية تفرز مجلساً يمثل خير تمثيل . إنّ الانتخابات النيابية والزعامات السياسية الطارئة تتقاطع المصالح الخاصة، فبدون الشفافية والمصداقية والديمقراطية لا يمكن الحديث عن تنظيم انتخابات حرّة ونزيهة، كما أنه لا مصداقية لنتائج الانتخابات التي حصلتْ سابقاً، والمعروف - من خلال الوقائع الملموسة والموّثقة - أنّ نتائج الاقتراع مغشوشة وهي فعلياً مجرد فولكلور انتخابي ينظّم على قياس القوى الحاكمة ينتج عنها برلمان مشكوك بمصداقيته ومشروعية التمثيل ونقيض ما يُعرف بعلم السياسة.
كمركز أبحاث (PEAC) تظهّر للإدارة المركزية أنّ هناك نيّة لتعديل أو إعادة فتح ملف قانون الانتخابات وسط حرب دائرة على الأرض اللبنانية وعدم توّفر لجنة أكاديمية مكلّفة ومتخصصة لإدارة هذا الملف، مع العلم أنّ بعض وسائل الإعلام تعمّدت نشر بعض المقالات عن الموضوع ليصار إلى طرح سؤال جوهري: ما الغاية من فتح الباب أمام هذا الموضوع؟ ومن هي الجهة المخوّلة دراسة موضوع القانون؟ والجدير ذكره على هامش هذه المقالة أنه في أوائل الشهر الحالي عقدت اللجنة النيابية المكلّفة درس ومناقشة اقتراحات القوانين الانتخابية، برئاسة الأستاذ إلياس بوصعب، جلستها الأولى، وتصدّرت التصاريح "أنّ الأجواء جيِّدة"، لتبدأ الأسئلة عن مفاهيم طبيعة النقاشات والاقتراحات وردود الفعل واللجنة وأعضائها واختصاصاتهم ومدى حريتهم والتزاماتهم الديمقراطية؟! والخشية من كل ذلك تحويل ملف الانتخابات لجولة جديدة من الرياء والكيديّة والمزايدات السياسية والتهرُّب من الإصلاحات الحقيقية التي تضمن العديد من الأمور.
وفق المنظومة الديمقراطية، إنّ الانتخابات النيابية تمثِّـلْ المحطة الأساسية لتجديد الشرعية السياسية، وإعادة تشكيل الكتل النيابية وتفعيل دور المؤسسات الرقابية وتسهيل أمور المواطنين. الهدف الرئيسي من الانتخابات محطة مفصلية تتجاوز مجرد التجديد الإداري والمادي على ما هو حاصل مرحلياً، إنما الهدف إعادة تشكيل الخريطة السياسية لتكون نتيجة تداخل عوامل قانونية ديمقراطية جديدة تضع الرأي العام أمام اختبار حقيقي لحسنْ الاختيار. وعلى الناخبين أن يقرأوا قراءة سياسية هادئة ومتزنة وموضوعية ومسؤولة واستحضار ما سيحمله قانون الانتخابات في حالتي الإبقاء على ما هو عليه، أو الإلغاء في صناديق الاقتراع من رسائل ودلالات.
أين مصلحة الرأي العام من قانون الانتخابات؟ في المنطق العلمي الديمقراطي تتحقق مصلحة الرأي العام من قوانين الانتخابات عندما تضمن له فعلياً وعملياً وقانونياً ودستورياً البيئة الديمقراطية العادلة والصوت المؤثِّرْ والتمثيل الحقيقي المعبِّرْ عن تطلعاته.
أين مصلحة الرأي العام من قانون الانتخابات؟ تتمثل هذه المصلحة في مجموعة من القواعد الدستورية والتشريعية والإدارية والقضائية التي تهدف إلى حماية الحقوق السياسية للناخبين اللبنانيين لا السياسيين، كما ضمان تكافؤ الفرص بين المرشحين ومنع التلاعب في النتائج أو التأثير غير المشروع على إرادة الناخبين.
نبض